السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة المعارج “3″

سورة المعارج “3″

إعداد ـ أم يوسف :
سميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لأنها ‏تَضَمُّن ‏على ‏وصف ‏حالة ‏الملائكة ‏في ‏عروجها ‏إلى ‏السماء‏‏، ‏ فسُميت ‏بهذا ‏الاسم‏‏، ‏وتسمى ‏أيضا ‏سورة (‏‏سَأَلَ ‏سَائِلٌ‎)‏، وهي مكية من المفصل وآياتها (44) وترتيبها السبعون ونزلت بعد الحاقة، بدأت السورة بفعل ماض “سأل سائل بعذاب واقع “. في الجزء (29)، الحزب (57) .
وهي: تعالج السورة أصول العقيدة الاسلامية، وقد تناولت الحديث عن القيامة وأهوالها والآخرة وما فيها من سعادة وشقاوة ، ورآية ونصب وعن أحوال المؤمنين والمجرمين في دار الجزاء والخلود، والمحور الذي تدور عليه السورة الكريمة هو الحديث عن كفار مكة وإنكارهم للبعث والنشور، واستهزائهم بدعوة الرسول.
وسبب نزولها: نزلت في النضر بن الحرث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك .. فدعا على نفسه وسأل العذاب فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرا ونزل فيه سأل سائل بعذاب واقع.
قال تعالى:(فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ).
قوله تعالى:(فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) أي على أذى قومك. والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله. وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو. والمعنى متقارب. وقال ابن زيد: هي منسوخة بآية السيف. (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً) يريد أهل مكة يرون العذاب بالنار بعيدا أي غير كائن. (وَنَرَاهُ قَرِيباً) لأن ما هو آت فهو قريب. وقال الأعمش: يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون به كأنهم يستبعدونه على جهة الإحالة. كما تقول لمن تناظره: هذا بعيد لا يكون وقيل: أي يرون هذا اليوم بعيدا (وَنَرَاهُ) أي نعلمه لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود. وهو كقولك: الشافعي يرى في هذه المسألة كذا وكذا.
قوله تعالى:(يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) العامل في “يَوْمَ” “واقع” تقديره يقع بهم العذاب يوم. وقيل:(وَنَرَاهُ) أو(يُبَصَّرُونَهُمْ) أو يكون بدلا من قريب. والمهل: دردي الزيت وعكره ؛ في قول ابن عباس وغيره. وقال ابن مسعود : ما أذيب من الرصاص والنحاس والفضة. وقال مجاهد :”كالمهل” كقيح من دم وصديد. وقد مضى في سورة “الدخان”، و”الكهف” القول فيه. (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) أي كالصوف المصبوغ. ولا يقال للصوف عهن إلا أن يكون مصبوغا. وقال الحسن: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف. ومنه قول زهير: كأن فتات العهن في كل منزل .. نزلن به حب الفنا لم يحطم الفتات القطع. والعهن الصوف الأحمر؛ واحده عهنة. وقيل: العهن الصوف ذو الألوان ؛ فشبه الجبال به في تلونها ألوانا. والمعنى: أنها تلين بعد الشدة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ، ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا. (وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه ، قال قتادة. كما قال تعالى:(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) وقيل : لا يسأل حميم عن حميم ، فحذف الجار ووصل الفعل. وقراءة العامة “يسأل” بفتح الياء. وقرأ شيبة والبزي عن عاصم “ولا يسأل بالضم على ما لم يسم فاعله، أي لا يسأل حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن قرابته ، بل كل إنسان يسأل عن عمله. نظيره:(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).
قوله تعالى:(يُبَصَّرُونَهُمْ) أي: يرونهم. وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس. فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عباس: يتعارفون ساعة ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. وفي بعض الأخبار: أن أهل القيامة يفرون من المعارف مخافة المظالم. وقال ابن عباس أيضا: (يُبَصَّرُونَهُمْ) يبصر بعضهم بعضا فيتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض. فالضمير في “يُبَصَّرُونَهُمْ” على هذا للكفار، والميم للأقرباء. وقال مجاهد: المعنى يبصر الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة ؛ فالضمير في يبصرونهم” للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. ابن زيد: المعنى يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا؛ فالضمير في (يُبَصَّرُونَهُمْ) للتابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه والمقتول قاتله. وقيل: (يُبَصَّرُونَهُمْ) يرجع إلى الملائكة؛ أي يعرفون أحوال الناس فيسوقون كل فريق إلى ما يليق بهم. وتم الكلام عند قوله: (يُبَصَّرُونَهُمْ) ثم قال:(يَوَدُّ الْمُجْرِمُ) أي يتمنى الكافر. (لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ) يعني من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر. ثم ذكرهم فقال:(بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ) زوجته (وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ) أي: عشيرته. (الَّتِي تُؤْوِيهِ) تنصره ؛ قاله مجاهد وابن زيد. وقال مالك : أمه التي تربيه. حكاه الماوردي ورواه عنه أشهب. وقال أبو عبيدة : الفصيلة دون القبيلة. وقال ثعلب: هم آباؤه الأدنون. وقال المبرد: الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد، وهي دون القبيلة. وسميت عترة الرجل فصيلته تشبيها بالبعض منه. وقد مضى في سورة “الحجرات” القول في القبيلة وغيرها. وهنا مسألة، وهي: إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها فمن أدعى العموم حمله على العشيرة، ومن أدعى الخصوص حمله على الآباء، الأدنى فالأدنى. والأول أكثر في النطق. والله أعلم. ومعنى: (تُؤْوِيهِ) تضمه وتؤمنه من خوف إن كان به. (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) أي ويود لو فدي بهم لافتدى (ثُمَّ يُنْجِيهِ) أي يخلصه ذلك الفداء. فلا بد من هذا الإضمار، كقوله :(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) أي وإن أكله لفسق. وقيل:(يَوَدُّ الْمُجْرِمُ) يقتضي جوابا بالفاء؛ كقوله:(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) والجواب في هذه الآية (ثُمَّ يُنْجِيهِ) لأنها من حروف العطف أي يود المجرم لو يفتدى فينجيه الافتداء .. والله أعلم.

.. يتبع بمشيئة الله.
(المصدر : تفسير القرطبي)

إلى الأعلى