الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نماذج من الأمثال العُمانية الشعبية

نماذج من الأمثال العُمانية الشعبية

دراسة لسانية سيميائية

قال رسل (Russel): “المثل روحٌ لفرد واحد وحكمةٌ للجميع”

المثل العُماني مثله كمثل الأمثال الأخرى صوغ لغوي يُتداول تداولا يوميا،ويتضمن قيمًا أخلاقية أو تجارب إنسانية حقيقية. فهو يجسد تصور المجموعة للعالم تصورا ذهنيًّا صافيا. وستكون الأمثال العُمانية موضوعًا لهذه الدراسة، وستستفيد من التضافر المعرفي في مقاربة الأمثال من النواحي الفلسفية والفولكلورية واللسانية والأسلوبية والسيميائية. ومن الواجب أن نميز المثل عن بقية أشكال التعبير الأخرى في التراث العُماني على الرغم من الصعوبة التي يجدها المرء في التمييز بين المثل وما يجاوره من مصطلحات وعبارات يومية متداولة ذات صيغ كنائية واستعارية تلتبس به التباسًا شديدا. فهناك صيغ لغوية مجاورة للمثل مثل الأقوال المأثورة والحكم والعبر وأقوال تختزل في كلمات حقيقية راسخة والخرافات مثل حكايات كلمة ودمنة والألغاز. فالمثل العُماني الشعبي ينتسب إلى الأدب الشفاهي، ويعتمد على ثقافة الأذن، وهو في حركة مستمرة لا يعرف التوقف عند حد.
من الأقوال المأثورة:
الحياة دمعتين دمعه عند اللقاء وأخرى عند الفراق
الحب داء لكننا بدونه لا نكون بصحه جيده
من السهل على الإنسان أن يحب من يكره ولكن من الصعب أن يكره من يحب

الفرق بين المثل والحكمة:
للمثل وظيفة حجاجية تتغيا التنبيه على الغفلة وتقديم معلومات إرشادية ووعظية تتخللها الحكمة على نحو ما نراه في هذا القول المأثور: ((ابتسم فرزقك مقسوم، وقدرك محسوم،وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم؛ لأنها بين يدي الحي القيوم)). ومما لاشك فيه أن الأقوال المأثورة نابعة من تجارب إنسانية؛ بيد أن الأمثال تصدر عن تجارب حقيقية تقدم لمخاطبها صفوة المعرفة، بينما تبقى الحكم سلوك وقيمة صادرة عن المعرفة الحدسية ليس بالضرورة أن تكون قد اختمرت، ونضجت في أتون الواقع على ما هو عليه الحال المثل الشعبي. فالحكمة نابعة من لحظة إبداع فردي يحرص صاحبها على صوغها صوغًا حسنًا، لتأتي في قالب أسلوبي دقيق لا نلفيه في الأمثال. فالمثل يغلب عليه الطابع الجماعي وإن صدر أول مرة من فرد. وعلى الرغم من ذلك فإن للمثل طبقات دلالية تتسم بالعمق والانفتاح الدلالي. ولهذا فإن بنيته السطحية وإن هيجت المستمع بإشاراتها اللغوية والتاريخية فإن بنيته العميقة تظل مدار بحث وتأويل. بينما الحكمة تجنح إلى الإرشاد والوعظ وأخذ العبر.

فهناك ملفوظات تجري مجرى الأمثال مثل “ما يدوم غير الصح” أو ما يقابله الجملة الدارجة (aphorisme) الفرنسي ((Rien n’est beau que la loi)). ((تتضمن العبارة (sentence) جملة وعظية خُلقية قصيرة دالة على وجهة النظر الشخصية. فهي تختلف عن المثل لكون العبارة لها معنى أقل ابتذالا، وشكل أكثر تجريدًا. يضيء المثل الحياة العملية ويوضحها، بينما تُعمل العبارة الفكر فيها))1.
الحكمة (maxime) عبارة كبرى وهي مثلٌ عالمٌ (proverbe savent)، ولها مؤلف واحد؛ بينما المثل ملكٌ مشاعٌ في التداول الشعبي. إن الأمثال هي الأقرب إلى الألغاز؛ ولهذا الغرض كانت الأمثال والألغاز تجمع من قبل دارسي الأدب الشعبي والفولكلوريين في مدونة واحدة؛ وفي بعض الأحيان يصعب التمييز بينها.
هناك من يعتقد بأنهما يصدران عن أصل واحد، وكلاهما ينتمي إلى الحكمة الشعبية. فاللغز بنية نصية أدبية قصيرة يتضمن معنى غير مباشر وغير صريح، فيتطلب مهارة ذهنية في فك سننه، والوقوف على سره. وكثيرا ما يصاغ اللغز في قالب إيقاعي مؤثر، كما أنه يكتسي طابعًا استعاريًّا.
إن القول المأثور (dicton) الذي صار مضربًا للمثل تعبير مَثَلِي يتسم بالثبات، ويعبر عن تجربة إنسانية حقيقية أو نصيحة نابعة من حكمة عملية أو شعبية. يتضمن القول المأثور عادة تعبيرًا ساخرًا، وغاليا ما يتسم بالطابع الإقليمي.
إن (aphorisme) ملفوظ يُختصر في كلمات. ويغدو جملة تلخص مبدأ أو تسعى إلى إضفاء خصوصية على كلمة من الكلمات أو موقف من المواقف ضمن مظهر فردي.
تحكي الخرافة (fable) قصة قصيرة، وتنظم شعرًا أكثر من كونها نثرًا. ولها هدف تعليمي. تنماز الخرافة عمومًا بتوظيف الحيوانات التي تحكى على لسانها القصص توظيفًا رمزيا في حوارات حية وينابيع كوميدية. فالمغزى الأخلاقي للخرافة إما تكون مستمدة من الإيحاءات الضمنية في النص وإما تكون صريحة في نهاية النص، ونادر ما يعبر عن هذا المغزى في بداية النص. ولهذا يميل إلى التعبير عن القصد في ملفوظ واحد.
لا بد من الإشارة إلى أنه عندما ينعدم المعنى المجازي فإننا نتعامل مع الملفوظ تعاملا يقدم لنا على الأقل المعنى التعليمي.
Le renard mourra dans sa peau » مثل
Un bon ami vaut que 1000 parents » قول مأثور

المثل بين العامية والفصحى:
العاميات ليست حدثا طارئا في حياة العربية، وإنما هي قديمة رصدتها بعض مصادر اللغة والأدب، وأشارت إليها إشارات عابرة، أو صارت ظاهرة أدبية متداولة كما هو الشأن مع الأزجال والموشحات في الأدب الأندلسي. وعليه فقد ظهرت لهجات عربية قبل ظهور الإسلام انبثقت من لغة الأم (langue maternelle)، وحتى الأمثال العربية يختلف نطقها من قطر عربي إلى قطر آخر حسب طريقة الأداء في النطق. وبما أنه لا يوجد لدينا أطلس لغوي للعاميات العربية ولا معاجم خاصة بها فإنه يعسر علينا إجراء مقارنات صوتية ومعجمية بينها وبين الأمثال العًمانية. إن صفة الشعبي التي تلحق بالمثل فإنما المراد منها أنها تتسم بالحيوية، وتتجه إلى عموم النص لا لخصوصها. بينما الأمثال الشعبية حديثة ولكنها تتفق مع الأمثال العامية في أنها مستهجنة ومستقبحة فهي من سواد الناس وعامتهم ودهمائهم ورعاعهم وغوغائهم وأراذلهم
قال الجاحظ ((وإذا سمعتموني أذكر العوام فإني لست أعني الفلاحين والحُشْوَة والصنَّاع والباعة، ولست أعني أيضا الأكراد في الجبال، وسكّان الجزائر في البحار…وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب وفارسُ، والهند والرّوم. والباقون هَمَج وأشباه الهَمَج. وأمّا العوامُ من أهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقًها فوق تلك الأمم، ولم يبلغوا منزلة الخاصّة منَّا. على أن الخاصَّة تتفاضل في طبقات أيضا)). البيان والتبيين، تح. عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط. 5، 1985، 1/137.

فلسفة المثل الشعبي:
بما أن السيميائيات تطرح تساؤلات فلسفية أساسية، بل هي شكل من أشكال التفكير الفلسفي، إن لم تكن الشكل الوحيد المقبول في فلسفة اللغة المعاصرة حسب أمبرتو إيكو. فالمثل يحمل تصورًّا، وكما قال صاحب الرد على المنطقيين ((ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه…وكلما كان التصوّر لصفات المتصوّر أكثر كان التصوّر أتم…))2. فإن هذا التصور الاستعاري للمثل الشعبي ذو صبغة جماعية تشترك في بنائه طبقات المجتمع كلها. فهو لا يشير إلى أشياء محددة، وإنما يشير إلى نوع من الأشياء؛ وهذا ما يمكن أن تقدمه لنا المقاربة الموضوعاتية. فالقضايا التي يجملها الخطاب المثلي تقع في باب المشهورات التي تنزع نزوعا إنسانيا إلى توخي الصدق، والدفاع عن التمثيلات الاجتماعية.
استكشفت السيميائيات المعاصرة السمات الدلالية التي من أجلها تنماز بها عن الوحدات التعبيرية المثلية الأخرى. إنه هذه السمات لها طبعتها الخاصة. ونستخلص من ذلك بأن السمات المذكورة تميّز المثل بوصفه وحدة تعبيرية. تتمثل السمة الرئيسة للوحدة التعبيرية في الصوغ الاستعاري للدلالة ومكوناتها. وكذلك السمات التي استكشفتها السيميائيات التي تمثل العناصر البنوية لهذا الصوغ الاستعاري. وما ينبغي أن ننسى بأن المثل هو ملفوظ لا يكاد ينفصل عن التلفظ على الدوام. وهذا يعني أن أنموذج المثل الذي اصطنعته السيميائيات يمكن أن يشكله الصوغ الاستعاري لأنموذج بدئي تركيبي دلالي.
نعتقد بأن ذلك يمكن أن يسمح لنا بتقديم من وجهة تركيبية دراسة مناح لسانية وسيميائية للمثل ومن وجهة أخرى إعادة إضفاء المنحى اللساني على هذا التركيب الخالص.
نقترح هذا الأنموذج التحليلي للمثل وفق المستويات الآتية:
المستوى التركيبي
المستوى الدلالي
المستوى التداولي
((لا ينبغي وضع البيض جميعه في سلة واحدة))
((Il ne faut pan mettre tous les œufs dans le mémé panier))
أ‌- جملة بسيطة
ب‌- مسند رابط محلي
ت‌- إثبات سلبي
ث‌- يمكن تحليل الجملة وفق أنموذج الجملة.
من الصعب إيجاد طريقة مثلى لتصنيف الأمثال، والغالب على تصنيف الأمثال الاتجاه الموضوعاتي؛ ولكننا نستطيع أن نتبنى التصنيف السيميائي الذي يعد أكثر انتشارا. وقد قدمه العالم الفنلندي م. كيوس (M. Kuus) إنه يتأسس على معايير منطقية وقد أضيف له التصنيف الموضوعاتي. وفي الوقت الراهن من الصعب وضع تصنيف موضوعاتي ذي صبغة عالمية.
إن الموضوعاتية الحقة بالنسبة إلى بَارْمْيَاكوف تتمثل في أن لكل مثل ثنائية ثابتة من الأفكار المطروحة. وعلى أساسها تنشأ دلالة الاستعارات المستعملة في الأمثال. إنه يقترح قائمة من الثنائيات التي لا حصر لها. ويمكن التمثيل لها بــ:
- مضمون/شكل
- كل/جزء
- بداية/نهاية
- كم/كيف
الثيران الكبيرة لا تجل على سعة الحرث (مثل عالمي)
أ‌- جملة بسيطة
ب‌- فاعل – تأهيل موضوع
ت‌- إثبات نسبي
ث‌- صورة استعارية – استعارة
ج‌- المظهر خداع- موضوع
ينماز الخطاب المَثَلي بخصيصتين:
التجسيد:
على الرغم من أن الأمثال الشعبية العُمانية وغير العُمانية تنحو منحى التجسيد فإن القصد منها توليد الأفكار الأكثر تركيبًا وتعقيدًا بوساطة العلاقات والترابط.
الشمولية:
بما أن الخطاب المَثَلي نتاج عقل بشري يمتح إبداعه من خبرات متراكمة. ومن هذه الخبرات تنبثق المعرفة الشعبية التي هي عبارة عن نسق من التمثيلات الاجتماعية التي تشكل الحس المشترك. مما يجعلها ثابتة، ويعبر عنها المثل الشعبي أحسن تعبير. وبهذه الشمولية يتحول المثل إلى خطاب استدلالي وجدلي وحجاجي؛ ومن هنا ندرك كيف تتحول الأمثال الشعبية إلى آراء متفق عليها، ويصبح مسلمًّا بخطابها من قبل أفراد الشعب؛ لأنها صناعة ذهن شعبي، وقابلة للفهم حتى في تجريدها. فالشمولية حالة مركوزة في النفس، والعلامات اللسانية ترجمان لها. وفي هذا السياق يمكن أن نورد قول إمام الحرمين أبي المعالي الجويني : ((عموم النفس علوم بمعلومات على جهات في الإرادة والكراهية))3 . كما أن ((المعاني الكلية الذهنية عامة بمعنى أنها معنى واحد متناول لأمور كثيرة))4. وفي ضوء تحاول هذه الدراسة الاقتراب من الذهن الذي أنتج هذه الأمثال. ومن الوهلة الأولى أن ثمة ذهنًا إنسانيا واحدا يتلون باللغة والثقافة وبكل ما يتعلق بالفولكلور.
إن الدراسات السيميائية المعرفية تساعدنا على التمييز بين الملكات والأفكار التي تنتج الخطاب المثلي، وتسمح لنا بفهم سيرورة التسمية التي هي عبارة عن نتاج عمل ملكة التمييز. فعندما نسمي الأشياء فإننا نستعد لوصفها. وكذلك فإن تسمية الأشياء ترتبط بإدراك العلاقات بين الأفكار التي هي من وجوه علامات في الأمثال.
إن كليات التمثيل هي كليات أنطولوجية. فالأمثال الشعبية العُمانية علامات دالة على أفكار، ولكن محمولها ذو نزعة إنسية مثل ما نقف عليه في هذه الأمثال:
القوة:
الانفعال:
الحلم:
العاطفة:
الحب:
الكراهية:
ولهذا لا يبدو أن الخطاب المثلي خطاب تنويري؛ إذ لا نلفي تمجيدا لتحرير العقل أو المرأة. ويمكن أن نستقي من الفلسفة الشعبية التي طرحها الفيلسوف الألماني يوهان هردر مناهضتها للعموم وانتصارها للخصوص، ونفورها من التقنية وميلها إلى الإنسانية.
كانت الفلسفة الشعبية في صراع مرير مع الروح التنويرية وهي بذلك منحازة إلى سيميائيات جون لوك التي أعلت من شأن الطبيعة المهدورة والمنسية في خضم حركة التحديث التي كنست تلك القيم التي عادت فلسفة هردر الشعبية. ومن هذه القيم الطبيعة والحساسية والخيال والذوق والقيم الروحية والجمالية كافة. إن الأمثال الشعبية العُمانية التي وقفنا عليها تنماز بالنزعة الإنسية والتعبير عن عنفوان النفس البشرية بانفعالاتها وأهوائها وأحاسيسها وعواطفها ورغباتها وهواجسها.
اهتمت الدراسات التقليدية بالأبعاد الوظيفية للمثل؛ إذ تعد الطبيعة التعليمية هي الوظيفية الرئيسة التي ركز عليها دارسو التراث الشعبي؛ وعليه فإن الهدف من دراسة المثل ينحصر في الغاية التعليمية. لقد ظل هذا المنحى الوظيفي في دراسة الأمثال أكثر انتشارًا وهيمنة في البحوث العامة والخاصة؛ ولكنها لم تكن تحظى بالقبول الواسع بين العلماء المتخصصين في الدراسات الفولكلورية.
المقاربة الفولكلورية (folklore) للمثل:
يهتم الفولكلوري بالأمثال من حيث إنها تعبر عن حكمة الشعوب، فالمعنى الحرفي للفولكلور تقاليد الشعوب. إنه مجموع الإنتاج الجماعي الصادر من الشعب، ويتناقل شفاها جيلًا بعد جيل. وهذا موضوع الدراسات الفولكلورية

المقاربة اللسانية:
تتقصد اللسانيات في دراستها للمثل وحدة الجملة (unité phraséologique)، وطريقة بنائها، والوقوف على معجمها.ويمكن القول بأن الدراسات اللسانية للأمثال قد حدّت بعض الحدّ من هيمنة الاتجاه الوظيفي، وانصرفت إلى مدارسة البعد الدلالي للمثل. إن هذا المسعى صار يسير المسلك؛ ولا سيما بعد فتوحات العلوم المعرفية مثل دراسة التمثل الاستعاري للحكاية الرمزية والتقاليد اللسانية والفولكلورية التي أفادت منها المقاربات السيميائية. إن قاعدة الدراسة اللسانية للأمثال هي النسق المَثَلي للغة. ولكي تكون الدراسة اللسانية للأمثال مثمرة. لا بد من الأخذ في الاعتبار كل ما هو راهن مهم بالنسبة إلى المثلية اللسانية (phrasiologielinguistique) بمعنى المقولات الثلاث المناسبة:
1- مقولة التحوير التأويلي
2- مقولة الصوغ الاستعاري
3- مقولة التسمية
انطلاقا من هذه المقولات الثلاث ينبغي اختبار طبيعة الوحدة المثلية، ثم تطبيقها من أجل استخلاص الطبيعة اللسانية للمثل. إن حضور الصورة الاستعارية تجعل الدراسة اللسانية للأمثال مهمة وجذابة؛ ولهذا السبب فإن الطبيعة الاستعارية هي الأكثر أهمية في المثل. ولربط الدراسة السيميائية للمثل بالدراسة اللسانية لا بد من العودة إلى النظرية الحديثة للتسمية (nomination). وهو ما يقدّم نظرية عامة للعلامات اللسانية مما يسمح بربط الدراسات السيميائية واللسانية والفولكلورية.
يعد المثل بالنسبة إلى اللسانيات العامة حالة خاصة ونوعية للتسمية المَثَلية. فالمثل وحدة من التسمية الثانوية. إذًا يمكن الحديث عن تسمية مثلية للأمثال. ولا بد من تحديد منزلة الأمثال داخل النسق المثلي للسان.
هناك وحدات مثلية لها وظيفة تواصلية، ووحدات مثلية لا تضطلع بهذه الوظيفة. ولكن هناك وحدات مثلية تواصلية ذات صلة بالأمثال وأخرى لا صلة لها بها.
المثل وحدة تواصلية، وتوليف إسنادي له بنية مغلقة.
الوقوف على الكفايات اللسانية ومستويات التعبير المثلي:
المستوى الصوتي (الإيقاعي): التجانس الصوتي/التشاكل المقطعي بين المفردات/التنافر الدلالي (الطباق والمقابلة بين المشهدين). ((فمعظم الأمثال أقوال يعدّ الإيقاع فيها شرطًا أساسيًّا من شروط رواجها))5
مثال:
المقابلة:
(تروك الذنب ولا معالج التوبة)
مع كل فرح ترح.
إذا المتكلم مجنون المستمع عاقل
فبوجود التنافر أو التلاؤم ((بين بعض المكونات اللسانية للمثل تنبجس الشحنة المثلية في القول فيكتسب جاذبية خاصة تميّزه عن سائر الأقوال؛ ولهذا نجد القدماء يتحدثون عن حسن المثل وحلاوته وحرارته. وهذه الجاذبية يكتسبها المثل من مصادر شتى كالإيقاع والإيجاز والطاقة التخييلية للصور والتكثيف الدلالي. وعلى هذا النحو طالما اعتبر المثل مند القديم عند جميع الشعوب قولا في منتهى البلاغة ونموذجا أسلوبيا فريدا على غاية من الإتقان له طاقة من السحر شبيهة بالشعر في النفوس))6
التكرير:
1- طوله طول نخلة وعقله عقل سخله
2- راعي الطبع ما يصبر عن طبعه ولو تقص صبعه
3- إذا ما طاعك الدهر طيعه حتى تكون ربيعه
4- بنت الصيغ تشتهي الصوغ وبنت النساج عريانه.
قانون الاقتصاد (الإيجاز):
الروح ضنينه
خيرها فغيرها
لا تشبق نفسك
بيع اللص مخلّص
عاشق وما لاحق
مع كل فرح ترح
نايم على كنز
اللي فات مات
الجود بالموجود
إن الروح التعليمية للأمثال مرتبطة ارتباطًا حصريا بالحكاية والصورة والحكاية الرمزية.

المقاربة الأسلوبية:
المثل صورة من صور الأسلوب الذي يسمح بفهم فكرة حكاية رمزية أو مفهوم أو تجريد فهما أفضل عن طريق قصة أو استعارة أو صورة.

المقاربة السيميائية:
تتعامل السيميائيات مع المثل على أنه علامة لسانية مخصوصة، أو نسق لغوي دال. وتنظر إليه على أنه شكل سردي يتضمن وصفًا استعاريًّا تكون فيه البنية السردية منسجمة، وتضطلع بتمثيل فكرة عامة تمثيلًا دقيقًا. يقول جون بينو: ((الأمثال صور استعارية أو تصوير استعاري))7. ويمكن أن نقبل المصادرة القائلة بأن المثل له طبيعة تعليمية واستعارية.
بخلاف الدراسات اللسانية للأمثال فإن السيميائيات تدرس الأبعاد الوظيفية والدلالية والبنوية. ووفق دونيدس (Dundes) فإنه من الأهمية بمكان (معرفة ما يقدمه المثل أكثر من معرفة الدور الذي يؤديه))8. ولعلنا نتوقف ثلاثة مظاهر للمثل منها:
1- التعبير الاستعاري
2- القصدية المَثلية
3- البنية الشكلية
لا ترتبط القصدية المَثَلِية ارتباطًا مباشرًا بالضرورة مع التعبير الاستعاري، فالصور الاستعارية قد تتمايز في الأمثال لكن القصديات تبقى متطابقة. وإذا كان التحليل السيميائي يتقصد مدارسة المعنى فلا من الوقوف على البنيات الشكلية للأمثال، وطرائق بنائها للصور الاستعارية والقصديات المتضمنة في ملفوظاتها.
المثل له وحدة مَثلية (تعبيرية) وأن صورتها الاستعارية هي حاصل تحولها الدلالي الذي له معنيان صريح ومجازي. يمكن أن تعد دلالته بوصفها نمطًا من التسمية المثلية التي تتحقق في إطار الوحدات المثلية التواصلية بعد الصوغ الاستعاري للمعنى الأول.

هوامش :

1 – M. Maloux, Dictionnaires des proverbes, Sentences et maximes, Paris, éd. Larousse, 1985, p. 5.
2 – ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تح. محمد حسن إسماعيل، بيروت، دار الكتب العلمية، صص. 8-9.
3 – البرهان في أصول الفقه، 1/220.
4 – بدر الدين الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 2/185.
5 – ناجي، ص. 91.
6 – ناجي التباب، المثل الشعبي: عراقة الحديث وحداثة العريق: دراسة تحليلية في أصول المثل الشعبي العربي ومصادره وقيمته ووظائفه في الحياة والأدب، صفاقس، تونس، مطبعة التسفير الفني، ط. 1، 2008، صص. 88-89.
7 – J. Pineaux, Proverbes et dictons français, Paris, ed. PUF, 1973, p. 6.
8 – A. Dundes, The study of folklore, Engle wood cleff, 1965, p. 15.
______

* ورقة ألقيت في ندوة “الأمثال الشعبية” ونظمتها لجنة التراث غير المادي بالجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس ممثلة في قسم اللغة العربية.

د.أحمد يوسف

إلى الأعلى