الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد..طفولة بثمن “شعر البنات”

ثلاثي الأبعاد..طفولة بثمن “شعر البنات”

في أحد نهارات الصيف الشديدة الحرارة حيث السراب يظهر في الطرقات، والشمس تلقي بحرارتها القاسية على رؤوس البشر، والأرض ترد هدية الشمس الحارقة لسطحها الترابي والمبخرة لسطحها المائي، خالقة جوا صيفيا بامتياز لا تتحمله أجساد البشر ولا تعوض عن نقص السوائل في تلك الأجساد ليترات الماء التي اعتادت أن تسد بها عطشها، ولا يمكن لواقي الشمس أن يحفظ البشرة وتغيير لونها ، إلا أن عليا ذا العشر السنوات كان يمشي حافي القدمين على طبقة الإسفلت عند مخرج محطة تعبئة الوقود، وقد تبللت دشداشتة الخضراء الداكنة بالعرق الذي أفرزه جسمه بعد أن أجبرته الحرارة على ذلك، ولونه المائل للسمار ارتدى اللون الأحمر الغامق والعرق يسقط من شعره الخفيف كقطرات المطر الخجولة التي يدعها تمشي على وجهه الطفولي حتى تصل للفم ويسد بها رمقه وإن كانت مالحة، كان “علي” يبتسم للبشر الذي يستمتعون بهواء المكيف البارد داخل سياراتهم متخذاً تلك الابتسامة وسيلة لتسويق غيمة السكر الوردية داخل أكياس البلاستيك والتي تسمى “كشة العجوز أو شعر البنات” مع اختلاف المسميات ، تلك الضحكة البريئة التي تصدر من جسد علي الممتلئ وفي تلك الظروف جعلتني أتوقف ليس شفقة عليه فقط ولا لأبتاع منه السكر بل لأستفسر عن السبب الذي جعل من الطفولة أداة لا إنسانية للتسويق ، وما أن أوقفت سيارتي حتى جاء يركض باتجاهي بكل فرح بعد أن كانت السيارات التي أمامي مرت عليه دون توقف. طلبت منه كيسين من “شعر البنات” فكان سعرها أربعمائة بيسة ، لم أدفع له وتركت المبلغ في يدي وعلي ينظر إليه خوفاً من أن أهرب دون أن أدفع له، وفي نفس الوقت كان يدخل رأسه إلى داخل السيارة ليستمتع بهواء المكيف حيث كانت الساعة الرابعة عصراً. سألته إن كان يود الدخول في السيارة ليستريح قليلاً بينما نتبادل الحديث لكنه رفض وكان خائفاً حتى أنه رفض أن يصرح باسمه قائلاً ماذا تريدين باسمي سميني ما شئتي من الأسماء فاخترت له اسم “علي” ، وبعد أن تبادلنا الحديث لمدة ربع ساعة تقريباً اكتشفت أن عليا يخرج من منزله كل يوم بعد أن يعود من المدرسة ليبدأ العمل في الشوارع من الساعة الثالثة ظهراً وحتى يبيع بضاعته بالكامل حيث يقوم شخص من إحدى الجنسيات العربية يسكن المعبيلة الصناعية كما ذكر لي علي ويملك حافلة لنقل الأطفال من نقطة تجمع في المنطقة التي يسكنونها ويوزعهم على المحطات ، ويسلمهم عددا من أكياس شعر البنات التي يقوم بتصنيعها في المكان الذي يسكنه ويأخذ فائدة من كل طفل عشرة ريالات في اليوم الواحد وما يتبقى يذهب لهم ، يقول علي: أنتِ محظوظة أن وجدتيني اليوم هنا فعادة لا أعمل في إجازة نهاية الأسبوع لأن عدد السيارات أقل مقارنة بأيام الأسبوع ، كما أني لا أتواجد هنا دائماً، لأن ذلك الشخص “مديرنا” الذي لا نعرف اسمه يبادل بيننا في المحطات حتى لا يكشف أمرنا. استوقفتني هذه الجملة فسألته عن أي أمر تقصد ؟! هل تقصد وجودك هنا خطأ؟! إذا كان كذلك إذن أنت تعلم أن هذا خطأ فلماذا تأتي إذن ؟! وبابتسامة بسيطة وكأنه رجل راشد قال: أحضر لأتسلى وأقبض المال ، كما أني لا أشعر بالخوف كالسابق ففي إحدى المرات أخذتني الشرطة للمركز وبعد التحقيق تم إطلاق صراحي وبعد فترة عُدت لأمارس عملي وكذلك “مديرنا” احتجز ليومين وبعدها عاد ليمارس عمله. تساءلت في نفسي هل هذا يعني أن عقوبة التسول وتشغيل الأطفال عقوبة غير رادعة ؟! أعتقد أنها كذلك ما دام أن هذا الطفل عاد ليزاول عمله وكذلك مجرم عمالة الأطفال الذي لم يتوقف عن جريمته التي يكسب منها الكثير.
بحسبة بسيطة فإن مجرم عمالة الأطفال إذا كان يأخذ في اليوم الواحد من كل طفل عشرة ريالات وعدد الأطفال لا يقل عن عشرة إذن هو يربح في اليوم مائة ريال وفي الشهر ثلاثة آلاف وفي السنة ستة وثلاثين ألفا ، سبب مقنع ومغر ليرجع ذلك الشخص وأمثاله ليمارس فعلته في استغلال الطفولة وتدميرها.
“علي” ضحية لأسرة لم تراعيه واستغلته ليكون مصدر دخل لها ، فجردته من الطفولة ومن الاهتمام ببناء مستقبله الدراسي، فهو لا يعرف أي شيء عن المدرسة بعد أن يخرج منها ، أسرة أنانية لا تراعي صحته فتتركه لشمس الصيف لتغيّر ملامحه وتأخذ من صحته ، فإذا كانت المؤسسات العمالية تنادي بضرورة إيقاف العمل فترة الظهيرة في فصل الصيف، فماذا عن “علي” ذي العشر سنوات؟! من سيطالب بحقه .. من سيحميه ؟! أي ذكريات ستحملها يا علي معك عندما تكبر إذا سألوك عن طفولتك؟ عن الألعاب التي كنت تلعبها؟ وأنت كبرت في طفولتك ، ماذا يخبئ المستقبل لك وأنت بدأت حياتك ضحية الاستغلال البشري الأناني الطماع .

خولة بنت سلطان الحوسنية
@sahaf03

إلى الأعلى