الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ثلاث نقاط سوداء

ثلاث نقاط سوداء

” .. لعبت قوى المعارضة المسلحة في سوريا في البداية دورا في تهيئة المناخ في قطاعات واسعة من البلاد لتكون بيئة مناسبة لجماعات التطرف حتى أعلن تنظيم داعش ما سماه دولة الخلافة في أجزاء من سوريا والعراق. وينتظر الإخوان أن تسفر جهود القوى الإقليمية والدولية في إسقاط النظام المركزي في دمشق ليقدموا أنفسهم بديلا جاهزا (سيوصف وقتها بالاعتدال وغيره) لحكم ما تبقى من خراب سوريا.”
ــــــــــــــــــــــ
تشهد خريطة المنطقة منذ ما سمي “الربيع العربي” حركة ألوان اختلفت عليها التسميات حسب زاوية النظر وتوجه الناظر. فمن “ثورة الياسمين” الأبيض في تونس إلى البنفسجي وغيره من الألوان المختلفة من مصر إلى اليمن، لكن لم يمض وقت طويل حتى تحولت كل تلك الألوان ليطغى اللون الأحمر، لون الدم والعنف، ممزوجا باللون الأخضر لون شعار جماعة الإخوان وأمثالها. ورغم إزاحة الإخوان باحتجاجات شعبية في مصر وعبر انتخابات في تونس إلا أنهم لم يتخلوا عن مطمع السلطة وركوب موجة الاحتجاجات الشعبية على حكام البلدان التي شهدت انتفاضات في 2011. ويظل السجال في تونس عبر الانتخابات والتحالفات وفي مصر عبر حسابات القوى والمواءمات والتوازنات. لكن الصراع في ليبيا بدا دمويا ولا يتوقع له نهاية إلا بالقوة رغم كل محاولات الأمم المتحدة التفاوض على تسوية. كذلك الحال في سوريا التي لم تشهد انتفاضة الا لبضعة اسابيع وتحول الأمر إلى حرب أهلية حصدت مئات آلاف الأرواح حتى الآن وشردت الملايين من سكان البلاد. أما اليمن، فلم تكد تشهد تحولا غير كامل في السلطة حتى سعت أطراف القوة إلى صراع مسلح تطلب تدخلا عسكريا إقليميا.
وبعد أربعة اعوام الآن على بدء موجة الاحتجاجات والاضطرابات في عدد من بلدان المنطقة، ومحاولة بقية البلدان تفادي تلك الموجة ببعض اصلاحات أو رشاوى اجتماعية، يمكن القول أنه باستثناء ألوان باهتة هنا وهناك أمامنا ثلاث نقاط سوداء هي ليبيا وسوريا واليمن. خذ ما شئت من التفسيرات لسواد تلك النقاط على الخريطة العربية: الأسود لون علم تنظيمات الإرهاب (القاعدة، داعش، النصرة، …) والأسود مزيج ألوان الدم والإخوان والأوضاع المتردية عموما، والأسود لون ايام تلك البلدان المقبلة مع تحولها لدول فاشلة في صراع ممتد بغطاء ديني. أما ليبيا، فنتيجة غياب أي بناء للدولة والمجتمع وبعد التدخل العسكري الغربي الممول عربيا لإسقاط القذافي تركت نهبا لجماعات متصارعة من بينها جماعات إخوانية وقريبة منها. وكانت تلك بيئة مناسبة لاحتضان فلول القاعدة وجماعات إرهابية أخرى جعلت من ليبيا نقطة تجميع وانطلاق لتغذية جماعات الإرهاب في سوريا والعراق بالمقاتلين وربما أشكل أخرى من الدعم.
ولعبت قوى المعارضة المسلحة في سوريا في البداية دورا تهيئة المناخ في قطاعات واسعة من البلاد لتكون بيئة مناسبة لجماعات التطرف حتى أعلن تنظيم داعش ما سماه دولة الخلافة في أجزاء من سوريا والعراق. وينتظر الإخوان أن تسفر جهود القوى الإقليمية والدولية في إسقاط النظام المركزي في دمشق ليقدموا أنفسهم بديلا جاهزا (سيوصف وقتها بالاعتدال وغيره) لحكم ما تبقى من خراب سوريا. وهذا ما يجري أيضا في ليبيا بالمناسبة، إذ ينتظر الإخوان نهاية ما للصراع بين الجماعات والفصائل والقبائل (وليس للإخوان كجماعة قوات مقاتلة ذات معنى) لتقدمهم الأمم المتحدة على أنهم “فصيل توافقي يرضي جميع الأطراف” ليحكموا ما تبقى من ليبيا. ولسوريا وليبيا أهمية خاصة على الخريطة العربية، بغض النظر عن تطورات أوضاع البلدين ما بعد الاستقلال، إذ انهما يمثلان جناحا قوة مركزية ـ فيما مضى على الأقل ـ هي مصر. تكتسب ليبيا أهميتها من ثروتها النفطية الهائلة ومساحتها الشاسعة ما بين شواطئ المتوسط وحدود شمالية لدول افريقية، وتكتسب سوريا اهميتها من تاريخها وحدودها مع فلسطين المحتلة (وتحتل اسرائيل جزءا من سوريا ـ مرتفعات الجولان) وكذلك حدودها الطويلة مع تركيا (وتحتل تركيا لواء الاسكندرون السوري).
تبقى اليمن، وإن بدت بعيدة عن قلب الشرق الأوسط جغرافيا إلا أن وقوعها على مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر ومتاخمتها لشبه الجزيرة العربية وحدوده مع اثنتين من دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى تنوعها الطائفي والقبلي يجعل منها بلدا ذا أهمية استراتيجية كبيرة بغض النظر عن وضعها الاقتصادي وحالها الذي تسببت فيه سنوات طويلة من حكم النظام السابق. ووجد تنظيم القاعدة وكثير من عناصره الإرهابية ملاذا في اليمن ـ وبعضهم تعود أصوله إلى هذا البلد ـ جعله ساحة للقصف الأميركي وعمليات الاستخبارات منذ سنوات سبقت حتى تغيير النظام عام 2011. وإذا نحينا ليبيا جانبا لبرهة، نرى أن سوريا واليمن بهما صراع نفوذ لقوى اقليمية تحت شعارات طائفية وسياسية مختلفة. أما ليبيا، فإن الاهتمام الإقليمي ـ خاصة من جانب تركيا ـ يعود إلى سعي تركيا لاستعادة أمجاد امبراطورية عبر مطية إخوانية وفي إطار تنافس اقليمي مع القوة الأخرى الموازية: إيران. وتمثل إيران طرفا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في الصراع في كل من سوريا والعراق من ناحية واليمن من ناحية أخرى.
لا يفيد استمرار الصراع في الدول الثلاث سوى قوة واحدة، مهما كانت الدعاوى بمكاسب لهذا الطرف أو ذاك، هي الإرهاب وجذره السياسي. وليت الطرفان الاقليميان المعنيان بأمر تلك الصراعات (ويذكيان نيرانها في الواقع) يدركان مبكرا أنهما ـ قصدا أم لم يقصدا ـ إنما يهيئان الفرصة لقوى يفترض انهما يحاربانها لأنها تهدد مصالحهما معا ويتفقان على وقف هذا الدمار. ليس لقوة الإخوان وميليشيات الإرهاب ستسيطر تلك الجماعات الظلامية على الدول الثلاث، سوريا وليبيا واليمن، ولكن بسبب التدمير الذي تشهده تلك الدول في صراعات داخلية واقليمية.

د.أحمد مصطفى
كاتب وصحفي مصري

إلى الأعلى