الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / هَجْرُ القرآن .. وكيفيةُ علاجه

هَجْرُ القرآن .. وكيفيةُ علاجه

مها محمد البشير حسين نافع :
ابتُلي كثير من المسلمين بهجر القرآن فترات طويلة، وعدم القراءة فيه زمنا غير قليل، وإذا حدَّثته في ذلك أتي لك بحُجج واهية، أوهى من بيت العنكبوت، لا تقوى على النقاش، ولا تصمد أمام الدليل، فهو يقول لك على سبيل المثال: أنا لا أحسن التجويد، والقرآن يُقرَأ مجوّداً، ولا أعرف الترتيل وآدابه، والقرآن يلزم أن يكون مقروءاً مرتلاً، كما قال الله تعالى:”ورتل القرآن ترتيلا”، وأنا أُجِلُّ كتاب الله، فلا يُمكِنني أن أقرأ دون أن أتعلم أصول قراءته وقواعد تلاوته، وآخر يقول: أين أنا من كتاب الله؟، أنا لا يمكنني أن امسَّ الكتاب الطاهر، وأنا علي تلك الحال من البعد عن الله، وبعضهم يحتج بأن لغة القرآن شديدة، ومن المستحيل أن أعرفها، وبعضهم يقول: أنا مخطئ إذ لم أتعلَّم في الصغر القرآن الكريم، وكيف يُقرَأ كما كان الناس يتعلمونه قديما وهم صغار في الكتاتيب ودور التحفيظ، وقد اهتمَّ بهم أهلوهم وذووهم، أما نحن فتربَّينا علي المدارس الأجنبية، ولم نتعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم ومن ثم فنحن كالأعاجم، والقرآن له أهله، وقارئوه، ومتقنوه، أما نحن فنسمع فقط، ولا نستطيع أن نقترب من هذا الكتاب العظيم، فله خصائصه، وسماته.
وآخرون يقولون: نحن نرتكب الكبائر، فكيف نقرأ القرآن الكريم، أو نمس مثل كتاب الله العظيم، وقد يُتبِعون ذلك بنبرة بكاء صادق، وقد ينهمرون في البكاء فترة حتى يستريحوا ، ثم يكملوا قائلين: هذا مستحيل لا نعرف طريقا لقراءته، وليس عندنا في البيت مَنْ يَهتم بتعليمنا ذلك، وليس هناك أحد لديه وقتٌ ليأخذ بأيدينا، وتظل تستمع إلى كثيرٍ من الحجج الضعيفة التي تدفعهم إلى هجْر القرآن الكريم، وتعلم قواعد التجويد، وآداب القراءة، وهو أمر هينِّ، لينِّ ، سهل ، ميسور، فكيف نعالج قضية هجر القرآن الكريم الذي هو أخر كلام السماء إلى الأرض؟.
الهجر للقرآن له أنواع، منها هَجْرُ العمل به، وهجْر قراءته، وهجر الاستماع إليه، ومنها هجر الالتزام بما فيه ،والوقوف عند حدوده، وهجْر حسنِ الإصغاء إليه، والتفاعل معه ، كأن يقرأ القارئ مثلا: “أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟” فيقرؤها، ويمضي دون أن يقول: “بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين”، وإذا قرأ “أإله مع الله” لا يعقب بقوله: لا إله إلا الله، وإذا مَرَّ بآية عذاب لم يرتجف، ولم يسأل الله السلامة والنجاة، وإذا مر بآية فيها ذكر الجنة لم يَدْعُ ربه أن يجعله من أهلها ، ويُسكِنه فسيحها ، ويرزقه دخولها، بمعنى أنه لا ينفعل مع القرآن، ولا يتعايش مع معطياته ومتطلباته؛ وإنما هو سريع القراءة، كلُّ همِّه الخلاص ، والانتهاء من التلاوة بأي صورة.
ولعلاج تلك التساؤلات، ولمحاولة القرب من القرآن الكريم، وترك هجره هناك عدة أمور، الأمر الأول: أن يُدرك المسلم أنه لا قيمة له بغير القرآن الكريم، ولا وزن له ، ولا منزلة، ولا قدر إلا من خلاله ومن خلال التمسك به ، والوقوف عند حدوده، والثاني : أن يعلم أن الله ـ تعالى ـ أنزل القرآن ، ويحب من عباده أن يتلوه حقَّ تلاوته ،ويقرؤوه حقَّ قراءته، وإن ذلك من أسباب حبِّ اللهِ للعبد، والثالث: أن يدرك أن ثواب تلاوته كبير كبير ، وأن حسناته تزداد يوما بعد يوم، والرابع : أن يوقن أن الحرف يقابله عشرُ حسنات فـ (الم) تعادل ثلاثين حسنة، وأن سورة كالفاتحة فيها مائة وخمسون حرفا ، أي في ثواب تلاوتها تعادل ألفا وخمسمائة حسنة، وأن سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن ، بمعنى أن تلاوتها ثلاثَ مرات تكون في ثوابها كأنك قرأت القرآن كله، وأن الإنسان فقير إلى حسنة واحدة ، قد تدخِله الجنة، أو تورده جهنم، يقول الله تعالى:” فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز”، وأنه “من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية” وأن “من خفت موازينه من أخيه، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه، وأنه في هذا اليوم يظهر أثر القرآن وتلاوته، وأن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وأنهم في ظل الله، يوم لا ظل إلا ظله، وأنهم يشفعون لأهليهم، وأن فضل القرآن على العبد واضح في دنياه ، قبل أخراه، فهو ينير الوجه، ويسعد القلب، وينشط النفس، ويلين الفؤاد، ويرقق الطبع، وتشفُّ معه النفس، ويجعل المرء محبوبا بين الناس، محترما مكرَّما مقدما إذا دخل على قوم، يُجلسونه في مقدمتهم، ويوقِّرونه، ويرجعون إليه في كل ما يهمهم ويقلقهم، وهو مصدر سعادةِ مَنْ حوله، إذا غاب لم يُفتَقد، وإذا حضر أكرموه، ونال تقدير الخلق وإجلالهم.
ثم إن قضية التلاوة يسيرة حيث يُمْكِنُ له أن يذهب إلى أي بيت من بيوت الله؛ ليتعلم كيفيه التلاوة، وقواعد التجويد في أسبوع أو أسبوعين، ويتقنها، ويقرأ القرآن كاملا على يد أحد المشايخ الكرام، الذين وهبوا حياتهم لتعليم الناس ، وتبصيرهم بقراءة القرآن فيما يسمى بالمقارئ، ففي كلِّ مسجد مقرأةٌ، يتعلم الناس فيها حسن التلاوة، ودقة القراءة، وعندها سيفتح الله على القارئ ويعلِّمه ويشرح صدره، ويُسعِد نفسه، ويشعر بأن الكون كلَّه يبتسم له، ويبادله السعادة والسرور والهناء والحبور ، فقضية عدم معرفة التلاوة أمرها هيِّن، فلو تعهَّد شيخا يوميا بعد صلاة الفجر، أو بعد المغرب لصارتِ الأمورُ يسيرة ميسرة، وتعلَّم كلَّ أحكام التجويد، ومنها: أحكام النون الساكنة، والتنوين، وأحكام الراء، وأنواع المدود، والتفخيم والترقيق، وحكم اللام، وغيرها من أحكام التلاوة، ويَستَحْسن القراءة بعد السماع من شيخه، أو بعد سماع أصوات المقرئين القدماء، كالشيخ محمد صديق المنشاوي، أو محمود صديق المنشاوي، أو الشيخ الحصري، أو الشيخ حمود على البنا، أو الشيخ مصطفى إسماعيل، أو الشيخ الطبلاوي، أو غيرهم من قراء الأرض المتقنين المجوِّدين المعترف بهم في العالم الإسلامي كله.
وأما فيما يتعلق بهجْر العمل، فيمكن أن يتعاهد أخًا ملتزما يذكِّره بكل حكم، ويلتزم به، ويتابعه فيه، وينصحه إذا ابتعد، أو انحرف، ويظل معه إلى أن يصبحَ الالتزام به فطرةً وسجية، وعليه أن يحضر مجالس القرآن: تفسيرًا وبلاغة وفقهًا وتربية وإعجازًا حتى يرتبط أكثر من ذي قبل بالقرآن الكريم.
وليعلم أن مَنْ حاول وصل، وأفلح والمغامر، وأن الله يعين الصادق ويأخذ بيد المخلص:”إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”، وعلى أهل الخير أن يتعهدوا مثل هؤلاء، ويأخذوا بأيديهم، ويزوروهم، ويحثوهم على العمل والاستمرار فيه، ويتابعهم بين الحين والأخر، حتى تستوي أقدامهم، وتنضج عزيمتهم، ويتحولوا من أناسٍ كسالي إلى دعاة كرام ، مخلصين، نشيطين، يمسِّكون الناس بالقرآن فهما وتلاوة وقربا، ويبعدوا بهم عن الهجر له، والبعد عنه، وإنما القرب منه، والعمل وفق مقصده ومطلوبه :”الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين”.
اللهم خذ بأيدينا إليك أخْذَ الكرام عليك، واجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وضياء أبصارنا ، ومتعنا اللهم بتلاوته، وفهمه، وتدبره، واجعلنا من الذائدين عن حياضه، المُمَسِّكين الناس به، العاملين بما فيه، الداعين إليه، اللهم تقبل منا القرآن، وتلاوته، وحبه، والعمل به، واجعلنا عندك من المقبولين، يارب العالمين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى أله وصحبه أجمعين.
* ماجستير في العلوم الشرعية من كلية دار العلوم
جامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية

إلى الأعلى