الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / متلازمة الولائم والخصومات

متلازمة الولائم والخصومات

عادل سعد

لو كانت الولائم وسيلة ناجحة لإنهاء المنازعات والخصومات وفك أسرار القطيعة والازدواجيات في المواقف، أقول لو كانت هذه الوسائل الحل الساحر في إنجاز ذلك لكنا الآن عربيًّا نتصدر كل أمم العالم في تصدير شعار السلام الاجتماعي والتواصل الروحي وبناء الدول والعلاقات الطيبة بيننا، واعتماد أسبقيات العمل المشترك الذي يأخذ بنظر الحاجة أن يكون الجميع في صميم المسؤولية لدرء خطر الفوضى أو العنف أو التخريب أو هذه الظواهر السائدة مجتمعة.
أقول مجددًا لو كان للولائم هذا التأثير في تغيير الأوضاع لما كانت أوضاعنا على ما هي عليه من حفلات قتل وتدمير وتشفي ونكايات وعروض لا تحصى من الشتائم والتخوين؛ لأننا أصلًا نملك (براءة اختراع) في تنظيم مواد الطعام، ونملك براءة اختراع مضافة في فائض الأطعمة التي ترمى في المكبات لمجرد أن نؤكد أننا من صلب الكريم العربي ذائع الصيت حاتم الطائي، مع ملاحظة أن الخصومات والولائم ما زالتا متلازمتين في شراكة نادرة، لها الكثير الامتدادات التاريخية، وعلى سبيل المثال لا الحصر أن الاقتتال الطائفي في لبنان خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي قد شهد مثل هذا الشراكة، أو قل الزمالة بين الظاهرتين حيث كانت المجموعات المسلحة اللبنانية المتقاتلة ضمن محاور الأحياء في العاصمة بيروت يلتقون عند مطعم (عبدو) بعد كل جولة قتال، وبالأخص ظهرًا ليتناقشوا في أطيب المقبلات اللبنانية واضعين أسلحتهم جانبًا ثم يعودون بعد ذلك إلى الاقتتال بينهم من خلال تبادل هذه المواقف في اليوم الواحد.
ولو كانت الولائم أيضًا مفتاحًا للإنجازات الوظيفية العامة عراقيًّا لكانت الموظفات والموظفين العراقيين أبدع الموظفين في العالم؛ لأنهم ماهرون في عقد تلك الولائم على مشارف مكاتبهم وبالتحديد ولائم الإفطار قبل مراجعة أي ملف عمل، وقد نقلت لي إحدى الموظفات التي رفضت الانخراط في هذه (الحفلات) الصباحية أنها تعرضت للتوبيخ والنقل إلى دائرة أخرى لمجرد أنها أدانت تلك التصرفات على حساب حقوق المواطنين أصحاب القضايا ورفضت الانصياع لهذا الانخراط في تلك الولائم.
وعلى وقع الولائم العراقية أن العاصمة بغداد تشهد منذ عدة سنوات ظاهرة انتشار المطابخ بعناوين دول أخرى، منها المطابخ البريطانية والروسية والإسبانية والفرنسية بل والهندية ومطابخ أخرى، ويحرص أصحاب تلك المطابخ أن يزينوا إعلاناتهم بالقول إن لديهم خبراء ومستشارين في تنظيم عروض موائد الطعام، بل إن هناك أيضًا لازمة واضحة بتنظيم ولائم للمشاركين في المؤتمرات وحلقات العمل والندوات واللقاءات الأخرى وإدراج فترة الغداء أو العشاء ضمن جداول أعمال هذه النشاطات لاستقطاب الكثير من المشاركين، وذهب هذا التقليد العراقي أبعد في تعبيرات مثل غداء عمل أو عشائر عمل في إطار البحث عن وسائل لتحقيق المصالحة الوطنية ونشر الاستقرار بادعاء أن مثل هذه الخطوات تحتاج خبزا وملحا مشتركا.
والشيء بالشيء يذكر، يتبين من التشخيصات التي تناولت موضوع الفساد في البرامج الإغاثية المقدمة من الأمم المتحدة لمواجهة تحديات الكوارث الطبيعية والحروب أن الموظفين العالمين في هذه المجالات يمضون المزيد من أوقاتهم في مطاعم الدرجة الأولى، ويقدمون قوائم مالية ثمنًا للوجبات التي يتناولونها هناك ضمن القوائم المالية لتغطية نفقات الإغاثة، وأن الحالة هذه نشطت في الدرجة الأساس خلال (حكم) الأمين العام السابق للمنظمة الدولية كوفي أنان، وقد سعى خليفته في المنصب بان كي مون لتغيير هذا النمط من الفساد، لكنه عجز في إقرار صيغة شفافة تضع حدًّا لهذا الفساد.
الخلاصة وحسب دراسات صحية أن التخمة تعطل الكثير من محفزات الدماغ، فلماذا لا نطرح مشاكلنا من دون أن نقع بحالات انتظار الولائم عسى أن نهتدي إلى حلول منصفة، أرجو أن لا تفهم دعوتي هذه أنني أطالب المسؤولين السياسيين العراقيين بمكابدة الجوع قبل الدخول في المناقشات، بل عليهم أن لا يضعوا ضمن أوقات حواراتهم انتظارات الولائم تطبيقًا للحقيقة الطبية المعروفة (المعدة بيت الداء).

إلى الأعلى