الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (163) : الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل (3/3)

نافذة لغوية (163) : الدّعوة إلى استعمال الـمُسْتَعمَل (3/3)

لا أبالغ حين أقول إنّ المرحلة الافتراضيّة التي نعيش فيها أكثر خطراً من المرحلة الواقعية التي مررنا بها. ففي المرحلة الواقعيّة كانت الحدود واضحـة بين الصّديق والعدوّ، لكنّ الغموض في المرحلة الافتراضية بدأ يلفّ الصديق والعدو فلا يكاد أحد يميز العامل من أجل الفصيحة من العامل على تهديمها. فقد اختلط الحابل بالنّابل، ودخل الشّقاق أقسام اللغة العربية في الجامعات، واحتدم الجدل حول تدريس اللسانيّات تبعاً لاستعمالها العامية وانطلاقها من لغات أجنبية ذات طبيعة تغاير طبيعة الفصيحة. وما ذلك كله إلا نتيجة الافتراض الذي علّلنا أنفسنا به، وغطّينا أدواءنا ببرود منسوجة في مصنعه. والحال أن المستعمِر (بالمعنى العسكري) رحل عن الوطن العربي دون أن يتخلّص العرب من آثاره والتبعية له. وإلا فإنه ليس في الواقع الراهن مَنْ يدعو جهاراً نهاراً إلى هجر الفصيحة، لكنّ المستوى اللغوي يقول إننا نسعى بأيدينا العربية إلى هجر الفصيحة وجعلها غريبة في عقر دارها. وليس هناك مَنْ يدعو إلى تقعيد قواعد العامية، لكنّ الواقع اللغوي العربي يقول إن العامية ما زالت سائدة وإنّ الشّقّة بينها وبين الفصيحة ما زالت متسعة. بل إننا زدنا الطين بلّة حين مكّنّا للعامية في آدابنا وعلومنا ومؤسسات تعليمنا. ليس هناك مَنْ يجسر على إعلان الدعوة إلى استعمال اللغات الأجنبية، لكنّ الواقع اللغوي العربي يقول إن غالبية الجامعات العربية تُدرِّس مساقاتها العلمية بإحدى اللغتين الانكليزية أو الفرنسية. ألسنا نعمل على تجسيد أهداف الدعوة إلى العامية من حيث نظن ونعلن أننا نناهضها ونحارب الداعين إليها؟!.
أخلص إلى أن الدعوة إلى العامية زائفة المحتوى معادية الأهداف، لكنّ الاستعمار نجح في غرسها في الأرض العربية، وجنَّد لها من العرب أضعاف ما جنَّد لها من الأجانب، وتمكّن بوساطة ذلك من جعلها الشغل الشاغل للأمة العربية طوال قرن ونيِّف، وطرحها بديلاً من الفصيحة الصعبة المعقّدة. وسواء أكان يعلم زيف محتواها أم لم يكن فإنه استطاع صرف جهد اللغويين والأدباء العرب إلى قضية غير موضوعيّة. بل إنه خلق لهم قضية يطول الجدل حولها والنزاع بشأنها والانقسام حولها، وأبعدهم في الوقت نفسه عن مقاومة محاولاته فرض لغته على مؤسسات الدولة، وغرس فيهم الخوف من العامية التي يستعملونها في حياتهم اليومية، وضَمِن بذلك كله تبعيّتهم له، وخلَّفهم وراءه شيعاً وأحزاباً عاجزين عن تبديل الخطّ الذي رسمه لهم وإنْ ظنّوا زوراً أنهم نالوا حريّتهم كاملة.
إذا كانت تلك حال الدعوة إلى العامية فإن التخلُّص منها منوط بالعمل التربوي على إنجاز ثلاث مهمّات: أوّلها إعادة الثقة بالفصيحة، وثانيها ترسيخ المفهوم العلمي لعلاقة الفصيحة بالعامية بغية التحرُّر من الأوهام اللغوية والنفسية، وثالثها إقصاء اللغات الأجنبية عن التعليم الجامعي وإحلال الفصيحة محلّها. وهذه المهمات الثلاث تعبير عن حاجة اللغة العربية الفصيحة إلى الحياة في العصر الحديث، فضلاً عن أنها ردّ علميّ موضوعيّ على التحدّي الذي أعلنه أتباع الدعوة إلى العامية. إنّ إعادة الثقة بالفصيحة فهي، في رأيي، من اختصاص التربويين واللغويين معاً؛ لأنها قيمة مكتسبة وليست فطرية. فلا بدَّ من تربية الجيل بعد الجيل على قيمة احترام اللغة الفصيحة وعدم الاكتفاء بالاعتزاز اللفظي بها. وغرْسُ هذه القيمة يحتاج إلى زمن طويل، وخطط واضحـة محدّدة، وعمل دؤوب يجعل الإنسان العربي يلمس مكانة الفصيحة في حياته الاجتماعية والوطنية والقومية، ويسيغ جمالها، ويتمكّن من استعمالها بسهولة ويسر حديثاً وكتابةً. ويُخيَّل إليَّ أن التعليم الشكلي للغة، والاعتزاز اللفظي بها، لا يساعدان على غرس قيمتها ولا يقودان إلى الاقتناع بمكانتها، ومن ثَمَّ يخفقان في تكوين السلوك اللغوي المعبِّر عن احترامها. ولعلّني أجانب الصّواب حين أعتقد بأن قيمة احترام اللغة الفصيحة في الأهداف التربوية العربية لا تجاوز النص عليها إلى تجسيدها في المناهج والكتب، فضلاً عن أن وسائل الإعلام خصوصاً والمدارس الخلفية عموماً تعين التربية النظامية على الاستهانة بالفصيحة عملياً والاعتزاز بها لفظياً. وليس هناك دواء سحريّ يُغيِّر هذا الموقف العجيب من اللغة القومية، إلا أن الوعي التربوي والقرار السياسي قادران على وضع اللّبنات الأولى في الطريق الطويلة إلى اكتساب احترام اللغة الفصيحة.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى