الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ذكرى انتصار فيتنام.. بين قيادتين: ثائرة وتاجرة!

ذكرى انتصار فيتنام.. بين قيادتين: ثائرة وتاجرة!

د. فايز رشيد

” فاوضت الجبهة أعداءها سنوات طويلة. قاد وفد الجبهة المفاوض الشهير”لي دوك تو”، وقاد الوفد الأميركي هنري كسينجر( اقرؤوا مذكراته إضافة إلى سلسلة مقالاته في صحيفة لوس أنجلوس تايمز بين الأعوام 2007 – 2009، وقد تطرق فيها إلى المفاوضات. كما يمكن الاستزادة بقراءة المزيد من الكتب عن الحرب التحرير الفيتنامية ودروسها… وهي أكثر من أن تعد أو تحصى!).”
ـــــــــــــــــــــــــــ
30 أبريل عام 1975 سيظل مطبوعا في ذاكرة العالم وذاكرة صانعيه، الشعب الفيتنامي البطل، الذي علّمّ بكفاحه الوطني التحرري العادل ( بقيادة الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام – الفيتكونغ) دروسا مهمة في النضال والحرب الشعبية لتحرير الوطن من المعتدين، وتمريغ أنوف رؤسائهم وقادتهم ومرتزقتهم وجنودهم في الوحل!. ما زال العالم (في الذكرى 40 لانتصار فيتنام) يذكر المروحية الأميركية التي فوق مبنى السفارة الأميركية في سايجون، وأدلت حبلا.. تسلّق عليه السفير الاميركي وموظفو السفارة وهم يجرّون أذيال الهزيمة والخيبة والعار!. منظر أخذ يفتح لنا نحن الفلسطينيين وأبناء الامة العربية الواحدة من المحيط إلى الخليج .. آفاقا جديدة، ويعزز القناعات لدى كل منا بحتمية تحرير وطننا الفلسطيني السليب.. كاملا من النهر إلى البحر.. ومن رأس الناقورة حتى رفح!. ذلك اليوم.. عندما يحمل مستوطنو العدو الصهيوني عصيّهم على كواهلم ويرحلواعن أرضنا.. عن أحلامنا.. عن تاريخنا.. عن حضارتنا.. عن عيشهم المتطفل على دمائنا!. ذلك اليوم حتمي .. وسعيدون هم من سيعيشون أحداثه… فلا تعايش مطلقا مع هذا المشروع الصهيوني الشايلوكي اللئيم.
أربعون عاما على هزيمة الأسياد وعبيدهم من جنرالات وقادة جيش فيتنام الجنوبية .. المأجورين والقتلة .. الدمى الصغيرة بين أيدي أولياء نعمتهم!. أربعون عاما على انتصار حركة تحرر وطنية لشعب قرر القتال في سبيل تحرير ارضه وإعادة توحيد وطنه بعد تمزيقه من المحتلين الفرنسيين واليابانيين من قبل. لقد خاض الفيتكونغ الكفاح المسلح بكل وسائله، واخترعوا أساليب مقاومة جديدة انسجاما مع طبيعة أرضهم المليئة بالمستنقعات وبالغابات. لم تساوم قيادتهم ( الجبهة الوطنية التي ائتلف وانضوى تحت لوائها 22 جماعة وحزبا من بينها: تجمعات كاثوليكية وبروتستانتية ورجالات دين) لم تساوم على حق ولو صغيرا في التحرر الكامل والانسحاب التام ونيل كافة الحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفيتنامي. كانت هذه الحقوق ونهج الكفاح المسلح هما الأساس كشرطين ضروريين لانخراط أي حركة/حزب/جماعة في الجبهة الوطنية (التي قادها فرع الحزب الشيوعي الفيتنامي في الجنوب).
فاوضت الجبهة أعداءها الأميركيين في باريس بعد أن أيقن المعتدون استحالة بقائهم في فيتنام، وبخاصة بعد مئات آلاف الجثث لجنودها الذين أعيدوا في توابيت لأهاليهم.. وما أثاره هذا الموت من مظاهرات شعبية واحتجاجات في كل المدن الأميركية والكل يطالب بالانسحاب من فيتنام. إضافة بالطبع إلى المظاهرات الصاخبة في كل انحاء العالم ضد الاحتلال الأميركي لجنوب فيتنام .. وضد حرب الإبادة الجماعية التي اقترفتها الولايات المتحدة بحق الشعب الفيتنامي البطل. أحرقوا قرى وغابات بأكملها، استعملوا الاسلحة الكيماوية لحرق أوراق الشجر (بقصد تسهيل البحث عن مقاتلي الجبهة)، ارتكبوا كل أنواع الفظائع الممكنة من التي قد تخطر أو لا تخطر على بال! لذلك نقول: التلميذ الصهيوني استخدم أساليب أسياده في القتل وارتكاب الجرائم!.
فاوضت الجبهة أعداءها سنوات طويلة. قاد وفد الجبهة المفاوض الشهير”لي دوك تو”، وقاد الوفد الأميركي هنري كسينجر( اقرؤوا مذكراته إضافة إلى سلسلة مقالاته في صحيفة لوس أنجلوس تايمز بين الأعوام 2007 – 2009، وقد تطرق فيها إلى المفاوضات. كما يمكن الاستزادة بقراءة المزيد من الكتب عن الحرب التحرير الفيتنامية ودروسها… وهي أكثر من أن تعد أو تحصى!). كانت الجلسات أحيانا تستغرق دقيقة: يطرح رئيس الوفد الفيتنامي مطالبه دون لف أو دوران! يسألُ كيسنجرا..إن كان هناك استعداد لدى أميركا للانسحاب من فيتنام دون قيد أوشرط!؟. عندما يجيبه رئيس الوفد الأميركي بـ “لا” ، ينسحب الوفد الفيتنامي. تدور الوساطات لعقد جلسة أخرى. وهكذا دواليك!. كانت الحرب الكفاحية الفيتنامية تجري على الأرض في ظل المفاوضات مع الأميركان.. لم تتوقف ثانية واحدة… وجرت بعد ذلك في جلسات طويلة بعد أن أقر الرئيس نيكسون حينها، (وقد أثيرت حوله آنذاك فضيحة ووتر غيت) بضرورة الانسحاب من فيتنام!.
لم يُشاهد أعضاء الوفد الفيتنامي المُرتَدين للزي الفيتنامي الشهير، يتضاحكون ويرفعون الانخاب، ولا يتمشون مع أعضاء الوفد الأميركي في حدائق القصر محل إقامتهم!، لم يسهروا معا في مواخير باريس ولا في ملاهيها الليلية ولا في بيوت(….)! . لم يأمر الزعيم هوشي منه بوقف الكفاح المسلح وتعديل أسس تشكيل الجبهة الوطنية، ولم يصادر أسلحة مقاتلي الفيتكونغ! تحت طائلة السجن! الأهم لم يساوم على متر أرض مربع واحد من جنوب فيتنام يبقيه للأميركيين ليقيموا دولة مسخ لعملائهم في جنوب فيتنام،عليه!. لم يوافق هوشي منه ولا قادة الجبهة على إقامة حكم ذاتي في جنوب فيتنام يشرف على القضايا الحياتية لأهلها من الفيتناميين!، لم يتاجر أحد قادة السلطة المفترضة مع الأميركيين باستيراد الإسمنت الأميركي لبناء المستعمرات الأميركية المفترضة في سايغون لم يتاجر ابن زعيم القيادة الفيتنامية بخطوط الهاتف(لم يكن الخلوي مُخترَعا آنذاك!) وآخر صفقة له جرت في عمّان بقيمة 35 مليون دولار! وقبل كل شيء لم توقع قيادة الجبهة الوطنية على اتفاقيات في أوسلو باريس لتصفية القضية الوطنية لشعبها ولا اتفاقية باريس التي تُرهن اقتصاد فيتنام بالاقتصاد الأميركي!… ولم ولم ولم… الخ .
الشعب الفلسطيني لا يقل عطاء عن الشعب الفيتنامي. أُدرك أن الظروف في فيتنام هي غيرها في فلسطين، وأدرك وجود قاعدة للثوار شكلتها هانوي آنذاك! وأدرك الجغرافيا، لكن… النضال الثوري هو فن، كذلك هو الانتصار على معيقات استمرار الكفاح الثوري المسلح وابتكار الأساليب الملائمة والمواءمة لظروف النضال! وإن لم تكن القيادة إيمانا وفكرا ونهجا سياسيا ومسلكا عمليا تمثل ذلك .. فلماذا سمّت نفسها قيادة من الأساس؟. عندما نقول القيادة الفلسطينية فإنما نعني القيادة المتحكمة في م.ت. ف. والتي اهملت حتى المنظمة ومؤسساتها المختلفة .. واستعاضت عنها بـ “السلطة الفلسطينية”. نتنياهو أعلنها صراحة وعلى رؤوس الأشهاد: لن تقوم دولة فلسطينية في زمنه حتى ولو منزوعة السلاح وبدون القدس وفي ظل بقاء التجمعات الصهيونية من خلال المستوطنات في الضفة الغربية!. لن يقبل لا هو ولا كافة القادة الصهاينة بدولة فلسطينية حتى في ظل تعديل حدود عام 1967 وفقا للشروط الإسرائيلية … باختصار حتى لو (صلّت) قيادة السلطة له وللهيكل الثالث الذي ينوون بناءه على أنقاض المسجد الأقصى بعد هدمه.. فلن يقبل الكيان بدولة فلسطينية! ومع ذلك ما زالت قيادة السلطة متمسكة بـ استراتيجية التفاوض مع العدو… ونبذ الكفاح المسلح وكأنه مرض الطاعون! مع أنه القادر وحده على تحرير أرضنا. في السلطة الفلسطينية جنرالات وعمداء وأركان حرب ومقدمون أكثر مما في الجيش الفيتنامي مع أن أحدا منهم لم يخض معركة واحدة! بل ترى النياشين الصفراء تشع من على صدورهم!.
يبقى القول.. استعرض ما قاله ملهم الثورة الكوبية والنضال التحرري في كل أميركا الجنوبية القائد خوسيه مارتيه: من الغباء افتعال معركة ولكن من الجبن والعار أن تهرب من معركة جرى فرضها عليك!. وأيضا : هناك فارق كبير بين قيادة وقيادة… فرق يبعد بعد السماء عن الأرض بين قيادة ثائرة… وأخرى تاجرة!.

إلى الأعلى