الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / النكبة التي ولدت نكبات: كي لا تموت قضية فلسطين !
النكبة التي ولدت نكبات: كي لا تموت قضية فلسطين !

النكبة التي ولدت نكبات: كي لا تموت قضية فلسطين !

/// 67 سنة على نكبة فلسطين والعرب إلى مزيد من التراجع !
/// ماهو المطلوب لتجديد المقاومة الفلسطينية والعربية؟

زهير ماجد

مقدمة:
لم أكن أعلم وأنا أتصفح في العام 1968 بعض كراسات لحركة نضالية جديدة بالنسبة لي، انها ستكون ذات شأن عظيم لاحقا، لقد طبعت تلك الحركة ” فتح ” مفاهيمها وأودعتها في كراسات عل معرفة ادبياتها يشفع لها ان اصابت او لم تصب. وفي اليوم الذي قرأت فيه مقابلة لأحد قيادات تلك الحركة في مجلة ” الطليعة ” المصرية مع الكاتب الألمعي آنذاك لطفي الخولي، تعرفت الى ” ابو إياد ” الذي صار لاحقا نجما معروفا لكنه قتل بعيدا عن لبنان وفلسطين، في تونس حيث سبقه نجم آخر من نجوم تلك الحركة ابو جهاد او خليل الوزير قتلا في المدينة ذاتها.
ــــــــــ
كان لبنان في تلك السنوات يسبح في نعمى يحسده الكل عليها، أمن واستقرار ومال وفير وحياة هادئة هانئة .. يبدو ان المرء يظلم نفسه دائما حين لايقبل واقعا كهذا، بل يريد تمردا على هذا الواقع، وقد كان جزء من اللبنانيين يفاخر بهذا المفهوم، لكنها مرحلة شباب صغير لم تمر عليه التجارب، ولم يقرأ بعد ما يجب ان يدله على صحة خياراته .
في تلك الأيام كان اصدقائي يمضون فصل الصيف تدريبا في منطقة الهامة القريبة من دمشق حيث كان هنالك معسكر لحركة فتح، فلقد كانوا قاب قوسين من الانخراط في عمل تنظيمي يقترب من ان يكون له اسم ذو دلالة لبنانية يحتضن تلك الحركة منذ بدايات عملها ولا يفرط بها بالهين. وفي ذلك التدريب اخبرني احدهم لاحقا انه عوقب ذات يوم لأنه اثناء استراحة التدريب جلس يقرأ في مجلة فنهاه المدرب بالقول ” الا يكفيك قراءة خلال عشرين سنة وانت لم تحقق شيئا ” وكان يقصد ان نكبة فلسطين مر عليها عشرون سنة ولم يتحقق لها مايفترض تحقيقه. اما الخبر الآخر الذي حمله لي فكان ان حضر ياسر عرفات لزيارة المعسكر، وصودف ان كان الوقت ظهرا، جلس الجميع، عرفات ومسؤول المعسكر وكان يدعى الشرخ وشباب التدريب والمدرب وجميعهم يأكلون، فجأة اكتشف عرفات ان الصحون التي يأكل بها تختلف عن تلك امام المتدربين، فما كان منه الا ان رمى الطعام ثم طلب معاقبة نفسه حيث جلس في غرفة منفردة لمدة نصف ساعة عاد بعدها ليتحدث عن الأخلاق الثورية لنصف ساعة ايضا.
تكونت لدي آنذاك من خلال اخبار صديق مشارك في التدريب حصيلة اولية عن ان شيئا ما في تلك الشخصيات شبيه بما لدينا جميعا نحن البشر من عواطف ودبلوماسيات وكذب وتحايل، لكنني لم استطع فلسفة الأمر، تنقصني قدرة على ذلك. لكن مهارات عرفات كانت واضحة منذ بداياته انه على معرفة وثيقة بحال الأمة، وانه كان ماهرا في اكتشاف صفاتها، واذكر اني قرأت في وقت لاحق كتابا لأحد الضباط الاحرار المصريين خالد محيي الدين بعنوان” الآن اتكلم ” وهو يروي كيف تعرف على عرفات في نهاية الاربعينات حين كان هذا الاخير طالبا في الجامعة المصرية، وكان محيي الدين مدربا مكلفا من الحكومة آنذاك لمن يريدون الجهاد في فلسطين بعد وقوع نكبة العام 1948 .. اذ يسرد خالد كيف انه سمع من هذا الشاب عرفات كلاما لم يسمعه من قبل حين اسر له ان تدريبه جيد لكنه كشف عن نفسه انه يساري ويفترض بالانسان كما قال له عرفات ان يظل مستور الهوية السياسية. كانت تلك القراءة متأخرة، لكنها ساعدتني اكثر على الدخول في تفاصيل زائدة حول البشر ونوازعهم وكيف يمكن لقائد ما تحريك واقع بأكمله في الاتجاه الذي يريده ويرغب به او في محور يسعى لأن يكون احد اقطابه، ولم نكن نعرف ان السر في القوة هو في القدرة على ان يظل المرء بشخصيته التي ارتسمت تكوينها مع كل الخبرات التي سوف يعرفها لاحقا والثقافة التي سيحصل عليها، ولو اني بكل اسف اقول، ان معظم القادة قليلا مايقرأون إما لانعدام الوقت لديهم او لانهم لا يحبون الاطلاع الا مايخص دورهم وحكمهم.
اكتب تلك المقالة لأقول ان المقاومة الفلسطينية التي تبلورت بعد حرب يونيو 1967 وكأنها جاءت ردا على تلك الهزيمة، لم يقيد لها ان تعيش الكثير من السنين، فبرغم ماقالته في ادبياتها انها لاتتدخل في شؤون اي دولة عربية ولا تريد ان يتدخل احد في شؤونها، وجدت نفسها صورة طبق الاصل عن المجتمع العربي وتحديدا الفلسطيني، اي انها مبعثرة اولا الى تنظيمات كان من الطبيعي حصولها بهذه الطريقة نتيجة اندماج المجتمع الفلسطيني في احزاب وتنظيمات عربية افرز واقعه على العمل الثوري الفلسطيني، فكانت جملة تنظيمات متعددة الاهداف والرؤى حاول عرفات منذ البداية ان يحدد مسارا لها قبل ان تتقاتل او تتخاصم، فرفع لواء ديمقراطية البندقية. وثانيا ان اول صدمة لها كان المكان الذي يجب ان تنطلق منه، وكل الحدود العربية مع الكيان الغاصب مسدودة في وجهها، فكان عمل المقاومة ان تخترق تلك الحدود، وهي مهمة لم تكن سهلة وقد كلفها ذلك الكثير، ان خسرت الاردن، ولم تستطع ان تكون جزءا من الحدود السورية في الجولان، فيما تمكنت ان تجد في لبنان مبتغاها، لكن ذلك كلفها الكثير لاحقا، واصعبه اخراجها من بيروت بعد حرب ضروس نفذتها اسرائيل ووصلت بها الى العاصمة اللبنانية في سبيل اخراج المقاومة منها. وثالثا، ان عقلية عرفات القائمة على التقبيل والغارقة في الدبلوماسية لم تنتفع من خلالها بالوصول الى الهدف الثمين وهو تحرير فلسطين ، وقد ثبت لاحقا ان رفع هذا الهدف كان كتابة على ورق لأن الجميع كان يعرف ان الوصول اليه كان يحتاج للكثير من المؤهلات التي يحتاجها ، ولهذا ظل مجرد شعار الى ان ثبت لاحقا بعد توقيع اتفاقية اوسلو ان المسألة هي شبر الارض ، وان الضفة الغربية التي تم الرهان عليها كمقدمة لكل فلسطين ، لم تتمكن من البقاء على ماكانت عليه بقدر ماتم اختراقها من قبل المستوطنات الاسرائيلية التي صارت بالمئات ، وبذلك سقط مفهوم شبر الارض من اجل كل الارض.
من المؤسف اننا نكتب كلاما كهذا في وقت متأخر، اي في المرحلة التي لم تعد فلسطين وحدها منكوبة بقدر ماصار العالم العربي على محك فقدانه وضياعه ايضا .. فلقد فرخت قضية فلسطين بكل اسف قضايا، وبدل ان يؤثر في وجود اسرائيل، أثرت اسرائيل في الوجود العربي .. لقد تبين ان الكيان الاسرائيلي الذي امتد بعمره الأن سبعا وستين سنة سعى دائما للاستفادة من عمر زائد، ولكي يحقق الأمر كان عليه ان يجد الطريقة التي تسمح له باخلال الواقع العربي .. ومن المؤسف ان المقاومة الفلسطينية لم تتمكن من الحاق الهزيمة بالعدو الاسرائيلي على اي صعيد، بل كأنما كتبت له تصحيح مساره، فهاهو اليوم متمتع بأمل البقاء وبانه يعيش ربيعه الحقيقي وسط غابة عربية تحترق .. من المؤسف ان الاسرائيلي نجح في محطات تفجير الساحات العربية فيما لم يتمكن احد من تفجيره او التأثير عليه بما هو مفترض.
بعد تلك السنين اذن التي مرت على انشاء الكيان الغاصب، وجد العرب انفسهم امام كيان اسرائيلي عمر طويلا وهو في طريقه الى ماهو اكثر من السنين، فيما النكبة التي تجرعها الفلسطينيون، تكاد تصيب العالم العربي، ويكاد المرء يحتار من فهم ماجرى .. الا ان الامور لم تعد معقدة الاوصاف، نحن الأن في طور تنفيذ الفكرة التي بدأناها وهي ان نكبة ولدت نكبات، وان الفلسطينيين الذي اخرجوا من بلادهم بالقوة او اولئك الذين خرجوا بمحض ارادتهم نتيجة الخوف من القتل الذي سمعوا عنه او رأوه، وتحولوا الى لاجئين، من المؤسف انه صار لبعض العرب ايضا لاجئوهم، فلسوريا لاجئون في كل مكان، وللعراق ايضا، ولليبيا، وغدا لليمن، ولا نعرف من القادم .. انها مأساة نقالة. ثم هي مأساة بحكم رجعي، كأنما يجري في تلك المجتمعات انتقام لما كان، فهي مجتمعات ايدت قضية فلسطين ودعمتها، وهي اكثر من حمل لواءها، بل ان صدام حسين اطلق 13 صاروخا بالستيا على اسرائيل كلفته لاحقا احتلال بلاده من قبل الاميركي مباشرة. فهل كل من دعم الحق الفلسطيني عليه ان يدفع ثمن موقفه.
لعل الأمر كذلك، ففي الوقت الذي تصاب الأمة بسبب فلسطين، نجد قادة فلسطين الحاليين وأبرزهم الرئيس ابو مازن صاحب اوسلو كلاسيكي النزعة، لايمكن ان يشار اليه بأنه قادم من حقبة ثورية، وهو يعترف بانه ضد الكفاح المسلح، وضد التسلح والسلاح. لكن من المؤسف انه لم ينجح بأفكاره الأخرى، ولا حقق له مايصبو اليه، بل على العكس اخذته الى خسائر جمة تحولت فيه الضفة الغربية كما قلنا الى مكان مخترق من كل جهاته، وهو لم يكن كذلك يوم احتلته اسرائيل.
في الذكرى السابعة والستين لنكبة فلسطين او للتطهير العرقي كما يسميه المؤرخ ايلان بابه، لايفترض ان يكون هذا العدد من السنين سوى تجربة في حياة أمة، ولأنه كذلك فقد انتج كل هذا الوبال الذي تمر به .. بل يجب ان نقول مايفترض قوله، ان البعض وصل الى منطق ان اسرائيل امر واقع وعلينا ان نعترف به، ولهذا نراه يسعى الى تغيير الانظمة العربية التي تستمد وجودها من القضية الفلسطينية العادلة، وهي قامت على اساسه.
لقد آمنت بعض الانظمة العربية ان وجود اسرائيل لا شبهة فيه وعليه ان نتكيف معه لا بل ان نتوصل جميعا الى الاعتراف به .. ومن الخطأ تلك المقاومات التي قامت لمقاتلته، ويشار خصيصا لحزب الله بانه لن يؤدي الى غاياته، فلماذا مثلا يرفع هذا الحزب راية فلسطين ويعتبرها بوصلته، ولماذ يتبنى فلسطين ويرفع رايتها. هل يريد هذا الحزب ان يكون له هدف فلم يجد سوى فلسطين ام انه اصيل في موقفه، وهو مثل بعض الاحزاب العربية التي كانت ترفع شعار فلسطين هي الطريق الى الوحدة، امام شعار آخر كان يقول ان الوحدة طريق فلسطين.
لقد اصبح الكلام عن فلسطين في وقتنا الحاضر ممجوجا وغير ملائم لتطور الواقع العربي. ثمة من يعترف بان لهذا معناه الوحيد، هو التمهيد لقبول الوجود الاسرائيلي، بل لاغلاق ملف القضية الفلسطينية التي عمرت، فبدلا من العمل على تحرير فلسطين، اكتشف البعض انه شعار مكلف وله طريقته التي لايمكن تنفيذها في العالم العربي، اذن يظل الاعتراف باسرائيل اسهل الطرق واقلها تكليفا، بل هي سياسة الأمر الواقع.
من نافل القول، ان المنطقة العربية اليوم امام نسيان للقضية الفلسطينية .. هو مفترض، لكنه ليس واقعيا ولن تقوم له قائمة مهما طال وقت احتراق العواصم العربية ومدنها الأخرى.. فما زال هناك اعلام عربي والسوري في مقدمته يرفع شعار ان فلسطين هي بوصلته، ومن الملفت انه يحترق لهذه الغاية ومع ذلك لايريد التنازل عن شرط بقاء سوريا، بل الأمة كلها .. ويحتار اللاعبون بالازمة السورية بهذا الموقف الذي هو بعض من اسس الخراب الذي يعم سوريا في هذه الايام. لماذا الاصرار على فلسطين كما يرون وسوريا في محنة يمكن اخراجها منها اذا رفع الرئيس السوري بشار الاسد يده عن القضية الفلسطينية وابتعد عنها وقال عكسها بل عمل ضمن هذا الموقف.
لابد من الاعتراف اذن، ان بقاء اسرائيل انتج كل تلك المحن، كتب المفكر اللبناني شارل مالك هذا الكلام منذ قيام اسرائيل، وقبله قاله محذرا انطون سعادة، وأمين الريحاني، وربما كثير من مفكري ذاك الزمان .. بل ان الرئيس المصري الراحل طيب الله ثراه جمال عبد الناصر تبنى فلسطين فصار الفلسطيني الأول، ولهذا السبب تآمروا عليه اضافة لاسباب داخلية مصرية وعربية. اذن القول، بان اسرائيل سبب ازماتنا ومشاكلنا، محك وجود الأمة، حقيقي ويجب ان يتخطى القادة والمفاهيم المعبرة عنها .. فاين عرفات مثلا ، توفي وماتت معه افكاره ومواقفه، والامر ذاته سيكون من نصيب آخرين ..
اذا اردنا تجاوز الحاضر العربي المؤلم، فيجب العودة الى اساس المشكلة والى ضميرها ومحركها وهي القضية الفلسطينية. ولكي نعيها علينا ان نعترف بالمقابل ان بقاء اسرائيل سيبقي الواقع العربي على ضعفه وبعثرته. فكيف نفكر بازالة كيان له تلك القدرة على تخريب ماحواليه، وانه يملك القوة في احداث هذا الواقع، وهو لذلك يحتاج لمن يساعده ولمن يصنع له مايحتاجه .. من البديهي ان تكون هنالك دولة عظمى ترعاه هي الولايات المتحدة الاميركية، لكن المناخ العربي مساعد له ايضا .. وما تفرضه اميركا هو مايصبح ساري المفعول. نحن اذن امام مأزق: دولة عظمى لايمكن مواجهتها لأنها تملك القوة المفرطة والتأثير الهائل في داخل كل قطر عربي وخارجه، وكيان غاصب يعيش في الحضن الاميركي ويتربى من خلال تأثيره ومؤثراته، وواقع عربي مهزوم، ضعيف ومبعثر، بل فيه من الغايات مايجعله اقرب الى الكيان العبري، وامام هذا الواقع الذي يحدق بالقضية أولا، ويفرض نفسه على العرب، فما هو العمل لصياغة مقاومة جديدة مخلصة يمكن لها ان تحمل لواء مرحلة مختلفة.
لابد من الاعتراف بأن هذا الجو خير مساعد لانطلاق مقاومة جديدة او لاعادة تجديد روح المقاومة، فكلما وصل الاهتراء الى حده عليه ان ينتج عكسه، لكن مايحصل اليوم، ان الطرف المعادي للامة العربية، متنبه لمثل هذا المفهوم، ولذلك لجأ الى ضرب العالم العربي من داخله، ثم لجأ الى وجه من وجوه تاريخه لم يكن له تأثير في حياته الماضية وهو المذهبية، فتم التلاعب به وابرازه كي يكون محركا في اية مواجهة. لابل تم توليد قوى تكفيرية لهذه الغاية ، غايتها تخريب البنى العربية، وامام المخطط الفعلي الذي وضع لهذه القوى احد امرين: اولا تمزيق وحدة المنطقة من خلال حروب تتجاوز شكل الحدود القائمة مما يعني اسقاط سايكس بيكو ، اضافة الى دور بث روح الارهاب في المنطقة، وكلنا يعرف ان مفهوم الارهاب لافكر له ولا تفكير، هو شكل بهيمي يقوم على فعل مخطط له من قبل آخر، هو مجرد منفذ ليس الا، فتراه يقدم عرضا ليس له شبيه في تاريخ المنطقة من اشكال القتل ومن اختراع له يكون مؤثرا في البنية الانسانية العربية، تماما كما فعل الصهاينة في فلسطين مما اثر في خلق تلك الهجرات الهائلة خوفا من لقاء المصير الذي لقي من هم قبلهم.
اذا كان هنالك من يمتلك فكرة مقاومة الواقع القائم، فلا يبدو ان هنالك نصا آخر خارج النص الحالي القائم على قتال الارهاب في كل مكان، هذا التوحش البارز امامنا كيف يمكن استئصاله، هل بالفكر وهو لايفكر، ام بالحوار وهو لايعترف به اصلا، ولهذا فان المعادلة الثابتة ماتقوم به المقاومات له.
هذا الأمر يحتاج وقتا طويلا، خلاله تصاب القضية الفلسطينية بالنسيان مع انها من يراقب مايجري لأنها تعرف انه بسببها ومن خلالها. لكن المقاومات ثمة من يقاومها ايضا .. وثمة من يقف بوجهها عربيا، وثمة من يخترع ضد وجودها فرضيات كثيرة نراها امام العين. فمثلا كان خط حزب الله الاساسي قتال اسرائيل وترجم ذلك على مدار وجوده منذ العام 1982 ، لكن الأمر تطور اليوم الى قتال الارهابيين في سوريا ويقال في العراق ولا ندري اذا ماكان في امكنة اخرى، حدد هذا الحزب ان الارهاب اسرائيلي بالضرورة، هو يتغذى من وجود اسرائيل وتغذيه اسرائيل بالاحتضان فيصبح تابعا لها بل اساس وجوده من وجودها، وهنا نعود الى اصل الاشياء، فاسرائيل هي المشكلة التي فرخت كل هذه الظواهر.
في الذكرى السابعة والستين للنكبة الفلسطينية التي تمر في الخامس عشر من هذا الشهر، يجدر بنا ان نقف امام هذا كله، وان نوسع دائرة الفهم لنعرف اننا امام اسرائيليات موجودة حيثما يوجد الارهاب في الاقطار العربية، لقد بثت اسرائيل كما قلنا هنا وهناك ، تمكنت اختراق الاماكن الصعبة عليها، في الوقت الذي تمكنت من ان تصل الى ماتريد عند البعض العربي.
فهل تقوم قائمة لفلسطين بعد ذلك، هل نحن امام افول لهذه القضية المتجذرة في نفوسنا وترابنا ومياهنا وحرارة جونا وسمائنا، وكيف يمكن لها ان تأفل حتى لو ظل فلسطيني واحد او عربي مؤمن بها. انها الاصل والسبب، وهي المعنى الذي يستمد العرب منه وجودهم الفاعل .. ولهذا ترانا نحاول الدفاع عن وجودنا مقابل الامساك بهذه القضية باليد الأخرى. نقاتل على كل الجبهات، لكن لا احد ينسى فلسطين، هي الذاكرة الحية الباقية في ضميرنا جميعا.
وعود على بدء، لقد انتجت فلسطين خلال تاريخها انواعا من القيادات المختلفة، منهم من درس ظروفها جيدا، ومنهم من اراد التجاوز، ومنهم من اخطأ في التقييم .. لكن وصلنا الى ماوصلنا اليه فهل ثمة مراجعة نقدية، لا اعتقد. بالمقابل لايمكن كتابة التاريخ الفلسطيني على اسسه القائمة اليوم ، كونها مؤلمة المصير، وصورتها لاتبشر بأمل. الأمل الوحيد هو العودة الى مسار سبق ومارسه الفلسطينيون بعدما جربوا واقع رمي السلاح والابتعاد عنه .. سئل المرحوم غسان كنفاني يوم كان مسؤولا اعلاميا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن سبب خطف احدى الطائرات فرد ببساطة ” من اجل ان يسأل العالم كلمة واحدة هي لماذا ” فطلب منه شرح اكثر، فقال العالم لايعرف شيئا عن قضيتنا لكنه حين سيسأل عن سبب خطف الطائرة ستعرف على انه من اجل قضية فلسطين.
لانطالب العودة الى السلاح بمناخاته السابقة وباشكالها، بل لابد من اختراع اسس جديدة لها، لكن علينا ان نطلق النار، فهذا العدو خرج خطره من دائرة الوجود الفلسطيني فقط ليصيب الأمة بكاملها، وكلها تدافع اليوم عن مصيرها، بل هي منفردة في دفاعها لا احد الى جانبها، ولا قوى اخرى معها سوى ماتم نسجه من علاقات تاريخية. واذا كان الايمان بالسلاح هو الحل بعدما جربت حلول اخرى، فلأنه الخيار الوحيد الذي ثبت حقيقته. عندما اجتمع ياسر عرفات مع الرئيس اليوغوسلافي تيتو قبل وفاته بقليل، سأل اليوغوسلافي عن مشروع عرفات فرد بأنه المقاومة، فرد تيتو اياكم ان تفاوضوا اسرائيل فلكونها قوية سوف تفرض عليكم شروطها، وإيكم والصلح معها لان قضتيكم سوف تضيع .. لكن ماحصل لاحقا نتركه لتأويل القاريء والمهتم وللتاريخ ايضا.
كثير من الكلمات لاتكفي، ومهما بحرنا في التعبير عن القضية الفلسطينية، فنحن نقصر في الوصول الى كنهها، فالذين عايشوها مثلنا، يؤسفهم ان تصل الى هذه الحال اليوم، الى حالة الموت البطيء الذي اصابها، الى الفكر المستسلم الذي يقودها، الى العقل الزحفطوني كما يقول الحزبيون القوميون اي اولئك الزاحفون على بطونهم. فبدلا من قضية تشع املا، هاهي تنتج صورة استسلام كامل للاندثار، فيما يعتقد من يقودها اليوم انه باق الى الابد وان التاريخ سينصفه، فهو لن يعيش كي يرى، ولا التاريخ سوف ينصفه لأنه عطل روح التعبير عن مآل المقاومة التي دفع من اجلها مئات آلاف الشهداء، اضافة الى التجربة الهائلة في العمل المقاوم الذي انتج تجربة ذات خصوصية عالية.
لن تغلق القضية الفلسطينية لأي سبب، سواء بطريقة متعمدة او بحالة افتراض، ولكونها ادت الى ولادة أزمات في المنطقة فيمكن القول انها تآخت واياهم، صارت لهم وصاروا لها، ومهما افتكر البعض ان وضعهم الوطني بعيد عن قضية فلسطيني فهو مخطئون لأنهم لصيقون بها، وكلما فكروا بها بعيدة عنهم، سيرونها الاقرب اليهم.
فلتشتبك كل الساحات في الدفاع عن واقعها، المطلوب وحدة ساحات كي لاينفرد الاعداء بكل ساحة على حدة، وهو امر تحقق سابقا ونجح فيه الاعداء .. بحاجة الى اعادة تثوير المنطقة وبث روح الاستنهاض فيها .. وطالما ان الاعداء يضربون في كل مكان عربي، المطلوب رد عربي موحد، ولا بأس لوكانت فلسطين طليعته فهي اكثر المؤمل بهم هذا الفعل المنطقي والقادر ويحتاج الى طليعتها كما كان دائما.

إلى الأعلى