الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية : التحديات والحلول (2-3)

مستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية : التحديات والحلول (2-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. تعد المشاركة السياسية وفتح منافذ تبادل الآراء والأفكار ووجهات النظر بين المؤسسة الرئاسية الحاكمة والجماهير والشعوب من ابرز الأسباب التي تعزز من الثقة السياسية بمختلف جوانبها وتوجهاتها سواء كانت الثقة بالحاكم او بالنظام السياسي ككل بدءا بالدستور والقوانين, ومرورا بالمؤسسات والمسؤولين وليس انتهاء بكل ما يتعلق بالمواطن في دولته”
ــــــــــــــ
طرحنا في الشق الأول من هذه الدراسة الأسئلة التالية : ما هي أهم التحديات الأمنية الداخلية التي تواجه وبمعنى آخر تشكل التهديد والتحدي الأبرز لأنظمة الخليج العربية بوجه خاص وجغرافيا دول منطقة الخليج العربية وشعوبها بوجه عام في الوقت القائم والقادم , وما المعالجات والحلول الممكنة او حتى المتوفرة والتي يمكن ان توجه لاحتواء او على اقل تقدير التقليل من الآثار السلبية والانعكاسات والمخاطر المحتملة لمعارك سياسية وثقافية واقتصادية لابد لنا من خوضها في المستقبل , وعلى رأسها بل وأهمها على الإطلاق هي معركة الاستقرار السياسي والأمني لمنطقة الخليج العربية وشعوبها وأنظمتها السياسية الحاكمة , في ظل وجود تلك التحديات والعقبات الداخلية في عالم متغير وغير ثابت وسريع التقلبات والتحولات والتدخلات العابرة للقارات ؟
وبداية نؤكد على ان الاستقرار السياسي لتلك الأنظمة ما هو الا محصلة لادائها في ( مجالات الشرعية السياسية والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وقدرة مؤسسات النظام السياسي على الاستجابة للمتغيرات المحيطة بالبيئة المحلية، والبيئة الخارجية ، من خلال التغيير التدريجي ، والمنظم الذي يساهم في حفظ النظام من اهتزاز شرعيته ، وتدني فعاليته ) (6) و( يتميز بالمرونة النسبية ، وتشير إلى قدرة النظام على توظيف مؤسساته الرسمية ، واحتواء الصراعات التي قد تحدث دون استخدام العنف السياسي إلا في أضيق نطاق)
ولو نظرنا الى صيغة الأسئلة السابقة لوجدنا بكل تأكيد طيفا واسعا من التحديات والعقبات وكذلك الحلول والمعالجات والإجابات الخاصة بها, منها ما هو تكتيكي وآخر استراتيجي, ولكننا قمنا باختصار كل ذلك في نقاط وجدنا من وجهة نظرنا أنها أكثر شمولية وأوسع رؤية في هذا السياق ـ وأقصد ـ من جهة الحلول المتوفرة والممكن تحقيقها بهدف التقليل من الآثار السلبية والانعكاسات الخطيرة لمعركة الأمن والاستقرار على رقعة الشطرنج الخليجية خلال السنوات المقبلة, والتي بدورها تهدد استقرار وبقاء أنظمتها السياسية الحاكمة بمأمن عن تلك المتغيرات والتقلبات, وكذلك من خلال محاولة تضييق دائرة التحديات والعقبات والتهديدات الداخلية التي ما زالت ترزح تحت وطأتها دول الخليج العربي بحسب العديد من الباحثين والمهتمين المتخصصين بالشأن الخليجي, ومن أبرز تلك التحديات والعقبات التي تهدد استقرار الأنظمة الخليجية التالي:
أولا : النظرة الجماهيرية والشعبية لشرعية الأنظمة الخليجية: فكما هو معروف بان جميع الأنظمة السياسية الخليجية الحاكمة باختلاف مسمياتها وبنائها السياسي هي أنظمة وراثية ,وتكمن المشكلة والتحدي الأكبر لها ولوجودها من هذه الناحية في مدى قدرتها على استمرار كسب شرعية ورضا وقبول وولاء الجماهير او الشعوب لها مع التقادم التاريخي, خصوصا مع تبدل وتغير الأجيال من الطرفين, وكذلك مع تقادم وعي ونماذج تفكير الجيل الراهن من الشباب الخليجي الذي تحكمه تلك الأنظمة, ونظرتهم الى أحقية وجدارة وشرعية السلطة السياسية التي تحكمهم, ومدى قبولهم لسياسات تلك الأنظمة الوراثية.
حيث تعتبر شرعية النظام السياسي من الدعائم الأساسية للاستقرار السياسي, وهذا الأخير يعد بدوره من دلائل الشرعية السياسية, وهناك عدة اتجاهات في تعريف الشرعية السياسية: قانوني, سياسي, ديني, والذي يهمنا هو الاتجاه السياسي, الذي يعرف الشرعية السياسية بأنها: ( تبرير السلطة الحاكمة من منطق الإرادة الجماعية”. بمعنى أن النظام السياسي يكتسب شرعيته من خلال تحقيق مصالح الشعب وصيانة استقلال البلاد وحماية الحقوق…. وتظهر هذه الشرعية من خلال تقبل أفراد الشعب للنظام وخضوعهم له طواعية).
حيث إنه من المعروف أن الأنظمة الخليجية قد بنت شرعيتها ومشروعيتها منذ قيامها وتأسيسها على ( ثقافة سياسية قائمة على قيم الطاعة والولاء, استنادا الى قراءة في التراث الديني, ما من شأنه دعم أسس الشرعية لهذه الأنظمة في ظل مكانة عليا احتلها العلماء والفقهاء – وكذلك النظرة الأبوية التقليدية للحاكم – وعلى رفاه اجتماعي من خلال الخدمات الاجتماعية التي تسيدها الدولة, وان كان كذلك لا يتناسب مع وفرة ريعية مداخيل الدولة , ولا يتم وفق استراتيجية أولويات).
ثانيا: التحديات الاقتصادية: حيث تعد التحديات الاقتصادية واحدة من ابرز واهم الأسباب التي تقض مضاجع الطرفين, الأنظمة السياسية الحاكمة من جهة والشعوب المحكومة من جهة أخرى, في ظل تذبذب أسعار النفط بين تراجع كبير وآخر خطير, وتحكم هذا الأخير بدخل الفرد ومستوى معيشته ومصدر حياة مؤسسات الدولة في منطقة تعتمد بشكل كبير في حياتها ومصدر وجودها السياسي على ريع الموارد النفطية والثروات الطبيعية في بناء الاقتصاد والتنمية البشرية والعمرانية, ما يجعل نفادها الحتمي كارثة عظمى على المنطقة وأنظمتها السياسية في حال لم تتمكن هذه الأخيرة من البحث عن بدائل لذلك , إذ ينظر إلى الاستقرار الاقتصادي على أنه مؤشر عام من مؤشرات الاستقرار السياسي في كل المجتمعات, فعندما يكون النظام السياسي مستقراً, فإنه يوجه سياساته الاقتصادية نحو أهداف التنمية, وهذه السياسات التنموية التي ترفع مستوى المعيشة والرفاهية للأفراد, توجد نوعاً من الطمأنينة والرضا الشعبي تجاه النظام السياسي.
وحيثما حاز مجتمع ما اقتصادا قويا ومتوسعا, شعر الناس فيه بالأمن وبإحساس بالرفاهية والرحابة وتوفر فرص العمل وإمكانية التطور والتقدم الى الأمام, سيكون هذا المجتمع واثقا من نفسه, فهو مجتمع لا يسيطر الشك على أفراده, فالاقتصاد القوي يجعل الناس يحسون بان الأمل موجود أمامهم, وأتصور ان الأمل هو شرط حيوي ومحفز قوي يدفع الناس لاحترام القانون, أما حين يفقد الأمل فان الشك يبدأ بالتغلغل الى النفوس والأفكار, وحيث يتواجد الشك ينتشر الخوف, وبكل تأكيد فان الخوف والشعور بالقلق من الناحية الاقتصادية من أهم أسباب التحايل على القوانين والسعي لاختراقها, فالفرد منا حين يشعر بأنه مهدد من الناحية المادية والمعيشية يبدأ بالبحث عن وسائل أخرى للوصول الى هدفه الذي حالت الظروف الاقتصادية او بعض القوانين دون الوصول إليه.
وهو ما يؤكده هارولد لاسكي في كتابه – الحرية في الدول الحديثة – في قوله:( انه حين يبدأ اقتصاد المجتمع بالانكماش, حينئذ تكون الحرية في خطر, فالتقلصات الاقتصادية دائما تعني الخوف, والخوف يولد الشك باستمرار, – وهو ما يجعل أفراد المجتمع – أكثر استعدادا للسماع الى الأصوات الجديدة, وأنهم في الغالب يطالبون بتغييرات جديدة , وفي هذه الحالة لا تستطيع الدولة الاحتفاظ بسلطتها لذلك تلجأ إما الى القمع الداخلي او الحرب مع الدول الأخرى).
هكذا نفهم أن ( هناك علاقة تناسب عكسية بين التنمية الاقتصادية والعنف, أي كلما تزايدت مظاهر الاصلاح الاقتصادي, انحسرت مظاهر العنف السياسي ومعدلاته, بمعنى أن العنف ينخفض في النظم السياسية التي تعتمد الحداثة والإصلاح نظرا لوجود مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية وسيطة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم , وتضبط ظاهرة الحراك الاجتماعي).
ثالثا: ضعف المشاركة السياسية وتراجع الثقة الجماهيرية: ان وعي الشعوب ونظرتها الى ما يدور حولها من تحولات وتغيرات وفلسفات قد تغيرت كثيرا نتيجة العديد من الظروف والعوامل الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية العابرة للقارات, لذا بات من الضروري ان يحدث تغيير مشابه وبشكل متوازي في ثقافة ووعي نماذج تفكير القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية التي تدير شؤون الجماهير, وبطريقة تستوعب فيه ذلك التطور الهائل والتغيير العميق في الوعي الجماهيري, وتعتبر المشاركة السياسية أحد مقاييس ارتفاع الوعي الرسمي وثقافة النظام الحاكم من جهة والحكم على النظام بالاستقرار السياسي من حيث تطبيق قواعد الديمقراطية في الحكم من جهة أخرى, ( وهي الحالة التي يتوافر للأفراد فيها القنوات الرسمية للتعبير عن آرائهم في القضايا الوطنية واختيار النواب والممثلين في المجالس النيابية والمحلية. بذلك تصبح المشاركة الشعبية وسيلة لتحقيق الاستقرار الداخلي وتدعيم شريعة السلطة السياسية).
فتطور وعي الجماهير وثقافتهم ونظرتهم الى المحيط الخارجي الجديد, وارتفاع نسبة المتعلمين بينهم وتوسع ثقافتهم الالكترونية واطلاعهم على ما يحدث خارج بيئتهم ومحيطهم الداخلي, وقدرتهم على المشاركة والتأثير على تلك الأحداث, وتأثرهم بها كذلك سلبا او إيجابا, يفرض بالضرورة الحتمية والإلزامية تطور وعي القيادات ومؤسسات الدولة, وإلا تفاقمت الخلافات السياسية والمشاققات الثقافية واتسعت هوة التجاذبات وسوء الفهم وفقدان الثقة وارتفاع نسبة الحنق والامتعاض بين الطرفين, فلا يمكن بحال من الأحوال ان تبقى نماذج وعي وتفكير وثقافة القيادات والمسئولين في أي دولة في القرن الحادي والعشرين على ما هي عليه بوعي وثقافة وفكر الستينيات والسبعينيات او حتى القرن العشرين بأكمله.
وتعد المشاركة السياسية وفتح منافذ تبادل الآراء والأفكار ووجهات النظر بين المؤسسة الرئاسية الحاكمة والجماهير والشعوب من ابرز الأسباب التي تعزز من الثقة السياسية بمختلف جوانبها وتوجهاتها سواء كانت الثقة بالحاكم او بالنظام السياسي ككل بدءا بالدستور والقوانين, ومرورا بالمؤسسات والمسؤولين وليس انتهاء بكل ما يتعلق بالمواطن في دولته, لذا ستبقى الثقة السياسية ومن قبلها المشاركة السياسية من ابرز عوامل استمرار الأمن والاستقرار والطمأنينة في أي وطن, وأهم ركائز التنمية والديمقراطية والوفاق بين أطراف الإنتاج والعمل الوطني في أمة.
أما تراجعها او ضعفها فسيؤدي مع الوقت الى ( حالة من العداء تجاه القادة السياسيين والاجتماعيين ومؤسسات الحكم والنظام الحاكم، والتي تعبر عن حالة من سخط الرأي العام تجاه النظام بسبب فشل الحكومة في “تلبية احتياجات” أو “تلبية توقعات” المواطنين الأمر الذي يؤدي إلي تآكل الشرعية السياسية، كما أوضحت بعض الأدبيات أن غياب الثقة السياسية بين أعضاء العمل السياسي مؤشر علي تشبع النخبة الحاكمة بثقافة الاصطفاء السياسي، ونفي الآخر واستبعاده, وهي التقييم السلبي للسياسات العامة من قبل المواطنين الذين يرون تناقضاً بين المأمول والواقع، حيث يثق المواطنون في الحكومة عندما يشعرون بأنها تعالج القضايا بكفاءة، ويفقدون الثقة فيها عندما يشعرون بأنها مسئولة عن الاتجاهات غير المرغوب فيها).

إلى الأعلى