الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قوة شخصية المسلم

قوة شخصية المسلم

عن حذيفة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسّنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنّوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) (سنن الترمذي).
إن المسلم قوي الإرادة عزيز النفس راسخ العقيدة لا تزعزعه الأحداث ولا تميل به الأهواء ولا تؤثر فيه الفتن لا يجري وراء كل ناعق ويجتنب كل مفسد ظالم استجابة لقول الله تعالى:(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (هود ـ 113).
وجاء في تفسير هذه الآية: (أيها الناس، لا تميلوا إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم فتمسكم النار بفعلكم ذلك ولا تجدوا ناصرا ينصركم ولا وليا يليكم ثم لا تنصرون فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخليكم من نصرته ويسلط عليكم عدوكم وفي ذلك أمر من الله تعالى لرسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون وفيه نصر على الأعداء ونهى عن الطغيان)، وقال ابن عباس: (ولا تميلوا إلى الذين ظلموا أي لا تستعينوا بالظَلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم)، وقال أبو العالية: (لا ترضوا أعمالهم).
فالحذر كل الحذر من أن تكون أخي القارئ الكريم ممن ينادى عليهم يوم القيامة (أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة).
فالمسلم له شخصيته التي تميزه عن غيره في زيه وسمته وأناقته ومظهره وحلاوته ومخبره وثباته على المبدأ مقتديا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلقد ساوته قريش على ترك الدعوة في نظير مناصب دنيوية زائلة وأموال طائلة فقال جملته المشهورة: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) ، ونهى النبي (صلى الله عليه وسلم) من أن يكون المسلم إمّعة لا شخصية له ولا كيان يسير مع كل تيار مساير للركب إذا سار أو توقف.
ومع هذا النهي نجد كثيرا من الناس لا رأي لهم، وشخصيتهم تابعة ومكانتهم ضائعة لا رأي لهم ولا وزن لكلمتهم.
إن المسلم الصادق لا يجامل الباطل على حساب الحق ولا يميل مع القوي على حساب الضعيف، بل هو على العكس فمن الواجب أن يكون مع الحق على الباطل ومع الضعيف المظلوم على القوي الظالم.
وقد روي عن عائشة (رضي الله عنها) أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكلمه أسامة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بتلك المرأة فقطعت يدها فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم). (رواه البخاري).
إن النبي (صلى الله عليه وسلم) ربى أصحابه على العزة والكرامة وقوة الشخصية بتنفيذ أمر الله والنهي عما نهى عنه حتى أصبحوا في قوة بعد ضعف وفي عزة بعد ذل وغنى بعد فقر وانتصروا في بدر وهم أذلة ونشروا الإسلام في العالم وكانوا قلة (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) (آل عمران ـ 123)، وجاء في تفسير الآية الكريمة: نصركم ربكم على أعدائكم وأنتم يومئذ أذلة يعني: قليلون، في غير منعة من الناس، حتى أظهركم الله على عدوكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، وأنتم اليوم أكثر عددا منكم حينئذ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم، فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه ولتشكروه على ما من به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم.
ونحن معشر المسلمون اليوم أكثر عداد وأعظم قوة من المسلمين يوم بدر، لكن كان يقينهم بالله أقوي، فإن نصبر لأمر الله كما صبر أهل بدر ينصرنا على عدونا كما نصر المسلمين يوم بدر وإذا اتقينا الله وأطعناه في أوامره واجتاب نواهيه جاءنا النصر.
فالخير والسعادة للمؤمن أن يكون ذا إرادة قوية وعزم صادق وصلة عظيمة بالله تعالى، غضب الناس أم رضوا ما دام لمولاه مطيعا ولقوله سميعا ولا يرهب إلا جنابه ولا يطرق إلا بابه يرى العزة في طاعته والغنى في التوكل عليه فالعبد الذي يطلب رضا ربه يعيش طول عمره عزيزا غير محتاج إلى الناس أما العبد الذي يطلب رضا الناس بما يغضب الله يعيش منافقا ذليلا محتاجا إلى من طلب رضاهم، ذلك لأنه إن أحسنوا أحسن وإن أساءوا أساء وإن ظلموا ظلم وإن عدلوا عدل فهو معهم دائما في الخير والشر إرضاء لهم ولو كان ذلك يغضب الله تعالى.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

إلى الأعلى