الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في كتاب أقانيم اللامعقول الحلقة الثانية

قراءة في كتاب أقانيم اللامعقول الحلقة الثانية

تحتوي المكتبة العمانية على كثير من الكتب العلمية التي تستحق القراءة والمناقشة، لما تتناوله من أفكار قيمة وقضايا حيوية، وتطرح إشكالات تستحق الدراسة والأخذ والرد .. لاسيما إذا كانت تتناول العديد من الأفكار السائدة في المجتمع، ولها سلطان واضح على عقلية قطاع كبير من الجماهير، وتشغل بال المثقفين ولها دوران عريض على ألسنة العامة والمتعلمين.
ومن هذه الكتب كتاب “أقانيم اللامعقول” الذي صدر عام 2012 عن دار الانتشار العربي، ببيروت، تأليف أحمد بن مبارك النوفلي.

فقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن علاقة العقل بالنقل وعن قضية التقليد بصفتها أول الأقانيم التي تعوق التفكير المبدع وغيرها من الامور واليوم نواصل هذه القراءة ..
ـ أقنوم الأسطورة (او أصلها): في هذا المبحث، أشار المؤلف إلى أن ظاهرة الأساطير تعد ظاهرة إنسانية ولكل مجتمع أساطيره المحبوبة منذ فجر الحضارات سواء أكانت مجتمعات بدائية أو متحضرة في مصر الفرعونية وعند السومريين والهنود واليونان والفرس، ثم رصد الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر الأسطورة بمعنى أساطير الأولين، بعد ذلك ينتقل إلى شرح مدلولها اللغوي، فهي أحاديث لا نظام لها عند الخليل الفراهيدي (ت 173هـ) وحكايات كتبها الأولون وليس لها حقيقة في واقع الناس على ما قرر الزمخشري (ت 538هـ)، ويخلص إلى تعريفها بأنها حكايات مقدسة اختلط فيها الواقع بالخيال حيث تقوم فيها الكائنات الميتافيزيقية بدور مؤثر في وقائعها معبرة بالنثر أو بالشعر، المغلف بالرمزية.
1 ـ الأسطورة في تفسير القرآن، يفتتح أمثلته التطبيقية بتناول التفسيرات المتعسفة لبعض آيات القرآن عند قدامى المفسرين، مشيرا إلى العلاقة العضوية بين الإسرائيليات والأساطير وخطورة ذلك على ذهنية المسلم الذي أصبح يرفض الحقائق العلمية، ومتجافيا عن قواعد المنهج العلمي، ويبدأ بالمثال الأول أسطورة جبل قاف، فقد ذكر ابن كثير (774 هـ) في تفسير قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ( (ق الآية 1) “إنه جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء متصلة بالصخرة التي عليها السماء والأرض ..” وقبل أن يرفض المؤلف هذه الحكايات العجيبة رفضا قاطعا ويعدها من أساطير بني إسرائيل، عرض رأي ابن كثير الذي أنكر هذا التفسير وعده من اختلاق الزنادقة، ووجهة نظر الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (ت 1914) الذي شكك في هذا الكلام وفي رواته وسندهم، وسفّه هذا التفسير.
المثال الثاني: أسطورة خلق القلم، وترد هذه الأسطورة عند وقوف المفسرين أمام تفسير قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم ـ1) ، إذ ذكر ابن جرير الطبري (310هـ): رواية عن ابن عباس (رضي الله عنهما): “أن أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء، ففتقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النون .”ويذكر الرواية بصيغ مختلفة.
وينقد المؤلف هذه الرواية نقدا مُراً، ويرى أن الراوي نسي أن القلم من صنع البشر ويحتاج إلى المداد، ولا يعلم الغيب وهو من المخلوقات، هذا من جهة ومن جهة أخرى تعددت الروايات التي تتحدث عن أول المخلوقات، أهو اللوح المحفوظ أم القلم أم العقل أم الماء؟ أم العرش، وفي حضارة مصر الفرعونية النور، وعند الفرس النور والظلمة، وعند بعض فرق الشيعة النور المحمدي أو نور عليَ.
ويقرر أن الله أقسم بجنس القلم تقديرا لمكانة العلم والعلماء وأهمية القراءة في الإسلام، فهي الوسيلة الجوهرية لتحقيق المكانة التي تصبو إليها الأمة لاسيما وأن الإسلام دين حضاري يطالبنا باقتحام العقبة ومشاركة العالم في ابتكارات النظريات واختراع الوسائل التي تسعد الإنسان في حياته.
ويؤيد وجهة نظره برأي جماعة من العلماء منهم الطاهر ابن عاشور (ت 1973) في فتاواه، ومحمد حسين الذهبي (ت 1977) الذي اشتهر بدراساته في هذا المجال لاسيما في كتابه “الإسرائيليات في التفسير والحديث “ومن المستشرقين جولد تسيهر (1921) وله بحث شهير بعنوان: “العناصر الأفلاطونية في الحديث”،وقد شكك أيضا في حديث العقل،”أول ما خلق الله خلق العقل فقال له أقبل فأقبل .”.
الحقيقة أن كثيرا من العلماء رفضوا حديث العقل منهم ابن تيمية (728هـ) الذي رأى أنه مدسوس من أصحاب وحدة الوجود، وأيده تلميذه ابن القيم ( 751 هـ) وهذا ليس من اكتشافات جولتسيهر.
ويخلص المؤلف إلى أن الإسلام يعلي من شأن العقل والقلم ليس باعتبار الروايات الأسطورية التي تسجن عقل الأمة في عالم الأوهام والأحلام، وإنما بما ورد في آيات القرآن التي تحث المسلم إلى التدبر والتفكر والتفاعل مع هذه الأدوات المعرفية التي وهبها له العاطي الوهاب كي يعمر دنياه وآخرته بالعلم النافع والعمل المنتج والإبداع الحضاري.
المثال الثالث : أسطورة حواء، ذكر المفسرون اسم حواء ،في سياق تفسيرهم لقوله تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ((الأعراف ـ 20) ، فقد أورد الطبري في تفسيره قوله: سؤال الله لآدم، لِمَ أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يارب أطعمتني حواء. قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت أمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتها؟. قالت: أمرني إبليس. قال : ملعون مدحور ، أما أنت يا حواء فكما دمّيت الشجرة تَدمَين على شهر. وأما أنت يا حية، فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك، وسيخدش رأسك من لقيك، اهبطوا بعضكم لبعض عدو.
وتشي القصة بأن المرأة هي مصدر الإغواء والشر وأنها صنو الشيطان وهذا ما ترسخ في أدبيات الفكر الإسلامي.
وقد استساغ أصحاب التفسير هذه الأسطورة للحط من شأن المرأة واستصغار شأنها، فأوردها الزمخشري والرازي (606هـ) والقرطبي (671هـ) وابن كثير وأطفيش مع العلم أن هذا التفسير يعد تفسيرا توراتيا، إذ ورد بالتفصيل في سفر التكوين، وهذه النظرة الدونية للمرأة انتقلت إلى المسيحية التي اعتبرتها شيطانا ويستحسن تجنبها وسلوك مسلك الرهبنة كما دعا لذلك بولس.
والملاحظ أن القرآن لم يذكر اسم زوج آدم، ولم يشر إلى اسم “حواء “كما ذكر اسم مريم وابنها.
وفي السياق ذاته يشير المؤلف إلى أسطورة خلق حواء من ضلع أعوج ،رواية عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:” إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه”، وهذه الرواية واردة بنصها في العهد القديم ،وشبيه لها في التراث السومري واليوناني، في حين أن القرآن لم يتكلم عن أن زوج آدم خلقت من ضلعه، يقول المولى جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء ـ 1) فالآية تؤكد أن كافة البشر خلقوا من أصل مشترك، ومن نفس واحدة التي انسلت منها البشرية، ولاشك أن إقحام التفسير الأسطوري في القرآن فيه مخاطرة غير محمودة.
ويختم المؤلف قضية التفسير الأسطوري الذي طال القرآن بالتأكيد على أن أنه كتاب إلهي محكم البناء عذب الإيقاع ،نزل ليرسم المنهج القويم للإنسان أينما كان وحيثما حل، وإذا أردنا أن نستقي أي أخبار عن حياة الأنبياء علينا بالتعويل عليه، لأنهم بشر عاشوا على هذه الأرض، وعلينا استقاء قصصهم من كتابنا المقدس وليس من المرويات الإسرائيلية، هذه نقطة والأخرى إن معطيات القرآن مستمرة تفيض معانيه على الكون، وكل عصر قادر أن يستنبط منه ما يرسم له الطريق القويم ويحقق له الخير العام ،فالكل يرتوي منه ليشرح صدره بالإيمان.
موجز القول أن القرآن هو المصدر الأصلي لمعرفة الحقائق التشريعية والكونية والتاريخية، ولا يمكن قبول ما في كتب أهل الكتاب إلا ما ينسجم مع الرؤية القرآنية (155 ـ 204).
2 ـ الأسطورة في الرواية: كلنا نعلم ما لحق بأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) من وضع ودس، ولذلك بذل علماء الحديث جهودا عظيمة لتنقيته ،ووضعوا قواعد صارمة لمعرفة صحة الحديث من ضعفه ،وقد طرح المؤلف الأسباب التي دفعت الوضاعين إلى ذلك ورجعها إلى التعصب المذهبي الذي تولد غداة الصراع السياسي، وكذلك بسبب الخصومة السياسية، وبعض الرواة خلطوا حِكم العرب وكلام الصحابة بأقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبعضهم وضعها لتقريب أمر تشريعي لأذهان المسلمين، ومنهم من وضعها للترغيب والترهيب أو لترويج سلعته.
وقد تنبه جمهرة من المؤرخين والأدباء المستنيرين لهذا الوضع، وقد أشار الجاحظ (255 هـ) بعقليته الموسوعية إلى ذلك، وعلق على الأمر بقتل الوزغ لأنها كانت تنفخ النار على إبراهيم، ساخرا من ذلك التعليل الأسطوري، وكذلك استدرك ابن الأثير (630هـ) على الروايات التي أوردها الطبري بشأن خلق الكون، ولاشك أن هذه الأحاديث الموضوعة تمثل خطرا داهما على فكر الأمة ووسعت الهوة بين المدارس الإسلامية وساعدت على نشر الفكر الإرجائي والجبري.
ويطالب المؤلف بوضع قواعد جديدة للتعامل مع الرواية ودراستها دراسة تاريخية وينتهي إلى عرض نماذج من الأحاديث المكذوبة.
المثال الأول: نزول الحجر الأسود، اشتهرت روايات عن ابن عباس ووهب بن منبه( ت 114هـ) بشأن نزول الحجر الأسود من السماء مع آدم وهو يتلألأ من شدة بياضه، وفي رواية أنه ياقوتة من يواقيت الجنة، وأنه يشفي من الأمراض ، ومن الواضح أن الرواية تضفي هالة على الحجر وقداسة واضحة، وتؤكد أنه يشفي كل من يلمسه، وكان أبيض تشع منه الأنوار لكنه اسود من لمسات المشركين.
وفي رواية من ملامسة النساء الحيض له على الرغم من أن هذه الرواية حظيت بقبول واسع لدي الكثير من المؤرخين فضلا عن أنصاف المثقفين وعوام الناس الذين يعشقون الأساطير والحكايات الخارقة، مع ما فيها من الحط من كرامة المرأة، فقد تصدى جمهرة واسعة من علماء المعتزلة وعلى رأسهم الجاحظ لرفض هذه الرواية وقال بأسلوبه التهكمي إذا كان الكفار سودوا الحجر فلماذا لم يبيضه المسلمون؟، كذلك اصطف علماء الإباضية في وجه هذه الحكايات معلنين التصدي لها.
وقال ابن جعفر الإباضي: ورد في الآثار أن الحجر الأسود من حجارة الدنيا ،جعله الله علما للطواف، وهذا الحديث أحب إليّ، أما محمد عبده فقد استنكر هذا الكلام وذهب إلى أن التشريف يعد تشريفا معنويا وأن الله شرّف البيت الحرام بنسبته إليه وجعله موضعا لعبادته.
وينتهي المؤلف إلى أن مسألة تفضيل الأزمنة والأمكنة والسور بحاجة إلى نصوص قطعية لا روايات ظنية أو قصص إسرائيلية.
وللقراءة بقية ….

محمد عبد الرحيم الزيني
أستاذ الفلسفة الإسلامية

إلى الأعلى