الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سيرينا .. ومن الحب ما قتل
سيرينا .. ومن الحب ما قتل

سيرينا .. ومن الحب ما قتل

يقول عبدالملك بن قريب بن أصمع الباهلي، أحد أئمة الشعر العربي المعروف بالأصمعي ، في إحدى زياراته اليومية للبادية، حيث جذب انتباهه حجر مكتوب عليه : “أيا معشر العشاق بالله خبروا .. إذا حل عشق بالفتى كيف يصنعُ”
فرد عليه الأصمعي على نفس الحجر: “يداري هواه ثم يكتم سره .. ويخشع في كل الأمور ويخضعُ”
في اليوم التالي عاد الأصمعي ليجد بيتاً آخر من الشعر تحت إجابته يتساءل : “وكيف يداري والهوى قاتل الفتى .. وفي كل يوم قلبه يتقطعُ” فكتب الأصمعي نصيحته في البيت التالي: “إذا لم يجد صبراً لكتمان سره .. فليس له شيء سوى الموت ينفعُ”.
في اليوم الثالث فوجئ الأصمعي بشابٍ ميتٍ بالقرب من الحجر الذي كتب عليه :
“سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا .. سلامي إلى من كان بالوصل يمنعُ”.
منذ ذلك الوقت تم إطلاق مقولة (ومن الحب ما قتل) على كل عاشق ، لا يتوانى عن قتل نفسه للتأكيد على صحة حبه.
هوليوود بدورها لم تترك تلك المسائل عن الحب والتضحيات الا وعالجتها في عشرات الأعمال، وغالبا مايقتبس صناع السينما تلك المآسي عن الحب ومايحويه من تضحيات كالقتل من شدة الغيرة وما الى ذلك ، من روايات عالمية ، كما حدث مع الدنماركية سوزان بيير التى اقتبست رواية شريطها الدرامي الاسود بتصرف من رواية للاميركي لرون راش تحمل نفس الاسم.
سيرينا (Serena) : هو فيلم دراما أميركي ، من إخراج سوزان بيير التي حصلت على ترشيحين لجائزة الأوسكار كأحسن فيلم أجنبي لاثنين من أفلامها المحلية وحصدت عن أحدهما ” In a Better World ” الجائزة بالفعل سنة 2010.
الفيلم من بطولة برادلي كوبر وجنيفر لورانس، الثنائي الرائع الذي رشّح للاوسكار عن كل من شريطي” Silver Linings Playbook ” أو المعالجة بالسعادة عام 2013 (فازت لورنس بالجائزة) و” American Hustle ” أو الكفاح الاميركي عام 2014 والذي حازت فيه ايضا لورانس على جائزة افضل ممثلة في دور ثانوي.
يجسد كوبر دور ” جورج بيمبرتون ” تاجر الاخشاب ، بدورها لورانس تقوم بدور زوجته الفاتنة ” سيرينا” .
أداءات حتماً لا تحتاج الى ايّ شهادة وخصوصاً ان الثنائي كوبر ولورانس سبق وأثبتا موهبتهما ومدى نجاح الكيمياء والتفاعل بينهما. حيث تقوم جنيفر لورانس بدور بارع يثير القشعريرة في اجسادنا ، شخصية معقدة سبق ومرّت بتجارب صعبة.
دراما صلبة على خلفية صناعة الاخشاب في زمن الازمة الاقتصادية العالمية ” الكساد الكبير ” التي عصفت بالولايات المتحدة الأميركية ، عام 1929 وامتدت منها إلى باقي البلدان الرأسمالية والمستعمرات ، وهي تعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين ، حتى انها يضرب بها المثل لما قد يحدث في القرن الواحد والعشرين وما مدى سوء الأزمة التي قد تحدث.
موضوع غير معالج كثيراً في السينما، إخراج سينمائي ثري بالمشاهد عالية الجودة، التصوير بدوره خلاب وسط ديكورات طبيعية ساحرة وادارة فنية جميلة.
وبرغم اننا أمام فيلم يمتلك جميع مقومات النجاح التي يتطلبها أي عمل لحصد الملايين من شبابيك التذاكر، وضمان تلقيه لمراجعات إيجابية من النقاد وجني عدة جوائز من المهرجانات ، الا ان الشريط سقط سقطة مدوية في دور العرض، وذلك بسبب ما يحويه من صعوبة في التصاعد الدرامي المقنع وخصوصاً انه يدور حول علاقة الزوجين، ورغم ذلك كل شيء يتم بلمح البصر بينهما، فنحن لا نراهما معاً كثيراً على الشاشة، إذ أن كلا منهما مشغول بعمله، وكان الافضل لو ركز السيناريو عليهما معاً اكثر. اضف الى ذلك التسرّع في أحداثه وغياب التفاصيل عن الشخصيات التي بدت مختصرة، وسطحية في المعالجة.

……………………………..

شراكة وطموح

يصل جورج مع عروسه الجميلة سيرينا ، الى غابات جبال سموكي بكارولينا الشمالية ، حيث مقر عمله .
سيرينا المرأة الغامضة التي تخفي ملامح جروح نفسية عميقة تسببت بها مأساة عائلية. حيث فقدت إخوتها الصغار إثر حريق نشب في مخيم التحطيب الذي كان يمتلكه والدها لتنجو وتصير وحيدة في هذه الحياة ، وهو مايجعلها مستعدة لازالة كل شيء في حياة جورج قد يعرقل وصولها الى طموحها من سلطة وحب. كل شيء حتى الاشخاص .
سرعان ماتفرض سيرينا نفسها شريكة لا يستهان بها داخل مخيم العمل ، الامر الذي يثير حفيظة اغلب الرجال وعلى رأسهم بيكانون، شريك جورج وذراعه الايمن ، الذي يشعر بالغيرة لتواجدها بينهم .
تحيط بالزوجين العديد من المشاكل، فمنذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدما سيرينا المدينة بصحبة زوجها ، كانت بانتظارهما ” راشيل” ، الفتاة الفقيرة المحلية التي تحمل في بطنها طفلا غير شرعي لجورج . وعند محاولته شرح الأمور لها، استوقفته سيرينا بأنها لا تريد أن تعلم شيئًا عن الأمر؛ اعتبارًا منها أن أي شيء حدث قبل لقائهما كأنه غير موجود. يواجه الزوجان ايضا حربا ضارية مع مسؤول الامن في المنطقة الشريف مادويل ، الذي يسعى لبناء مشروع للتنزه على اراضي منطقة عملهما ، ولكن جورج يستمر في كسب دعم الناس الذين يعانون من سوء الأحوال الإقتصادية ابان الازمة الكبرى ، التى سببت تكدس البضائع في الولايات المتحدة وتراكم الديون وافلاس الكثير من المعامل والمصانع وتم تسريح العمال وانتشرت البطالة وضعفت القوة الشرائية وتفاقمت حينها المشاكل الاجتماعية والأخلاقية. فيما يقدم بيكانون رشاوي للمسؤولين من الكونغرس للوقوف بجانبهم .
ومع مرور الوقت تتملك الغيرة من بيكانون ، الذي يقرر التعاون مع الشريف مادويل ضد جورج ، حيث يهدد صديقه بفضحه بشأن الرشاوي ، اذا لم يبيع الارض الى الشريف ، وقتها يقرر جورج بتحريض من سيرينا ، التخلص من بيكانون خلال نزهة صيد .

……………………………..

انهيار

يصيب الاكتئاب سيرينا وتقع ضحية الاضطراب النفسي، بعد ان تفقد طفلها وتفقد معه فرصتها في الحمل ثانية أبدًا، في حين وضعت راشيل طفلها جاكوب وعادت للعمل من جديد عند جورج ، وهو مايحرك مشاعر الغيرة القاتلة في سيرينا ، التى تزداد في كل مرة ترى فيها راشيل وابنها .
على الرغم من حبه الجم لزوجته وإعطائها دمه عندما شارفت على الموت إثر النزيف الذي صاحب انتهاء حملها، إلا أنه بعد علمه بعدم استطاعتها لحمل طفله مرة أخرى، وبرؤيته لجاكوب الصغير؛ لم يستطع جورج ، إلا أن يمد يد العون بالمال لراشيل لإعالة الطفل ، فتقرر سيرينا بعد علمها بذلك الامر ان تتخلص منهما بمساعدة احد العمال عندها ، وذلك بدافع تحرير زوجها من حب آخر بات ينافسها على قلبه ، واعتقادا منها ان ذلك سوف يساعدها في تحسين علاقتها بزوجها ، التى وصلت الى مستوى متطرف.
في نهاية الامر ينقذ جورج طفله وراشيل، واثناء عودته سيرا داخل الغابات ، ينقض عليه نمر بري ويقتله ، فيما تقرر سيرينا الانتحار حرقا ، بعد ان تنهار طوحها وتفقد كل شيء من حولها .
” سيرينا ” فيلم عميق ، ولكنه كان من الممكن ان يخرج بصورة افضل مما عليه اذا اهتم ببعض التفاصيل اكثر ، وأهمها الاحساس بالتوتر والخطر، الذي غاب عن الشريط ، باستثناء بعض المشاهد المنفذة بشكل جيد ومشحون بالنفس المقطوع ، تمر معظم مشاهد الفيلم بشكل باهت وطويل، حتى في المواقف الصعبة. وهنا قد يكون التقطيع الرتيب هو السبب فهو لا يتغيّر طوال العرض، ومثله الايقاع الذي يحافظ على الوتيرة عينها محوّلاً الموقف الخطير محطة عادية.
التمثيل كان أفضل ما في الشريط بلا أدنى شك، بل إني أجد أداء جنيفر لورانس من أفضل ما قدمت على الإطلاق. فعلى الرغم من تراخي نسج خيوط الشخصية ، إلا أنها أدت دور سيرينا مثلما يقول النص؛ فبدت في النصف الأول جميلة قوية مفعمة بحب الحياة، وبدت في النصف الثاني باهتة، شاردة، مليئة بالمرارة.

رؤية: طارق علي سرحان
mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى