الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. ظواهر وتحديات خطيرة

رأي الوطن .. ظواهر وتحديات خطيرة

الحديث عن قضايا هروب الأيدي العاملة الوافدة وبرامج استيعاب الباحثين عن عمل ودوران القوى العاملة الوطنية وتركها العمل في وظائف بالقطاع الخاص، هو حديث ذو شجون، ذلك لما تمثله هذه القضايا من تحديات وتفاعلات أمام صانع القرار ومتخذه، لا سيما وأن هذه التحديات لها انعكاساتها على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي والسياسي والأمني، وما يزيد من تحدياتها أنها قضايا متفاعلة ومتطورة ومتجددة ومتشعبة، بالنظر إلى تضاعف أعداد الأيدي العاملة الوافدة وبخاصة الأيدي غير الماهرة، وكذلك تضاعف أعداد المخرجات التعليمية وعدم مواءمة الكثير من تخصصاتها لسوق العمل.
وعلى الرغم من الجهود التي تقوم بها الحكومة من متابعة مستمرة لسير الأيدي العاملة الوافدة والحد من معدلاتها التي تجاوزت نسبة الثلاثين في المئة والتي باتت تمثل قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، مع عدم إغفال انتشار مساوئها بصورة ملحوظة مهددة السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، ومساهِمةً بشكل لافت في رفع معدلات الباحثين عن عمل في صفوف المواطنين، فإن تدفقها لا يزال يسجل ارتفاعًا ملحوظًا، وكأنه يشير إلى هجرة جماعية من دول القارة الآسيوية التي تتبوأ مركز الصدارة في معدلات الوافدين منها. فكم هي مفزعة ومخيفة تلك الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حول عدد سكان السلطنة وعدد الوافدين، حيث أشارت الإحصاءات إلى أن نسبة الوافدين في محافظة مسقط وحدها تفوق نسبة المواطنين.
والحق يقال لقد أدت الخطط الخمسية دورها بإتقان شديد حتى وصلت بنا إلى ما نحن عليه الآن من تقدم ملموس في كافة نواحي الحياة الخاصة والعامة، والعمل بكل جهد ممكن على توفير فرص العمل المناسبة للباحثين عن عمل، ولم تقف هذه الجهود عند حد معين، بل لا تزال متواصلة، سواء على صعيد الخطط التنموية أو عند إسناد مناقصات المشاريع التنموية الضخمة، أو على صعيد المناقشات والدراسات والبحوث.
وتكاملًا مع الرؤى والتوجيهات والأوامر السامية الحكيمة، وبحثًا في صيغ تنفيذها، كان لمجلس عُمان بجناحيه (الدولة والشورى) الدور الحيوي في صناعة القرار. وانطلاقًا من الشعور بالمسؤولية تجاه مسيرة التنمية بشكل عام وبخاصة التنمية البشرية ودورها في التنمية، والتحديات التي ضاعفتها الزيادة المطردة في الأيدي العاملة الوافدة أمام الحكومة التي تسعى إلى توفير العيش الكريم للمواطنين، استكمل مجلس الشورى أمس جلساته النقاشية مع معالي الشيخ عبدالله بن ناصر البكري وزير القوى العاملة، حيث أضاء معاليه خلال بيانه وكذلك المناقشات كافة الجوانب المتعلقة بفرص العمل في القطاع الخاص والأيدي العاملة الوافدة، وظاهرة دوران الأيدي العاملة الوطنية بين مؤسسات وشركات القطاع الخاص وأثر ذلك، ودور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في مجال تشغيل وتوفير فرص عمل للمواطنين وبرامج الدعم والتمويل، بالإضافة إلى التعليم التقني والتدريب المهني والخطط والبرامج المعتمدة لزيادة الطاقة الاستيعابية في أعداد الطلبة الملتحقين بالكليات التقنية، والتوسع في البرامج الدراسية والتدريبية والتنوع في التخصصات العلمية والتقنية والمهنية بما يلبي احتياجات سوق العمل للقوى العاملة الوطنية بتنوع تخصصاتها ومستويات مهاراتها.
غير أنه كانت لافتةً النقاشات المركزة على أبرز قضيتين ألا وهما هروب الأيدي العاملة الوافدة، وتوفير فرص العمل أمام المواطنين الباحثين عن عمل واستيعاب المخرجات التعليمية، حيث إنه في الوقت الذي يسجل فيه مؤشر أعداد القوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص تراجعًا، يقابله ارتفاع ملحوظ في مؤشر أعداد القوى العاملة الوافدة، ولا ريب أن هناك عوامل عدة تسهم في ارتفاع أعداد العمال الوافدين، منها التجارة المستترة وأكثر من سجل تجاري لدى المواطن، والهروب والعمل غير الشرعي، والتسلل عبر المنافذ البحرية والبرية، بالإضافة إلى ظاهرة الأيدي العاملة السائبة والمسرحة، وتدني الأجور، وتفضيل العامل المواطن الوظيفة الحكومية بسبب تدني الأجور في معظم مؤسسات القطاع الخاص، وضعف مستحقات ما بعد الخدمة، وسيطرة الأيدي العاملة الوافدة على الوظائف القيادية والعليا في القطاع الخاص، وإسناد الوظائف الدنيا المتواضعة إلى القوى العاملة الوطنية، وبخاصة في القطاعات التي ليس بها تعمين مئة بالمئة على عكس القطاع المصرفي الذي حقق نسبة تعمين مئة بالمئة.
ما من شك أن مقتضيات الواقع وصيرورة الحياة اليوم تحتم إجراء المراجعات الشاملة للبحث عن الحلول الكفيلة بتذليل المعوقات والتحديات كافة، والتدخل السريع لإجراء مراجعة شاملة وحاسمة وإدخال التعديلات اللازمة التي من شأنها بناء بيئة عمل صحية وجاذبة ومستقرة ومنتجة، والتحرك نحو مزيد من التكامل بين مؤسسات الدولة لمعالجة مواطن الخلل وتجويد الحسن فيها بهدف الارتقاء بحياة المواطن العماني تحقيقًا لأهداف النهضة المباركة.
كما لا بد من التأكيد على أن المسؤولية مشتركة بين المواطن والحكومة، وما لم يكن الهدف مشتركًا وهو الحفاظ على سلامة الوطن والمجتمع وتجنيبه الآثار المرتبة على هذه التحديات والظواهر الخطيرة، فإن المشكلة ستتحول إلى قنبلة ستقلب كل الموازين، وساعتئذ لن ينفع الندم.

إلى الأعلى