الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عدسة توثق تاريخ وإنسان العراق

عدسة توثق تاريخ وإنسان العراق

الماء والحياة وأزلية السلام بمعرض إحسان الجيزاني في ألمانيا

دأب الفنان الفوتوغرافي المغترب احسان الجيزاني على اصطياد لقطات مؤثرة هي بمثابة قضية انسانية متكاملة وتنتظر الحلول بأقصر الطرق ولم يتوان عن إيضاح قصده ومفهومه بالاستعانة بأية مؤثرات ولقطات شارحة تكفي لإعطاء صورة كامل عن الأصل والمنبع وأساس المشكلة وقد سجلنا له ذلك بعشرات المعارض الفنية نذكر منها ، موت في العراق، اثارنا في الخارج، الاهوار، النخيل، الطفولة، حملت جميعها قضايا حساسة لوطن جريح حمل جراحاته الى العالم من خلال عدسة عكست هذا الكم الهائل من صور التوثيق والفخر والتجسيد لهذه الخلطة التي يعززها اليوم بمعرضه الفني عن طائفة الصابئة المندائية التي كان ولا يزال مهدها الأول جنوب العراق، ويعلق الجيزاني على التسمية لأبناء الطائفة بالقول إن الأصح لسكنهم وتواجدهم في (بلاد ما بين النهرين)، ويسميهم العراقيون بالعامية “الصبه”، ويعيشون على ضفاف الأنهار وخاصة دجلة، وهم جزء من سكان العراق الأوائل عبر تاريخه الحضاري. ويشكلون أقلية دينية ما زالت تمارس طقوسها ودياناتها إلى الآن. لقد ذكر المؤرخون انهم سكنوا مناطق متعددة وهم عموما يسكنون على ضفاف الأنهار لما للماء والطهارة من اهمية في حياتهم الدينية والروحية.. وعند اقامة الدولة الإسلامية كان يوجد أعداد كبيرة من الصابئة في بطائح العراق، في المناطق السفلى لنهري دجلة والفرات بالذات، وفي بطائح عربستان من إيران وقد كان مرحبا بهم في أي مكان لانهم جبلوا على طبيعة كريمة طيبة تحب الخير وتقديم المساعدة لمن يحتاجها.
اما الآن فمركز الطائفة هو مدينة بغداد إضافة إلى تواجدهم في أغلبية المحافظات العراقية مثل العمارة والبصرة والناصرية والكوت وديالى والديوانية إضافة إلى تواجدهم في مدينة الاهواز والمحمرة في إيران وبالأحداث السياسية والاقتصادية وتعرضهم للسرقة والقتل والظلم من اطراف متعددة اعتاشت على طبيعتهم المسالمة التي لا تعترف بالعنف ابدا لذلك ، اضطر الصابئة المندائيون إلى الهجرة إلى البلاد الاوروبية وأميركا وكندا، ولقد شكلوا بتجمعاتهم الجديدة جمعيات تعنى بشؤونهم ويحاولون جاهدين إلى الآن، المحافظة على تراثهم العريق وهويتهم الاصيلة وتقاليدهم الموغلة في القدم والحضارة وتجدهم هنا في المانيا نخبة رائعة تصور العراق وحضارته بأبهى حلة كما تناولتها في هذا المعرض بمدينة شتوتغارت والذي لفت الانتباه من الاعلام وغيرهم الى حضور مكثف غير مسبوق وتفاعل اكبر مع ابناء هذه الطائفة الطيبة.
يقول “الجيزاني” عن معرضه : اتحدث في المعرض او انقل رسالة الى العالم اجمع والمتنفذين تحديدا بأن العراق مهد الحضارات والاديان هو ليست قطعة كعكة كما يصورها الاعلام الغربي انه وطن موغل في الحضارة ولا يمكن تقسيمه الى دويلات وان فكرة واساس التعايش السلمي بين الاديان هي فكرة قائمة بأساس متين يجسدها الصابئة في جنوب العراق ومكانتهم المحترمة المهمة كأحد أركان الحضارة الكبيرة التي نفخر بها وبرموزها من علماء وشعراء وفلاسفة وغيرهم، ان المعرض يتكلم عن حضارة العراق التي احتضنت كل الاديان السماوية إلى الآن.
ويضيف “الجيزاني” : موضوع الصابئة المندائيين الذي تناولته انا هو موضوع مهم وان اختياري لهذا الموضوع في هذا الوقت هو رسالة لكل من يريد ان يقسم العراق او يعتدي على دياناته بأن العراق تعيش فيه كل الديانات وبدون تمييز وخير دليل بأن الصابئة المندائيين يمارسون طقوسهم بحرية في جنوب العراق منذ فترة شهدنا في ميسان احياء عيد الخليقة (البرونايا) عند ضفاف نهر دجلة في مدينة العمارة.
وتناولت في الصور طقوسهم التي يمارسونها عند التقاء نهري دجلة والفرات في البصرة ومعتقداتهم بطهر الماء لغسيل النفوس والقلوب واخذت كل تفاصيل الطقوس في التقاطاتها وبأدق التفاصيل ومنها تقديس النبات عبر الياس الذي يضع في راس الانسان كعقال اخضر وكذلك تفاصيل صب الماء على الرؤوس وكيف يربط الحبل على جسم الانسان وتفاصيل ملابسهم ومعتقداتهم مع الاشارة الصورية الى الفلكلور الصابئي والثقافة التي لها مكانه مهمة والشعر والجلسات الادبية الرائعة بمحافل اعدها دروس لاتقدر بثمن في مجالس لها مكانتها اثمرت ظهور اروع وابرز شعراء وادباء العراق ،وكذلك تفاصيل زواجهم الذي يعقد بالقرب من الماء وحياتهم اليومية واهم المهن والحرف التي يتداولونها تاريخيا ومنها الطرق على الفضة والذهب والطب العشبي الذي يعد من مفاخر فلكلورهم القديم بالاضافة الى بيوت القصب التي ابدعوا ببنائها في مناطق الاهوار جنوب العراق ولم اغفل تصوير كتابهم المقدس وكلماته وتصوير بورتريه لكل شيوخهم وكان التصوير لحفل الزواج في المانيا وعلى نهر النيكار اي المعرض صور وبطريقة وثائقية في كل من المانيا والعراق.
وفي الختام يقول المصور احسان الجيزاني : يحتوي المعرض على اكثر من سبعة وخمسين صورة ويعرض في شتوتغارت لمدة شهر اثرت فيها جميعا ان اوثق لأبناء بلدي الأصلي تفاصيل حياتهم اليومية وتمسكهم بموروثهم الثقافي الحضاري.

محمد حمدي
كاتب وصحفي عراقي. .

إلى الأعلى