الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مدعوون للتفكير والتدبير

مدعوون للتفكير والتدبير

علي عقلة عرسان

في سوريا الأم التي ليس مثل حضنها حضن أم، ما زلنا نتخبط في مناقع الدم، وننتقل من معركة إلى معركة، ونحشد لنُدمّر ونُهجّر، تحت مسمى “نُحرّر ونُطهّر”. وما زالت تتناهبنا الأحقاد، ونفتح صدورنا وقلوبنا وأرضنا لآخرين، يستثمرون في رهاناتهم على أحصنتنا المندفعة بعزم في ميادين سباق الدول على دولتنا، تلك التي أضحت ظل دولة، ودالت أو يُراد لها أن تدول، ويعمل أعداؤها على أن تُقَسَّم إلى دويلة هَزول بعد دولة هَزول؟!.. وترانا نندفع في ميادين سَبَقٍ يقيمها المدبرون لموتنا، وما يدفعنا في تلك الميادين، بعَتَهٍ شديد، إلا شهوتُنا الوحشية لإبادة الخصم، وإراقة الدم.. وما نريق إلا دمنا، بأيدينا وبأيدي من يحتشدون معنا وضدنا، ومن ينادون بالاحتشاد من أجلنا.. باسم تاريخنا وديننا ومظلوميتنا، أو نصرة لمذهب من مذاهبنا ولسلطة من سلطاتنا..؟! والنتيجة دم على دم يستدعي المزيد من الدم، وظلم على ظلم يستدعي التخلص من الظلم، وضرائب من الأرواح ندفعها، وتدميرٌ بلد، كان عز العرب ومعقد آمالهم، نرخصه ونسترخصه، حتى أصبح ما لا يُسمى في دنيا العز ودنيا العرب؟!
ومن حولنا، في بلدان العالم القريبة والبعيدة، تتجدد التحالفات، وتتوالى المؤتمرات المؤامرات، ويدرب العتاة أبناء لنا ومَن هم من جلدتنا، ليكونوا أعتى العتاة في الحرب علينا في أرضنا، وتُعطى الفتنة الحرب، والحرب الفتنة.. كل الفرص: لتحصد الأرواح، وتدمر العمران، وتقسّم البلاد، وتشرِّد العباد!!.. ونحن في نزعنا الشديد ونزاعنا المديد، بين متوعّد وواعد، ومتطرف وحاقد، نقطف من الدواهي قطوفًا، ونصب على نار حريقنا زيت الأمم؟!
ما عرفت مثل هذا النفوذ لأعداء سوريا، الشعب والوطن والتاريخ والحضارة، على كثير من أبنائها، ولا عرفت هذا الكم البشري فيها ممن يرفعون رايات “الغم السياسي ـ الوطني ـ القومي ـ العلماني ـ الديني، المذهبي ـ العرقي.. إلخ”، في داخلها وخارجها، ولا هذا القدر من المتاجرين بها، المتآمرين عليها، النافذين فيها من خلال بعض أبنائها، والمتسلطين فيها والراغبين في التسلط عليها.. ما عرفت ولا رأيت مثل هذا في أي وقت مما عشتُ، ولا قرأته فيما قرأت، ولا سمعته فيما سمعت.. إذ دائما كان يعلو في سوريا الوطن، صوتُ الوطن على صوت أعدائه، ويرتفع فيها صوت مَن هم من أبنائه على حق، في وجه من هم من أبنائها تجار الحق والوطنية والعدل والحرية.. فيضاهي الصوتُ الصوتَ، أو يُضعفُه، أو يُرديه.. ويسلم البلد، ويسلم الشعب؟! أما في هذا الزمن الأردأ من الرديء، فلا يكاد يرتفع فيها أي صوت فوق صوت الفِتَن ودعاتها، ولا يضاهي أي صوت فيها صوت المنادين باستمرار الحرب وتعزيز دواعيها.. حتى ليكاد يُدفَن شعبٌ بلا كفَن، ويغرق وطنٌ في خضم المِحَن؟!
في جنيف، تستمر “مشاورات” المبعوث الدولي ديمستورا، تلك التي تبدو غطاء لما وراءها، ومسبارًا لمعرفة القوى والولاءات والاستعدادات، لا تقدم في الحل السياسي النهائي ولا تؤخر.. فهي ليست مفاوضات كما قال ديمستورا، وليست استمرارًا في الجهد الذي بدأ بمؤتمرات ولقاءات ومفاوضات، عُقدت في جنيف ١ و٢، وأسفرت عن خطة للحل وقرارات دولية تدعم الحلول السياسية.. بل هي، فيما يبدو، لتوظيف المعرفة والاستطلاع بعد الاستطلاع، ونتائج السبر السياسي ـ الاجتماعي ـ النفسي، فيما يُرسَم للبلد من مصير، وليستنير بها من يتقاسمون سوريا في السر، سواء أكان تقاسم نفوذ، أم تقاسم جغرافية سياسية جديدة، وتقطيع بعض أوصال وطن على مشرحة الأقوياء.
وبموازاة جنيف يتم عمل سياسي مختلف، في محاور عدة، ويترجَم على أرض الواقع معارك دامية في سوريا: شمالها وجنوبها، غربها وشرقها، وفي وسطها وحول عاصمتها. وبموازاة جنيف وقبلها، يتحدثون عن:
ـ اتفاق سعودي تركي قطري على خطة، يباركها الرئيس أوباما ويعطيها دفعًا، ويسهم في تنفيذها ويضمن نجاحها، بعد أن يعطوه من التفاصيل والصور والمعلومات والاتفاقات والاختيارات، ما يبين صورة مستقبل سوريا بعد التغيير، ولمن يكون ولاؤها والنفوذ فيها.. وفي تلك الخطة توحيد لبعض المعارضات، ودعم لها، وتدريب لعناصرها، وتسليح نوعي لهم، وزجهم في القتال لتحقيق ما ترمي إلى تحقيقه الخطة بقوة السلاح. وقد أعلن عن التدريب في الأردن وتركيا مؤخرًا، ولكن حقيقة الأمر أنه كان منذ وقت، وأثمر عناصر زجت في المعارك الأخيرة، لا سيما في شمال البلاد وجنوبها، في إدلب وجسر الشغور، وفي درعا والقنيطرة وريف دمشق.
ـ توافق على إفشال تلك الخطة بين الدول والقوى والتنظيمات التي تناصر الدولة وسلطاتها، وتقديم الدعم والسلاح، وحشد المقاتلين، لحسم المعركة بقوة السلاح. ومن أجل هذا تُزَج عناصر مقاتلة، وتُحشَد قوى، وتدار معارك، في المناطق التي أشرت إليها في الفقرة السابقة.
ـ وعلى هامش ذينك الخطين الرئيسين، من التحالفات والحشد والتخطيط والتنفيذ، يتم في اتصالات ثنائية، وفي خطوط سياسية فرعية، معلنة وخفية.. يتم بحثٌ: روسي ـ أميركي، وإيراني ـ أميركي، وأميركي ـ تركي ـ سعودي، وأميركي ـ أوروبي.. إلخ، للتوافق على تقاسم أطراف “الرجل السوري المريض” وأعضائه، وتقاسم ما يمكن أن يُسمى مستقبل ورثته؛ هذا إن أمكن التوافق على ذلك بين متنافسين ألداء، عبر مقايضات أخرى غير الجسد السوري، في مناطق نزاع الكبار وأتباعهم على الهيمنة والنفوذ والمصالح. ولكن في ذلك التواصل السياسي كله من الخداع والمكائد السياسية ما فيه، ومن الاستهانة بالشعب السوري وحياته وإنسانيته، وبالقيم الإنسانية والخُلُقيّة ما فيه، لأن كل طرف يريد مصلحته، ويريد بعض المكاسب والغنائم.. فالسياسة لا تعترف بالأخلاق، ولا تراعي أي شيء عدا المصالح، بينما الضحية على المشرحة، وأقرب المقربين إليها، الصادقين في انتمائهم لها وانتمائها لهم وفي حمل همها، يتألمون، ويستغيثون، ويصرخون، ويشكون، وقد يبكون ويندبون.. ولكن.. هذا هو العالم اليوم، الذي تمحو فيه وحشيته كل أبعاده الإنسانية أو تشوهها؟!
وفي هذا المناخ السوري الداخلي، والعربي الإسلامي، والدولي الأممي.. يجري ما هو أبشع من الجريمة، وما هو أكثر من القتل، وما هو أخطر من التآمر على بلد ذي سيادة، وشعب عريق ذي حضارة. ومن خلال مأساته وما يلم به ويجري فيه، يتوعد الحقادون التاريخيون، ومنهم من يسكن بين الجلد والعظم على مدى قرون من الزمن ويخفي سمه الزعاف، يتوعدون: أمة، وهوية، وقومية، وحضارية إنسانية، وعقيدة ذات رسالة إلهية، يتوعدونها بالمحو والإبادة، إن هم استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويرفعون اليوم رؤوسهم بين خراب البلاد ومعاناة البلاد لينفثوا سمومهم وليستعدوا من يدفعونهم ويردفونهم ويمونهم ويشجعونهم على مدى تاريخ، لكي يأخذوا الشام من أهلا والعروبة من قلبها، والإسلام من قيمه وحضوره؟! ومن أسفٍ، وألم، ومما لا يمكن وصفه، ولا التعبير عنه بكلمات، أن بعضَ “أبناء” سوريا الشعب، والوطن، والهوية، والعقيدة؛ وبعض العرب والمسلمين، الذين يفترَض أنهم إخوة في الدم أو في الدين.. يشاركون في تلك المحنة التي تضعف الوطن، وتهدد الوجود، وتفتح الأبواب على الأمة والعقيدة؟! وأن أولئك يرون، ويسمعون ويقرؤون ولا يعون أو يرتدعون، بل يمضون في الغي والقتل والكيد والشر، ويبيعون ويشترون بدماء الناس ومصائر الأقطار والأمة.. وبعض أبناء سوريا، من المدنيين على الخصوص والفقراء والمسالمين، يقعون ضحايا لذلك كله، ويعانون ولا يُسمع صوتهم، ويدفعون الثمن الفادح في السراء والضراء، وليس لهم حتى حق “الثغاء؟!” عندما تكون السكين على المِحَزِّ؟! وآخرون من السوريين ينقسمون بين عاجز، وخائف، وهارب، ومهجَّر، ومهاجر، ومقيد بقيود، ومعذب في ما يشبه اللحود، وراغب في أن يكون محايدًا، ولكن ما باليد حيلة؟! أمَّا “صفوة الصفوة؟!” من أولئك الأبناء، وهم قلة من القلة، المتربعون على الرؤوس، المحتلون للقلوب رغم القلوب؛ فيصنعون العِلَّة، ويضاعفون البلوة، ويبقون في العلالي.. فوق الناس والقانون والأمن والخوف، يتفرجون من هناك على أبناء الشعب الهائمين كالبُهم في كل سَهْب، بين سَغَبٍ وظمأ ونَصَب. والمكتوين بنار الفتنة الحرب؟! إنهم يأمرون، ويتآمرون، ويتاجرون بكل شيء.. كل شيء.. كل شيء، بلا استثناء.. ولا يعنيهم من أمر الوطن والشعب شيء، اللهم إلا احتكار الوطنية، وادعاء المعرفة والحكمة، والفتك باسم: الحرية، والتحرير، والحاضر، والمستقبل، والمصير.. إلخ، ومصادرة كل ما يتعلق بالقرار والتدبير، والتفاوض على المستقبل، وإعطاء الدروس، وبيع الرؤوس بلا مُكُوس؟!
وفي هذا تبدو المسألة السورية، من جوانب عدة، داخلية وخارجية، حالة استثنائية، وهي، من خلال المتابعة والمقاربة والاهتمام والانتماء والمشاركة والمساغَبة.. استثناء بكثير من المعاني: استثناء من قاعدة المواطَنة، والوطنيّة، والأوطان، والعمران؛ واستثناء في الشرائع والدساتير والقوانين والعلاقات والمعاملات، واستثناء في تاريخ الشعوب والبلدان من حيث المواقف والمعالجات، وربما كانت استثناء، في بابها المُشْرَع المُصان، من علاقة أتباع الديانات بالأديان، والمواطنين بالأوطان، وأهل الأخلاق بالقيم، ومن علاقة الإنسان بالإنسان.
وإلا ما معنى ألا يعي السوريون، وهم أصل من أصول العروبة والإسلام، وأهل وعي، وسياسة، وفكر، وكياسة.. ما معنى ألا يعوا ما ينفعهم وما يضرهم، فيختاروا ما ينفعهم ويدعوا ما يضرهم؟! وما يمنعهم من أن يعوا ما ترمي إليه ألاعيب بعضهم، ولعبة الأمم التي تنحرهم وتخترقهم بذلك “البعض”، وكل شيء غدا أوضح من رأد الضحى بعد أربع سنوات ونيف من عمر الكارثة التي تلم بهم؟! وما معنى أن تغمرهم عتمة القلوب والعقول، فيستغرقون في الظلم والقسوة ويتخبطون في دمهم الذي يسيل، ويسمعون أبناءهم يستغيثون بهم ولا يغاثون؟! وما معنى أن يغمرهم ادعاء مدعين، جهلة ومتخلفين، متطرفين ومتآمرين، حاقدين وناشري فتنة، وطماعين وبياعين للأمن والدم.. ما معنى أن يغمروهم جميعًا، بخوف على الأقليات من أكثرية لم تحكم، وتشكو من اضطهاد أقليات لها تستأثر بالحكم، وبادعاء أن الأكثرية ستبيد الأقليات، وأن الأقليات السورية ستقضي على الأكثرية؟! وهم يعلمون أن ذلك بعض فساد أشخاص، وبعض معاناة أشخاص، وأنه واقع يزول، بالعدل، وواقع بدأت تنميه الحرب المجنونة التي أخذت تنطوي على فتنة مذهبية لا مصلحة لأحد بها؟! وهم يعلمون أكثر من غيرهم، أن تاريخ تعايشهم لم يكن كذلك، ولن يكون، ولا يجب أن يكون.. وأن نبذ هذا الادعاء وأهله والمتاجرين به أفضل من تثميره، وأن معالجته بالحكمة والعدل والمرجعية السليمة: دينيًّا ومدنيًّا، شرعيًّا وقانونيًّا، داخل البيت، أفضل بكثير من تسليمه لأعداء الوطن والأمة والدين، سلاحًا يقتلون به ويهددون ويحنون رقاب الناس لهم؟! وأنهم يدركون جميعًا أن من غير الممكن أن تحكم أقلية شعبًا إلى الأبد في منطق الديمقراطية، ولا أن تضطهد الأكثرية أقلية شريكة لها في الحياة والمصير، مع وجود وحدة الانتماء والهيوية والاعتقاد السليم، في ظلال تفسير له صحيح وقويم؟! ويعلمون، أكثر من غيرهم، أن لعبة الأقليات تلك، كانت وما زالت من مداخل الاستعمار الأوروبي على إمبراطوريات فتتها وقسّمتها، وعلى بلدان وشعوب استعمرتها واضطهدتها ونهبتها وأفقرتها؛ وأنها هي هي اليوم، لعبة الغرب كله، والصهيونية العنصرية والولايات المتحدة الأميركية وحلفائهما وأتباعهما، تُعاد وتستعاد بذاتها، بعد تطوير وتحديث، وتمويه وتعمية، وابتزاز وترهيب وترغيب؟! وما معنى أن يستمر الوحش في الإنسان الذي يَقتُل ويُقتَل في سوريا في تنمية وحشيته على حساب إنسايته، وعلى حساب الدين والوطن والأخلاق والقومية والإنسانية؟! بينما المستفيد الوحيد من ذلك هو عدوه التاريخي، المحتل لأرضه، المهد لمقدساته ووجوده: الصهيونية التي تحتل الجولان وفلسطين، وتهدد الوجود.. وكل من يقاتل تحت كل راية في قلب أرض الشام وعلى أطرافها، يدعي أنه يعادي الصهيونية، ولن يهادنها أو يعترف بها أو يمكنها من سرقة وطن الفلسطينيين، وتدمير الأقصى، وتقويض علاقات أبناء الأمتين العربية والإسلامية؟!
إن العقول والقلوب والضمائر الحية، مدعوة إلى التفكير والتبصر، والتدبر والتدبير، ولكل مراجعة خيرة للذات، ولقاء على الحق والعدل والحرية مع الآخر الشريك في الحياة والمصير.. لكي يتوقف سيل الدم، ونمو الحقد، وعصف الفتنة، وعبث بعض الدول والشعوب والأمم والأشخاص، بأبناء الشام، وبأهل العروبة والإسلام.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى