الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: صمود أسطوري

باختصار: صمود أسطوري

زهير ماجد

لا أحد منا يمكنه مشاهدة معارك أو الانخراط بها، فماذا الذي يجري بها، لا يمكن معرفة تفاصيله إلا من خلال نتائج المعركة فهي الحكم النهائي. في سوريا آلاف المعارك المختلفة التضاريس والموقع لا أعرف إذا ما كانت قد سجلت كلها أو بعضها، لكني متيقن من أن قلم أحد الضباط أو الجنود سطر الحدث ما قبل المعركة أو ما بعدها. أبدى مشاعر جياشة ورسم الأحاسيس وعبر عن ألم أو لحظة. فكم هي عدد الصفحات المفقودة أو تلك التي ما زالت بحوزة من كتبها.
تلك الحرب التي طالت إذا ما جمعت أقلامها أو استمعنا إلى أحاديث من عاشوها سيكون لدينا تفاصيل عن معجزات، عن معارك بزي أساطير، عن ملاحم قد لا يصدقها أحد. جيش سوري يحارب على عشرات الجبهات، موزع بين كافة الاتجاهات، تحول إلى احتراف، صارت أقدار سوريا بيده، لا يعرف الليل من النهار أحيانا، هكذا أخبرني أحد الجنود السوريين، قال نعرف أننا ذاهبون إلى غير رجعة، لكن الأسطورة تكمن هنا، إننا نعود لنصبح في معركة أخرى وهكذا، من يسقط منا دفعة واجب، شهادة حق عن انتماء لعقيدة.
فلله در ذلك السوري على صموده الأسطوري، وذاك الغزاوي الصامت اليوم لكنه أخذنا مشهد صموده إلى أسطورة محكية، وذاك العراقي الذي أقسم أن يكون موته شهادة وحدة بلاده، وذاك حزب الله الذي سبق الجميع إلى ترتيب البيت العربي الأسطوري صمودا وكبرياء.
جمع الأمة يعيش القتل والشهادة بمنطق الأسطورة، سواء كانت الجزائر فهي حملت رقم المليون شهيد، أو مصر فقد ظل الأمل نسيج روحها رغم الحروب الكبرى التي خاضتها، هكذا هم العرب أينما كانوا، فإنما عيشهم بين الدم وبين الدموع، بين الخوف على أوطانهم وبين أن يفوزوا بشهادة محقة .. هم منذ سنين طويلة يعودون دائما إلى حيث البدء في صفات المعارك المفروضة عليهم.
اليوم على خارطتهم، جرح عميق في أكثر من مكان فوق الخارطة السورية، وعدو يعيش حراكا فوق مساحة من العراق، وتاريخ يكتب في اليمن، وخيارات مبعثرة في مصر، وحكايات من قديم معافى تبددت في فلسطين يراد لها أن تصمت وأن تخرج من أسطورتها القديمة. كلنا الآن على حافة سكين ولكن الوطن فينا لا يمكن ذبحه، فنحن بالتالي أبناء أسطورة مصنوعة من قيم لا تجاريها فيها أية شعوب أخرى.
لكل من يتذمر من حال الأمة نقول إن ما تتعرض له الأوطان هو ما يراد لها أن تشوه تاريخها كأن تبصم على وجود مؤبد للصهيوني على أرضها، أن تنسى فلسطينها التي من أجلها كل هذا العذاب العربي الطويل … وبقدر صمود أسطوري لتلك الأوطان، هنالك شعب أسطوري، هنالك عربي جبل بالأسطورة حتى صار نجما في جيش عربي سوري أو مقاتلا في العراق أو لمعة حق في فلسطين أو قوة بأس في اليمن أو هالة في مصر وذاكرة قوة في الجزائر وغيره.
يوقظنا صمودنا الأسطوري كلما تجاسرت القوى علينا. لم تصنع الشعوب من أجل أن تكون ميتة وهي حية، بل من أجل أن تصنع الحياة حتى عندما تموت.

إلى الأعلى