الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / في معرضه “من حافة إلى أخرى” أعمال وسام عبدالمولى تنقلنا من حالة إلى أخرى

في معرضه “من حافة إلى أخرى” أعمال وسام عبدالمولى تنقلنا من حالة إلى أخرى

قدم لنا الفنان التونسي وسام عبد المولى في معرضه الذي حمل عنوان “من حافة الى أخرى” الذي أقيم في المركز العماني الفرنسي منذ 14 ابريل وحتى 5 مايو الجاري رحلته الذاتية والشخصية لأماكن مختلفة تنقل فيها الفنان. المحطة الحالية لرحلته هي عُمان، والجميل في هذه التجربة هو أن الفنان استفاد من تنقلاته في أماكن عديدة ليضخ مشاعره وانفعالاته المختلفة هنا في عُمان؛ كونها تعني له الكثير بما أنها المحطة الأخيرة من محطات رحلته التي تميزت بثرائها في الفضاء والمكان وأهله وأبعاده وروحانيته حسب تصريح الفنان.
المشاهد لأعماله الفنية المرتبطة بالمكان والغربة يجد فيها انفعالات عنيفة وضربات فرشاة سريعة، تعكس ما لا تعكسه الغربة أحيانا كثيرة من قوة وطموح فالغريب في العادة تتلقفه الأماكن وتدخله في أمزجة عديدة، يحتاج الكثير حتى يتأقلم معها. ومما لا شك فيه أن تنقلات الفنان دائما ما تكون مختلفة بحكم القدرة على التعاطي مع الفضاء الجديد بكل روحانياته ومضامينه، فيستلهم منها ما يستوقفه للوهلة الأولى. وهذا بلا شك ما قدمته لنا أعمال الفنان التي عكست ذكاء اجتماعيا في التعامل الحذر مع تنوع الأماكن والبشر ومع التنقلات التي أكسبته كفنان قوة الانطلاقة وجرأة غير عادية في التعامل مع البشر، انعكس على سطوحه وخامته المستخدمة. فعكست الأعمال المقدمة في معرضه اندماجا لونيا حمل في طياتها أشكالا كما هي حالة الاندماج التي يعيشها الفنان في الوسط الذي انتمى اليه حديثاً.
يذكر أن الجرأة التي أظهرتها الأعمال من وجهة نظرنا ارتبطت بشخصية الفنان بحكم معرفتنا القصيرة به والتي قضاها في عمان، لكن قصر الفترة هذه كانت كفيلة بأن تعرفنا على شخصية منطلقة سريعة الخطى، حثيثة العطاء، وكثيرة الطموح.
عناوين لوحات الفنان وسام عبدالمولى “حلم”، “سعادة”، “سفر”، “صلاة ودعاء”، “نرجسية”، “كيف”، “الأمة” عكست مشاعر الفنان حول المكان والشخوص وعكست الحالة الذاتية للفنان في التعاطي مع الحدث من خلال لغة الشكل. والمتأمل جيدا لأعمال المعرض يدرك خبايا لغة الشكل التي نعنيها إذ لم يرد لها الفنان ان تكشف من الوهلة الأولى ولكن شاء الفنان أم أبى، فإن عناوين لوحاته كشفت لنا نوعية المحاورة الداخلية التي تمت بينه وبين العالم المحيط به من هموم أمة وصلاة ودعاء لتحقيق حلم تتأتى بعده سعادة لأجل نرجسية، هكذا استقرأت الأعمال ومكنوناتها والتي استعنا هنا بإمكاناتنا في الولوج إلى فكر الفنان والذي يحتاج في الغالب إلى معرفة بالفنان وما يدور في دواخله.
وبحكم معرفتنا بلغة الشكل تجلت لنا بعض من العلاقات المتباينة بين الاشكال والخلفيات فكان للشكل حكاية وكيان كبير وللخلفية كيان مرتبط بقانون الطبيعة، فاحترم الفنان وجودهما ككيانين مستقلين وحرص بأن يألف كل منهما الآخر ويكمله في قالب درامي متناغم، فتحاورت الأشكال فيما بينها وبين كل حكاية تكمن ذات الفنان متسيدة الموقف، بل ظهر في كل حافة متنقلاً . كما ظهرت الخطوط بتنوعاتها السريعة والمرتعشة أو المتقطعة وبكثافته اللونية كعناصر فعالة وذات ادوار إيجابية في ملء المفردات الشكلية وفصل الاشكال عن الخلفيات والعكس صحيح، ولعبت الخطوط في أعمال الفنان وسام الدور نفسه في رسم الكتل اللونية والتعبير عن الأشكال والظلال. لذا جاءت الحدود بين الأشكال والخلفيات بها نوع من التوازن الحذر تدفع المشاهد لتوجيه بصره لمتابعة تلك الحدود الفاصلة بين الألون، علماً بأن الفنان كان يحاول أن يخدعنا كمتلقين للعمل لنرى الأشكال تارة وينقلنا تارة أخرى بلا وعي نحو الخلفية ونحن في سعادة من هذه النقلات المباغتة.
وما يهمنا في هذه القراءة هو سبر لغة الرموز والأشكال التي اعتمدها الفنان وسام عبدالمولى في أعماله فنجد أنها جاءت ذات دلالات رغم عمليات التجريد والتحوير التي حملتها، فاللغة الشكلية التي نستخلصها من أعماله ومن عناوينها كانت تخاطب المتلقى بلغة شاعرية رمزية تدلل على المضامين الخاصة بالفنان. فكانت الألوان والمساحات أو الكتل ناقلة لأحاسيس الفنان وتفاعله مع الحافة الأخيرة على أكثر الظن. ولان عمليات التجريد والتلخيص في الممارسة الفنية تحتاج إلى مستوى من الثقافة والتدريب لتحليل الرموز، كما وليست بالضروة أن تنتقل بدقة الى جميع المتلقين، لذا قد تتنوع التأويلات وتبقى مضامين وبواطن الافكار والخيالات الخاصة بالفنان للفئة العارفة ببواطن أفكاره والذين يشتركون معه في عالمه؛ لذا كان التقارب الثقافي والفني والبيئي قاسما مشتركا سهل عمليات القراءة بل أن الرموز كانت واضحة بالنسبة لنا ولم نختلف في فهم محاورات ومناورات الفنان في الرموز والمفرادت رغم قصدية ملامح الغربة التي ارادها الفنان، وهنا لا اظن أن اللوحات أظهرت الشعور بالغربة، بقدر ما أظهرت أن للحافة الأخيرة دورا في تخليص الفنان من الإحساس بالغربة وساهمت في إشراك نخبة من المتلقين للعالم الداخلي للفنان.
كما ظهرت في لوحات الفنان وسام ألوان بعينها اكثر من غيرها ولكل لون دلالة؛ فظهر الأحمر القاني في 13 عملا من مجموع (19) عملا بشكل لافت ولم يغب عن باقي اللوحات رغم حضوره الخجول في علاقة جريئة يبعد عن استخدامها الكثيرون لدلالات اللون في التعبير عن الدم، أو الحرب أو الغضب ، إلا أن ذكاء التوظيف قدم لنا كمتلقين شغف التعرف على خبايا ومضامين الانعطافات في حياة الفنان، فجذبت الأعمال المتلقى من الوهلة الأولى وكانت رائعة في شكلها البصري، وقوية في التعبير عن انفعالاته وذات جرأة في ضربات الفرشاة، فأخافنا الحضور اللوني كمشاهدين لكن الأعمال جعلتنا نعشقها وننتقل من عمل الى آخر في قالب درامي مشوق. وبهذا نؤكد بأن الفنان استطاع التأثير على نفسية المتلقي فدخلنا في حالة غير مستقرة من قوة أثر الضربات الى حالة من الهدوء والمتعة، واخرجنا من برودة الألوان الى حالة من القلق. وربما هنا اراد الفنان أن يدخلنا في حالة الغربة التي يشعرها وينقلنا بمشاعره من هنا الى هناك ومن حافة إلى أخرى.

د. فخرية اليحيائية
رئيسة قسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى