الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (3)

الحمـد لله رب العـالمـين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين، وعـلى آلـه وصحـبه ومن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـيـقـول الله تبارك وتعالى:(فأحسن صوركم)، والحسن فـيه الجـمال وفـيه الكـرم والخـلـق، فـكـم يحصي الإنسان فـضل وكـرم اعـتـدال قامته.
فـكل خـلـق خـلقه الله يتـناول الطـعـام بفـمه، إلا ابن آدم الـذي خـلـقه الله فإنه يتـناول الطـعـام بيـديه، ويـرفـع بهـما الطـعـام إلى فـمه ما يـريـد، وهـنالـك فـرق كـبـير بـين من يأكل بـيـديه ومن يأكل بفـمه.
والإنسان يعـمل بيـديه ويصنع بهـما الصناعات الـدقـيقة، التي يعـجـز غـيره عـن صنعها، ثـم إن ابن آدم مخصوص بكـرم الله، فـجـعـله يصنع طعـامه وشـرابه ويهـيئهـما بـيـديه، ويصنع أنـواع الألبسة التي يكسـو بها جسمه بـيـديه، فهـو يتـفـنن في الصناعة إلى أبـعـد حـد، ويستعـمـل مـواد كـثيرة، وطـرقا مخـتـلـفة في صناعة طـعـامه وشـرابه ولباسه، وهـل نسـتـطـيع أن نعـد أنـواع الـطـعـام والشـراب ، وأنـواع اللباس والـزينة التي من الله تعالى بها عـلى الإنسان؟، وهي كلها من صـنع الإنسان بتعـلـيـم الله له وبتـوفـيـقه، وتلك مـنـزلة الإنـسان عـنـد الله وظـهـر ذلك في تنـوعـه للمأكـولات والمشـروبات والألـبسة.
وليـس هـنالـك من الحـيـوانات يسـتـطـيع أن يصنع شـيئا من هـذا أبـدا إلا صناعات بـدائية، كما تصنع بعـض الحـيـوانات أعـشاشها، وتصنع بعـضـها أكـواخها، وتصنع لنفـسها بـيـوتا أما تحـفـرها في الأرض أو تجـعـلها خـلايا كالـنحـل، ولكـن لا يقاس هـذا أبـدا بما صنع ويـصـنع الإنسان.
فالحيـوانات قـد تهـتـدي، إلى أشـياء خاصة لا تـتجـاوزها، فـقـصارى النـمـل أن تحفـر بـيـوتا في الأرض، تجمع طـعـامها مما تجـد، وهـل هـناك حـيـوان صنع لنفـسه طـعـاما مـن ألـوان مخـتـلـفـة؟ بينما قـد يشـتـمل نــوع واحـد من طـعـام الإنسان عـلى عـشرة أنـواع أو عـشـرين نـوعا، ذلك فـضل الله يـؤتيـه مـن يشـاء، فهـو ذو الفـضـل العـظـيـم.
والإنسان يتـفـنن في مسكنه، يعـلي البناء كـيـف يشـاء، ويتخـذ مـرافـق كـيـف يـشاء كما يتـفـنن في أنـواع الألـبسـة، ويصنـع للصيف ما يتـناسـب وحـرارة الصيف، وللشتاء ما يتـناسـب وبـرودة الشتاء كـذلـك للخـريف والـربيـع ما يتمـاشـى لـكل منهـما، وهـناك ألـبسـة لـكل مـناسبة، فهـذا لـباس للعـيـد، وذلـك لـباس للعـرس إلى غـير ذلك مـن المـناسـبات طـول العـام ومخـتلف الفـصول والمـناسبات.
والله تعالى لم يعـط هـذه المخـلـوقـات، التي لا تعـد ولا تحصى، مثـل ما أعـطى الإنسان بأن هـداه إلى هـذه الصناعات الـدقـيقة بـفـض ما زوده به مـن العـقـل والـذكـاء والقـوة.
وقـد يقال: إن الـنـمـل يبني بـيـوته، وإن النحـل يصنع بـيـوته، ويتخـذها عـلى أشكال هـنـدسية مسـدسة الأضلاع، حـتى لا يضيع شيء من المساحة، التي يصنع فـيها جـميع الخـلايا ، وخـلية الـنحـل شـكلها مستـديـر، وأقـرب إلى الـدائرة والمسدس، نعـم هـذه هـنـدسة دقـيقة عـجـيـبة، ولـكـن لا يعـدوها إلى شيء آخـر أي هـو شـكل واحـد ولا تـتعــدد الأشـكال ولا تـتـنـوع، ولا تـتـطـور بـتطـور الـزمان. ولـو نظـرنا إلى جـنـس النحـل هـو نفـسه مـنـذ خـلـق، وسيبقى كـذلـك إلى أن يفـنى هـو وعـسله، والله تعالى أوحى إلى الـنحـل بقـوله تعالى: (وأوحى ربـك إلى الـنحـل أن اتخـذي من الجـبال بـيـوتا ومن الشجـر ومما يعـرشـون. ثم كلي من كل الـثـمـرات فاسلكي سـبـل ربـك ذلـلا يخـرج من بطـونها شـراب مخـتـلـف ألـوانه فـيه شـفـاء للناس إن في ذلك لآية لقـوم يتـفـكـرون) (النحل 68 ـ 69).
ولـقـد هـدى الله النحـل إلى طـريقة جـمع طـعـامها مـن رحـيـق الـزهـور، لا تـتعـداها ولا تتجـاوزها وهـذا شيء واحـد يقابلها الآلاف في صـناعـة الإنسان.
فـتكـريـم الإنسان أمر يـقـيني محسوس مقـطـوع به، فهـو في أعـلى الـذرى وأعـلى الـدرجات، ولا تـكاد تكـون بينه وبين الحيـوانات الأخـرى مقارنة، حـتى بيـن الـنـحـل والنـمل أو بين كل مخـلـوق من الأمم، التي قال الله تعالى في شأنها: (وما من دابة في الأرض، ولا طائـر يطــير بجـناحيه إلا أمم أمثالكم ما فـرطـنا في الكتاب من شيء، ثـم إلى ربهـم يحشـرون) (الأنعام ـ 38).
فالله تعالى هـدى الإنسان، ومكـنه مـن أن يصنع طـعـامه وشرابه، ولباسه ومسـكـنه ويتفـنن في ذلـك ولا يـزال يتـقـدم في ذلـك ويـتـطـور، من حالة إلى أخـرى ويخـترع ويبـتـدع ويـبـدع ما هـو أفـيـد وأصلح، وأنفـع وأجـدى بالمقـصـود، وكل ذلك يـدل عـلى تمـكـين الله تعالى للإنـسان، لأنه سـيـد الكائـنات ولـعـله يـلتـفـت إلى مـن له الفـضـل والمـن، ويـؤدي مهـمته عـلى أحسن وجـه.
والله تعالى خـص الإنسان بأفـضل المـزايا، وكل جارحة فـيه شـاهـد عـلى ذلـك خـذوا الـيـد مثلا وهي مـركـبة من خـمس أصابـع متـفـاوتة، وتفـاوتها لحكـمة ولأمـر عـجـيب وغـريب، حتى تـكـتمـل القـبضة، فـيمكـن للإنسان أن يعـمل بها الأعـمال المتعـدة صـغـيرة وكـبـيرة دقـيـقة وجـلـيـلـة.
وانظـر أخـي القـارئ كـيـف جـعــل الله الإبـهام، يـقـابـل كل أصـبع مـن أصابـع اليـد، ألا يـدل ذلك عـلى ما أكرم الله به الإنـسان، فهـو يخـتـلـف عـن ذوات المخالب والأظلاف والحـوافـر، فإنها لا تستـطـيـع أن تعـمـل شيئا، ولـو عـلـمـت وليس لها أصابع متـفـرقة فـكـيـف يتأتى لها ذلك.
لـكـن يـد الإنسان صـنعـت، صناعة دقـيقة وبحـكـمة بالغـة لـكي تساعـده عـلى العـمـل، وبـدونها ماذا عـساه أن يصنع، فـلـو نـقـصت أنـمـلة من أنـامـل يـديه فـلـن يتـمكـن من صـنع ما يحـب أن يصـنع، إذن: فالله كـرمه بهـذه الصورة الحسنة الجـمـيلة المعـتـدلة، وبـكل جـزء مـن أجـزائها، وكل جارحة مـن جـوارحها لحكـمة زيادة في التكـريـم.
فـجـوارح الإنسان، وحـواسه ممتازة عـن غـيرها، ولـكل منها مـيزات كـبرى ومن وراء هـذا كله العـقـل، وهـو أصل التـكـريـم، وأصـل التـكـلـيف كـلـه، لأن هـذه الصورة، وهـذه الجـوارح وهـذه الحـواس لا تـنـفـع إلا بالعـقـل والـتـفـكـر والـتـدبـر وتسـخـيرها لما خـلـقــت مـن أجـله.
فالله تعالى كـرم بني آدم، إذ أعـطاهـم عـقـولا يـدركـون بها ولـسـانا يـعـبـرون بها، وأبصـارا يـبـصـرون بها، وأذانا يسـمـعـون بها، وأيـد يـعـمـلـون بها، والإنسان قـابل للـتعـلم والـترقي سـمـوا ورفـعـة، لأنه قـبـس من نـور الله بينما الحيـوانات الأخـرى، وإن كانت لها عـقـول، إنما أعـطاهـا الله إلهامات محـدودة ، لـذلـك كانـت صناعـتها محـدودة قال الله تعالى: (والـذي قـدّر فهـدى) (الأعـلى ـ 3)، هـداها إلى ما خـلـقـت مـن أجـله.

.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى