الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مشهدان…والباقي عند عريقات!

مشهدان…والباقي عند عريقات!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إنه مفجع ولا يحتمل، أن تتلفَّت من حولك مكرهًا لتقارن بين مشهدين يتلازمان يسوؤك أن لا ترى ثالثا لهما: واقع عربي مشين ولا من مجادل في كونه الأردأ والأشد انحدارًا، وبالتالي الأخطر وجوديًّا في تاريخ الأمة…الأمة المنشغلة في راهنها بلعق غائر جراحها النازفة ومتعددها. والجراح التي يزيدها ويُعمِّقها ويُزْمنها أن لا انشغال لأغلب أنظمتها إلا بأولوياتها السلطوية الصرفة وحساباتها القطرية الضيَّقة، وبالتالي، فهي لا تبنى مواقفها وسياساتها إلا على أسس من مثل هذه الحسابات والأولويات، ومن ثم، وإلى جانب رائج التبعية، فليس على غير مثل هذا الذي تبنيه تضبط عقارب اصطفافاتها، أو هذه التي ليسمن شأنها إلا إزادة منسوب غوائل التمزق وبلاء الشرذمة المستفحلين هذه الأيام الحبلى بما ينذر بتفتيت ما لم يفتت بعد من عرى أمة بكاملها… وكله، يؤشر على ما بات شبه المُسلَّم به الآن، وهو تراجع قضية قضايا الأمة العربية، التي لطالما وصفت بالمركزية، في فلسطين، بل وإزاحتها جانبًا، وصولًا لشيوع توصيف ما كان يوصف سابقًا بالصراع العربي الصهيوني بالنزاع الفلسطيني “الإسرائيلي”!
والمشهد الآخر، أو الواقع المقابل، هو ما تجسِّده السياسات التهويدية المتسارعة في الوطن الفلسطيني المحتل، وما يوازيها ويستتبعها من مظاهر القمع الاحتلالي الشرس…هنا يطول الحديث، ونكتفي منه بالإشارة فحسب، إلى ما نشر في الكيان الصهيوني حول ما دعوه بشهادات “كسر الصمت”، أو اعترافات جنود الاحتلال بنماذج من الفظائع الممنهجة التي ارتكبوها إبان حربهم الوحشية الأخيرة على غزة، والتعرُّض فقط لآخر قرارات التهويد الزاحف، وإلى واحدة من المظاهر القمعية التي مورست بحق المواطنين الفلسطينيين خلال الآونة الأخيرة لا أكثر. آخر قرارات التهويد هو الإيعاز بالشروع في بناء 900 وحدة سكنية تهويدية جديدة في القدس، المدينة التي قارب إنجاز تهويدها جغرافيًّا وتتواصل محاولاته ديموغرافيًّا، عبر تشريد ممنهج للمقدسيين، وتطبيع متدرج لمحاولات فرض اقتسام الحرم المقدسي تمهيدًا لهدم أقصاه وقبة صخرته المشرَّفة وبناء الهيكل الثالث المزعوم مكانهما. ومن مستجدات عمليات القمع ما تجلَّى في جملة من تدريبات ومناورات عسكرية كبيرة ومكثَّفة في الأغوار الشمالية، تعمَّدت تخريب المزروعات الفلسطينية وطحنها بالدبابات، وتوقيته في موسم الحصاد بالذات لحرمان الفلاحين من ناتج عرقهم، والذي سبقه أخطار خمسين عائلة بمغادرة ممتلكاتها بحجة هذه التدريبات والمناورات، توطئةً لطردهم ومصادرة أرضهم. إلى جانب مختلف الإجراءات الشبيهة المتبعة وبذرائع مختلفة، كحماية مستعمريهم، أو الحفاظ على البيئة الخ. ولم يقتصر مثل هذا على الأغوار فحسب بل جرى لاحقًا في قرى الخليل جنوبًا وأدى كما هو معروف إلى ما ترتب عليه من مواجهات دارت بين القرويين والمحتلين.
يكتمل المشهد الثاني، ويزداد وجع الأول، عندما نرى أن الحال في غزة، حصارًا ودمارًا وتجويعًا، لم يختلف عنه عشية توقف دوران آلة الحرب العدوانية الأخير عليها، وحين نلاحظ أنه يكاد أن يلف العذابات الغزِّية المستمرة متعمد النسيان، لولا بعض من نتف بائس أحاديث المصالحات إياها التي تثار موسميًّا عادةً ثم لا تلبث وأن تسحب من التداول وهكذا… آخر ما أثار حديثها الشجي هو زيارة كارتر التوسطية مؤخرًا إلى رام الله، والتي توقف ركبها هناك ولم يواصل مسيرته الميمونة كما كان معلنا إلى غزة… وطبعًا إلى جانب حكاية إبريق زيت “حكومة توافق” الحمدالله… وصلت بأمان الله إلى غزة لكنها لم تصل، أوهى ستصلها على أن لا تصل، وستدفع رواتب موظفيها ولكنها لن تدفع، وفي نيتها الشروع في إعادة الإعمار بيد أنها لن تشرع الخ!!!
يتحمل مسؤولية جزء غير قليل من مسؤولية، أو أقله استفحال، تداعيات المشهدين الأول والثاني مع تتمتهما المريعة في غزة، الواقع الفلسطيني الأوسلوي الموصل باندلاقة التسووي التصفوي للقضية والنضال الوطني إلى ما هما فيه من حضيض راهن مفجع. فإذا كان الفلسطينيون، كما هو المفترض، هم مجرد طليعة اشتباك في خندق متقدم لإدامة صراع في معركة لا تحسمها إلا الأمة، فإن الجنوح الأوسلوي المدمر قد أعطى المحتلين مبتغاهم من الوقت التهويدي المراد، وأعطى عرب نفض اليد والتحلل من الالتزامات التي يقتضيها منهم واجبهم القومي تجاه قضية قضايا الأمة ذريعتهم الفاجرة التي ينتظرونها: لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين!!!
والآن، والحال هي الحال، تتسلى سلطة “أوسلوستان” بالحديث عن نيتها تدويل القضية وهي تدرك أنه على سوءته أمر لن يسمح لها بمثله راعي خيارها التسووي الأميركي، كما تهدد باللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية ولا تلجأ لها حفاظًا على شعرة معاوية مع نتنياهو، وتتسلى باستقبال المصلح كارتر، وقبله وبعده ما هب ودب من رسل الغرب ومروجي موهوم التسويات، انتظارًا لفرج “حل الدولتين”!
…في أريحا، مثلًا، وبينما كانت دبابات نتنياهو على مقربة من مكتبه تطحن مزروعات الغوارنة وتهجِّر خمسين عائلة منهم، استقبل د. صائب عريقات، كبير مفاوضي السلطة، وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، التي باتت بفضل أوسلو والعبث بميثاقها تبصم ولا تنفذ، فقط أربعة وفود دولية، أهمها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، البلغاري المتصهين، نيكولاي ميدنوف…وليخرج علينا بلازمته المعتادة مؤكدًا: إن نتنياهو قد “أغلق طريق السلام قبل وبعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية، بإصراره على رفض مبدأ حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو، واستمراره في النشاطات الاستيطانية، وتنكره للإفراج عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، ورفضه تنفيذ الالتزامات التي ترتبت على الجانب الإسرائيلي والاتفاقات الموقَّعة”!!!

إلى الأعلى