الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / في كتاب “الأسطورة فى الأدب اليوناني والروماني” صراع حضاري خفي بين ملامحها ونصوص التاريخ

في كتاب “الأسطورة فى الأدب اليوناني والروماني” صراع حضاري خفي بين ملامحها ونصوص التاريخ

* الحكايات الأسطورية تحمل عبق الحضارات منذ القدم

عرض ـ حسام محمود :
يتناول كتاب ” الأسطورة فى الأدب اليوناني والروماني” للمؤلف الدكتور فؤاد شرقاوي للناشر مؤسسة الحضرى للطباعة والنشر بمصر ويقع في 146 صفحة الأسطورة بتفاصيلها الدقيقة حيث يعرّف الكتاب كلمة الأسطورة هى من فعل سطر أي كتب، والسطر هو الخط أو الكتابة، وقد ورد تعريف مفصل لهذا الفعل ومشتقاته فى لسان العرب. وفى تاج العروس أورد الزبيدي عن الأسطورة ما معناه هو يسطر ما لا أصل له أي يؤلف، أما الخرافة فلها مدلول خاص قيل فى بعض الروايات أن خرافة اسم رجل استهوته الجن فأقام بينهم ثم عاد إلى قومه فأخذ يحدثهم بالأحاديث الغريبة وهم متعجبون. ومنها اشتق الناس الخرافة والخرافات لكل ما لا يمكن تصديقه أو لكل خبر مبالغ فيه. والأسطورة تختلف عن الخرافة فى أنها ترتبط بصورة أو بأخرى بالواقع الانسانى، فالاسطورة أسلوب فى المعرفة والكشف والتواصل للحقائق، ووضع نظام مفهوم ومعقول للوجود يقنع به الانسان، ويجد مكانه الحقيقي ضمنه ودوره الفعال فيه .
نسيج الخيال
الأسطورة عبارة عن حكاية أو قصة أو رواية أو ملحمة تتضمن الأفكار الواقعية أو التخيلات الوهمية معا، وقد تطرق عدد من الفلاسفة المعاصرين إلى تقدير خطورتها فرأى البعض أنها إحدى الصور الحضارية، فى حين رأى آخرون أنها ضرورية لإضفاء معنى على الوجود الإنسانى، وعدها بعض العلماء النفسيين عند تحليله لها عملا عظيما، وفنا رائعا لا يقاس بالاستعداد فقط بل بموهبة فذة غير عادية ، والأسطورة حكاية تنتقل بواسطة الرواية، وتدور حول المعبودات والأحداث الخارقة، وثمة علاقة بينها وبين الدين، وكثيرا ما تشرح ظواهر الكون والمجتمع بمنطق العقل البدائي، وهى إذن صورة من صور الابداع الشعبى تنعكس على الحياة بفرض شخصيات أبطالها، فهى تعكس حياة القدماء وعاداتهم وأفكارهم. وليس ثمة شعب مهما كان لا يملك الأساطير الخاصة خاصة الشعبية التى تعتبر صورة قريبة من الحقيقة والواقع ، ومرآة تعكس أخلاقه وتقاليده وآدابه وفنه. وباختصار هى عنوان حضارته المادية والروحية. ولقد وجد الادب والفن والشعر فى الأسطورة ينبوعا حيا ومصدرا غنيا فاستعاروا منها الشىء الكثير من الصور الفنية او الفكرية أو اعادوا صياغتها بما يلائم الموضوعات التى يتصدون لها حتى وجدنا أعمالا استفادت من الأسطورة شكلا ومضمونا. ولعل أهمية الاسطورة فى أي أدب أو ثقافة تكمن فى أنها بصورة خاصة وليدة الخيال المبدع . فكثير من الصور الخرافية والتخيلات الأسطورية تحولت بفضل العقل والعلم إلى حقائق وقوانين موضوعية ثابتة. إن الأسطورة لدى اليونانيين والرومان بهذا المفهوم هى بداية تاريخ الفكر والثقافة من مضمون يفوق الخيال، بل وذهب بعضهم إلى كونها أصل الفن والدين والتاريخ والعلوم . وقد تعرضت الأسطورة للنقد منذ فجر الحضارة وظهرت لها دراسات مستفيضة تبحث عن مكنوناتها، فقديما انبرى لدراسة الأسطورة ونقدها مجموعة لا بأس بها من المفكرين والفلاسفة الإغريق واليونان والرومان، وتعددت وجهات النظر حولها، ومن هؤلاء الكتاب الإغريق ثياجينيس وفريكيديس ويوهيميروس، وبل وشرعوا فى وضع نظريات للأسطورة أفرزت الكثير من المعتقدات التى وصلت لحد يفوق الخيال . ويمكن القول أن التاريخ هو وسيلة حديثة نسبيا للتعبير عن الأنشطة الانسانية فى هذا الشأن . فإذا كانت الأسطورة هى وسيلة البشر للتعبير عن حضاراتهم ونفوذهم وتقدمهم أو تخلفهم، فذهب البعض من الخبراء للتأكيد أن الفكر الأسطوري عند الحضارات ومنها اليونان والإغريق والرومان هو وليد الخيال الذى وصل لحد صياغة انماط من المعتقدات الثقافية والعقائدية بل والدينية ، فبعض آلهة الحضارات القديمة استوحيت من خيال اسطوري لحكايات حول بشر أو كائنات أو من خلال طبيعة الكون وتفاعلاتها ، فالاسطورة كانت ولا تزال احدى ركائز الفكر والخيال .
فكر أسطوري
تساعد المصادر التاريخية والنصوص والآثار على التعمق فى المادة الأسطورية . وهناك سؤال انبرى إلى معالجته الفلاسفة منذ حضارات اليونان والإغريق والرومان حول البحث عن الصراع الخفي بين التاريخ والحضارة والابداع والاسطورة، فثمة علاقات متشابكة تربط هذه المعاني الأساسية فى تكوين الفكر البشري بانعكاساتها على الحياة ، وقدرة البشر على التدوين للنصوص المكتوبة والخيال فى رسومات وآثار شعبية وحضارية لعبت دورا بارزا فى ترك ميراث وفير التأثير فى خيال المبدعين ومعتقدات العامة من الناس فى مشارق الأرض ومغاربها . ولعل السبب فى عدم القدرة على حسم هذا التساؤل لصالح الاسطورة أو التاريخ عبر بوابات الحضارات والابداع والمخترعات يرجع إلى تشابه وظيفة وطبيعة كليهما ، مما أدى إلى خلق علاقة ثنائية بين الطرفين ، فيبدو وكأنهما وجهان لعملة واحدة . كما أن هناك تشابها آخر بين التاريخ والأسطورة يتعلق بطبيعة كليهما، فالتاريخ فى حقيقة الأمر ليس كله وصفا واقعيا للحقيقة أو الحادثة فبعضه غامض كالاساطير ، كما ان الأسطورة ليست كلها خيالا بل بعض حكاياتها تاريخية. ولكن هناك علاقة ثنائية بين الأسطورة والتاريخ تسمح ببعض الخيال فى الوصف التاريخى ، كما تسمح ببعض الواقعية فى الوصف الأسطورى . وقد انبرى فلاسفة الحضارات الاغريقية واليونانية والرومانية فى وصف الأساطير من منطلق سعيهم إلى الحرية وتحقيق أحلامهم ورفض الظلم والتصدي للجبابرة ، وذلك أيضا من منطلق قدرة الحق الخارقة على نصرة الخير ضد أطماع الشر، والتصدي لفئات الأشرار لتدور الكثير من الحكايات الأسطورية التى كان ولا زال أبطالها يمثلون المثل العليا لأصحاب العقول ، بل والمفكرين وصولا إلى عامة الناس من الذين يبحثون عن دور فى الحياة يثبتون به ذاتهم ويتقدمون بفكر واع مبدع.

إلى الأعلى