السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. تدويل مسابقة السلطان قابوس لحفظ القرآن الكريم (رسالة الاعتدال لدولة السلام )

العين الثالثة .. تدويل مسابقة السلطان قابوس لحفظ القرآن الكريم (رسالة الاعتدال لدولة السلام )

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

من المسلمات التي ينبغي أن تطرح الآن، مسألة تطوير مسابقة السلطان قابوس لحفظ القرآن الكريم، ولماذا الآن؟ وذلك لأنها سوف تدخل قريبا يوبيلها الفضي (25) عاما، ستدخله في ظروف إقليمية وعالمية متغيرة، وفي ظل تحولات فكرية غير مسبوقة، صحيح هى أي المسابقة في تطور متواصل، لكن الأصح ان التطور المنشود ينبغي أن يتجه نحو مسارات داخلية وخارجية أكثر عمقا وأكبر عرضا لإدارة اكراهات سياسية داخلية وخارجية من منظور ديني في تواز وتناغم مع تحول بلادنا الى وجهة سلام عالمية، ومواكبة لفكرها السياسي المتعايش مع الآخر كما هو، لا كما يجب أن يكون مع فكرها، وهذا ما يميز بلادنا في علاقاتها الخارجية، وهذا ما يجعلها مقبولة عند الآخرين في ظل رفض الآخرين لمبدأ قبول بعضهم البعض، فكيف ينبغي أن نعزز مسار السلام لبلادنا ونشر أهم مبدأ من مبادئها الوجودية، وهو قبول الاخر كما هو ،، يعتقد ـ من خلال مسابقة القرآن الكريم ؟
انطلقت هذه المسابقة في شهر رمضان المبارك سنة (1413هـ الموافق 1992م) وهى مسابقة محلية سنوية قد جاءت بتوجيه ودعم مادي ومعنوي ساميين لتحقيق أهداف كبرى، هى معلومة من عنوانها، وإذا ما أردنا أن نستنطق أبرزها بصوت مرتفع، فإنه من بين هذه الأهداف ايجاد جيل قرآني – حفظا وتلاوة – لكتاب الله عز وجل، فعبر ربع القرن، شجعت المسابقة الحفظة، وأوجدت آخرين على مستوى الولايات ومن ثم المحافظات وأخيرا على مستوى الوطن، يتنافسون على شرف من هو الأفضل حفظا وتجويدا، ومن سوف يسجل اسمه في سجله الأخروي هذا الشرف العظيم ؟ وفي خضم هذا التنافس يتعمق التعارف بين الحفظة وتعزز اواصر تواصلهم واتصالاتهم فيما بينهم دون أن تشطرهم مذهبية أم مناطقية أو حتى ترفض قبول بعضهم البعض في إطار هذا التنافس، وهذا جوهر المسابقة، أو ينبغي أن يكون كذلك وفق استقرائنا لفكر صاحب المبادرة وداعمها المالي، فكر قد أصبح مدركا بالحواس الخمس داخليا وخارجيا، إذن، كم نسبة مئوية قد حققنا من تلك الاهداف الجامعة للكل؟ من هذا التساؤل ينبغي أن ننطلق للتطوير من منظورين مهمين، الاول، الحفاظ على أهدافها الداخلية دون الغائها من عملية التطوير المنشودة، ونخص بالذكر اثنين هما، حث العمانيين على كتاب الله جل وعلا، حفظاً وفهمًا وأداءً وتدبرًا، وإذكاء روح المنافسة الإيمانية الشريفة بين حفظة كتاب الله بعيدا عن الاصطفافات المذهبية والتعصب لها، وهذا سيؤدي في النهاية الى صناعة جيل قرآني حاملا كتاب الله عز وجل، ويكون داعيا للخير وعنصرا فاعلا في مجتمعه بصرف النظر عن مذهبه، والمنظور الثاني، انفتاح خيرية الفكر الانساني الاسلامي العماني على الكونية دون استثناء خدمة لدستور الامة الذي يجمع عليه كل المسلمين مهما كانت مذاهبهم وألوانهم السياسية، من هنا، نرى من الاهمية بمكان أن تتطور المسابقة وفق مسارين متعاقبين سنويا، مثلما ما هو حاصل في جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب مع الاخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه المسابقة، بحيث تكون سنة داخلية خالصة، يقتصر المتسابقون فيها على العمانيين فقط، لكن بعد تطوير التجربة الحالية بحيث تتدرج المسابقة من الابعاد المحلية بكل جهوياتها – حفظة ولجنة – ومن ثم تنتقل الى صعيد الوطنية الجامعة لهذه المسابقة بعد أن تكون الجهويات قد صفت نفسها بنفسها، واختارت افضلها حفظة وتجويدا، ودفعت بهم الى المسابقة الوطنية الجامعة لكل مخرجات المسابقات الجهوية على أن تكون لجنة الحكم أو التقييم مشكلة من لجان المسابقات الجهوية بكل اطيافها الفكرية دون استثناء، بينما تكون السنة التالية دولية مفتوحة لكل حفظة كتاب الله مهما كانت جنسياتهم واهوائهم المذهبية وذلك بهدف ربط الأمة بالقرآن الكريم مصدر عزها وسعادتها في الدنيا والآخرة ووحدتها كذلك، بالإضافة إلى إبراز عناية السلطنة بكتاب الله تعالى والاهتمام بحفظه وتلاوته وتجويده، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لا يتجاوز سن المتسابق عن (25) عاما، ويحمل جنسية البلد الذي يمثله، وأن لا يكون المتسابق من مشاهير القراء في العالم الإسلامي، وكل شرط من هذه الشروط لها دلالة وخلفية واضحة ومعلومة.. وكل ذلك ينبغي أن يحدث خلال شهر رمضان المبارك استمرارا لنهج المسابقة المبارك، فقد ارتبطت المسابقة بشهر الحسنات في انطلاقتها الاولى وفي كل مروراتها السنوية المتتالية حتى الان ، وهذا الارتباط المبارك ينبغي أن يتواصل حتى مع تدويلها.
ولنا أن نتصور المسابقة في ثنائيتها ،، المحلية والدولية ،، المتتاليتين؟ ولنا كذلك أن نستشرف نتائجها الايجابية على دولة السلام ،، سلطنة عمان ،، التي من خلالها ستصبح عاصمة لحفظة دستور الامة رغم اختلافاتهم المذهبية؟ وفي اي فترة زمنية؟ في شهر القرآن، شهر الحسنات ومضاعفتها، ما أجلها من حسنات ستنهال اضعافا مضاعفة في ميزان حسنات عاهل بلادنا ـ حفظه الله ـ والقائمين عليها، وكل من يقف داعما لها، وما أجلها من غاية اسلامية في ظرفية سياسية معقدة، تحتاج فعلا لجمع قراء القران الكريم من سنة واباضية وشيعية في مكان واحد ،، سلطنة عمان ،، مجمع عليها من الكل، وكفى بهذا المشهد من رسالة تخرج من هذه المسابقة من قبل دولة السلام، وكفى به تميزا وتمييزا عن بقية المسابقات في المنطقة، وكفى به حدثا يشغل العالم الاسلامي به طوال شهر الحسنات، وكفى به حدثا يشغل وسائل إعلامنا ويميزها عن نظيراتها في الشهر الفضيل، أنها رسالة الاعتدال ستخرج من دولة السلام بصوت مرتفع في تناغم وانسجام بل تعاضد ووئام منقطع النظير بين السياسة والدين، وهذا لن يحدث الا في دولة السلام التي ستصبح عندها عاصمة التسامح والتعايش بين المذاهب والقبول بالآخر مهما كان مختلفا ، وبلادنا فعلا مؤهلا لهذه القيادة الاسلامية العالمية ،، دينا وسياسة ،، كبنى فوقية، و،، مجتمعا وقيادة ،، كبني تحتية ،، وهذا يمكن تحقيقه من خلال تدويل مسابقة السلطان قابوس لحفظ القران الكريم خلال شهر رمضان المبارك، تفتح الأبواب فيها لكل حفظة دستور الامة مهما كانت مشاربهم المذهبية، لعل الله عز وجل أن يضع الاثر في هذا التجمع الاسلامي الواحد والمتحد في أركانه الاسلامية والايمانية المتعدد في جزئياته وطرقه الفرعية لجمع شمل الامة على الأركان المتفق عليها بالإجماع، وتحييد الفروع المختلف عليها، وهنا مسألة عقلانية نرى من الأهمية بمكان أن تعلو من شأنها دولة السلام عبر الممارسة وليس التنظير، فكيف ياعقلاء وياحكماء المسلمين يفرقكم الفرع بعد أن وحدكم الاصل؟ فهذا مهمة دولة السلام ،، سلطنة عمان ،، لجمع الكل على المتفق، ونجد أهم مؤشراته في التدويل دون أن يكون ذلك على حساب المسابقة في نسختها المحلية الخالصة ، فهل ستنهض بها بلادنا عاجلا؟
ملاحظة: اعتذر عن نشر مقالتي يوم الأربعاء، والأحد المقبل نظراً لتواجدي خارج البلاد.

إلى الأعلى