الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الذكرى السبعون .. وحفيد الجنرال الأبيض

الذكرى السبعون .. وحفيد الجنرال الأبيض

علي عقلة عرسان

”في الحرب العالمية الثانية، التي كلفت العالم الكثير، كما هي حال الحرب العالمية الأولى؛ وفي حروب وغزوات سابقة، منها غزو نابليون بونابرت لروسيا.. حقق الجنرال الروسي الأبيض، “الثلج”، الأب المادي للصقيع السيبيري الفتاك، حقق أكبر الانتصارات.. لأنه كان وراء أكثر هزائم من غزوا روسيا، واحتلوا بعض أراضيها.”
ـــــــــــــــــــــــ
احتفلت جمهورية روسيا الاتحادية بالذكرى السبعين، لانتصار الحلفاء على الفاشية، في الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩ – ١٩٤٥. وكان الاتحاد السوفييتي، الذي خاض تلك الحرب مع الحلفاء، قد خسر، حسب آخر التقديرات، ما بين ٢٦،٦ و٢٧ مليون إنسان وهي خسارة تعادل ثلث الخسائر البشرية في تلك الحرب، التي يقدرون عدد ضحاياها ما بين ٦٥ و ٧٥ مليون إنسان؛ لم يبق منهم في الذاكرة البشرية المتداولة بكثافة غير مناسباتية، سياسياً وإعلامياً، لم يبق منهم سوى الضحايا اليهود، الذين يوضعون تحت مسمى “الهولوكوست أو الشِّواة”، حيث يقول اليهود إن عددهم خمسة أو ستة ملايين، بينما تشير الحقائق، التي يُمنع تداولها أو مقاربتها بالبحث التاريخي العلمي الجاد، إلى أنهم حوالي مليون يهودي فقط، قضوا في ألمانيا النازية والدول الأوروبية الأخرى. أولئك أصبحوا هم ضحايا النازية والحرب العالمية الثانية، ومَن يجب أن يبقوا حاضرين في ذاكرة العالم كضحايا مميّزين.. لكي يسوِّغوا اضطهاد الصهيونية العنصرية للشعب الفلسطيني، وسرقتها لوطنه، وتشريدها له في بقاع الأرض، واستمرارها في ملاحقته، وملاحقة كل العرب الذين يعلن بعض الصهاينة اليوم، في ظروف المآسي العربية المتراكمة، أنه آن قتلهم، “قتل العرب”..؟!؟”، وكأنه موسم انتقام عبر الفصول، يقوم فيه المعتدي الصهيوني العنصري، بقطف “أرواح فلسطينيين”، كلما لاحت مناسبة، ولاءمت ظروف، وجاءت مناسبات سياسية إسرائيلية داخلية.
في الحرب العالمية الثانية، التي كلفت العالم الكثير، كما هي حال الحرب العالمية الأولى؛ وفي حروب وغزوات سابقة، منها غزو نابليون بونابرت لروسيا.. حقق الجنرال الروسي الأبيض، “الثلج”، الأب المادي للصقيع السيبيري الفتاك، حقق أكبر الانتصارات.. لأنه كان وراء أكثر هزائم من غزوا روسيا، واحتلوا بعض أراضيها. وهو جنرال محارب لا تقهره الحروب، ولا تقتله الأسلحة المتطورة بأنواعها، ولم تغيّره الثورات والانقلابات والتقلبات السياسية وغير السياسية التي شهدتها روسيا القيصرية والشيوعية وما بعدهما. والمنتصر، كما يقولون:”يستحوذ على كل شيء، ويكتب التاريخ”.. فهل ترك ذلك الجنرال الأبيض للروس كتابة بعض تاريخهم الخاص، وتصحيح بعض ما كتبه التاريخ، أو حماية تاريخهم من التشويه؟! أم أنه مكَّن الكثيرين منهم، من كتابة التاريخ على طريقتهم، وتشويه ما أراد بعضهم تشويهه من الوقائع والحقائق، وتقديم الصورة التي يريدون عن الفكر، والثورة، والشعب، والبلدان التي ألحقوها بهم، أو تواصلوا معها بطريقة ما، في العالم الواسع، إبَّان ثورتهم التي اجتاحت العالم، وتركت ما تركته من بصمات في الواقع وفي التفكير والتعبير والإبداع.؟! أشرت إلى هذا الحدث، الحرب العامة الثانية، وأطرح هذا السؤال، وأنا أتوقف عند واحد من أحفاد ذلك الجنرال الأبيض، الذين شاركوا في الثورة والحرب، وحاولوا كتابة تاريخ مرحلة ثورية، شديدة التأثير في روسيا والعالم، بطريقتهم الخاصة، ومن خلال الإبداع في النص والعرض المسرحيين، ومن خلال تقديم أشخاص ووقائع، بسرد فني مسرحي خاص، يتناول الواقع من منظور عقائدي – أيديولوجي، له وعليه.. وهو ممن ناضلوا بقوة، وعملوا على تعرية مناوئين لهم، ومنافقين وانتهازيين؛ وممن حاولوا فرض فكرهم واعتقادهم، بطريقتهم الخاصة، وبأسلوب فني، يرمي، فيما يرمي إليه، إلى تثبيت نهج في الثورة والحرب، وفي المعالجة المسرحية، وحتى في المشاهدة الجماهيرية، والتفاعل الفردي مع العرض المسرحي المقدَّم.. بما يتلاءم والنظرية التي يتبناها وينتمي إليها.. النظرية الشيوعية، التي حاولت، في مراحل لاحقة من سيطرتها الشمولية الواسعة، أن تشيِّئ الإنسان، وتعيد إنتاجه على نحو يتلاءم مع رؤية ” فكرية” تراها، هي بنظر قادتها ومفكريها وأتباعها: “العلم النهائي” الذي لا يُدحَض.؟!.. ومع ذلك دُحِضَ، وبقى السؤال: هل هناك علم نهائي لا يُدحَض، وفكر شمولي لا يتزعزع؟!. حفيد الجنرال الأبيض الذي أشرت إليه، الذي شارك في الثورة والحرب، وأريد أن أتوقف عنده اليوم، هو المحارب: فسيفولود فشنيفسكي 1900 – 1951 vsevolodvishnevsky الذي كان من بين المدافعين عن لينينغراد = بطرسبورغ” في الحرب العالمية الثانية.
ولد فسيفولود فيتاليفتش فشنيفسكي، مولف مسرحية المأساة المتفائلة، في ٨ كانون الأول/ديسمبر عام 1900 بمدينة بطرسبورغ، لأب يعمل في هندسة الأراضي. والتحق بالثورة البلشفية وهو لا يزالُ يافعاً، وخاض الحرب العالمية الأولى على عدةِ جبهات مع جند بلاده، وشارك في معارك بتروغراد عام 1917 مع الطلاب والشعب والجنود وبحَّارة كرونشتاد، كما شارك في عصيان أكتوبر، وفي تشكيل الحرس الأحمر الذي أخذ نصيبه فيه. رافق البحارة وخبَر حياتَهم، وكتب معظَم إنتاجه عنهم، وعن حياة الجنود بصورة عامة.
أولى مسرحياته حملت عنوان: “أول انقسام الخيالة”، وقد فاز عام 1932 في مسابقة كُتّاب الاتحاد السوفييتي، التي أقيمت احتفالاً بالعيد الخامس عشر للجيش، بمسرحيته “المأساة المتفائلة”. ومن مؤلفاته: “هؤلاء من كرونشتاد –سيناريو مسرحي- على جدران لينينغراد- على الأخص عام 1919 الذي لا يُنسى. كان يؤمن بأنّ التركيز على الجانب الثوري الإيجابي في الإنسان هو الأجدر بالمعالجة الأدبية والفنية. وهذا منهج الواقعية الاشتراكية، الذي اعتُمد في الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، كأساس من أسس الأدب في تلك المنظومة السياسية – الثقافية- الاجتماعية. كان فشنيفسكي على خلافٍ تام، مع أولئك الكتاب من أبناء وطنه، الذين كتبوا مسرحياتٍ تعالج قضايا نفسية، أو تنحو منحى التحليل النفسي، ومسرحياتٍ تدور حول مشكلات الحب؛ في المدة التي كان يعيشُ فيها، وينتج، ويشارك في الفعاليات الثقافية والسياسية. توفي فشنيفسكي في ٢٨ شباط/فبراير عام 1951 بعد حياة مليئة بالنضال، وكان من بين المتشددين في دفاعه عن الأيديولوجيا الشيوعية.
تعتبر مسرحيته “المأساة المتفائلة”: Optimisticheskaya tragediya من الأصول المسرحية الكبرى في مسرح الثورة في الاتحاد السوفييتي، وقد أُنتِجَت فيلماً، فاز بجائزة مهرجان كان الدولي. ومؤلفها فشنيفسكي زعيم تيار أدبي، هو التيار الملحمي، الذي يريد أن يخلد بطولات معارك الثوار، سواء أكانت حربية أم بنائية. وكان يدافع عن هذا الاتجاه، بكل إيمان وحرارة؛ ويعتبر الأدب السابق، أي أدب ما قبل الثورة، أدباً وفناً، من حيث الشكل، ولكنّهما مشبعان بتقاليد قديمة في روحيهما، فهل يستطيع أدب أو فن كهذا، أن يتلاءم مع التغييرات الاجتماعية التي يحياها الشعب، وتريدها الثورة!؟ إن نظرته هذه تنطوي على نوع من التطرف الأيديولوجي، حتى بنظر سياسيين ومفكرين ومبدعين شيوعيين؛ إذ إن ما كتبه الأدباء الكلاسيكيون الروس الكبار أمثال: تولستوي ودستويفسكي وتورغنييف وتشيخوف وغيرهم.. ساهم في إنضاج مناخ الثورة، كما يرون.
مسرحية المأساة المتفائلة أنموذج جديد من المسرح السياسي، فهي مسرحية ملتزمة بواقع ثوري، وبخط مؤسسة أيديولوجية وسياسية، وبنظرة معينة للأمور، وبتفسيرات لكل النظم السياسية والاجتماعية الأخرى، خلال المدة التي تدور فيها حوادثها.
تطرح المسرحية قضية خلاف سياسي عقائدي بين جماعات من الاشتراكيين، لكل فئة منها أسلوبها الخاص في تطبيق الاشتراكية، ولها كذلك نظرتها الخاصة ومواقفها، من الفئات الأخرى. والمأساة المتفائلة تلخص فترة من أعقد الفترات السياسية وأكثرها تناقضاً، حيث الخلاف على أشده، في بداية الثورة الروسية، بين جماعة البلشفيك والمنشفيك، وهما الجبهتان الثوريتان اللتان تتعرضان في الوقت نفسه لأخطار الإمبريالية، المتمثلة في الغزو الإمبريالي الخارجي، وفي أعداء الثورة داخل البلاد. وقد خبر المؤلف تلك الفترة، وعاشها مقاتلاً، وعقائدياً، وإنساناً متفتح الذهن، يملك موهبة الأديب، وقدرة الإنسان المبدع على الخلق والتعمّق في التفسير.
لم يكن فشنيفسكي بسيطاً في نظرته إلى الأدب والحياة والإنسان، ولم يرض، كمن سبقه من الكتَّاب، بأن يأخذ أنماطاً ” types”جاهزة أو محددة: للخائن، والإقطاعي، والثوري، والإمبريالي..إلخ، بل أخذ الإنسان بكل أبعاد حياته، وتقلبات نفسيته ومزاجه.. أخذ الإنسان بغناه في أعقد فترات التاريخ، وأكثرها امتلاء بالمتناقضات.. إنها فترة التحول التي يخوضها المجتمع، منتقلاً من النظام البرجوازي إلى النظام الاشتراكي.. وفي ظل ثورة، لم تكن قد وطدت وجودها ومكنت أقدامها من الأرض، بل كانت تخوض معارك طاحنة في الداخل والخارج ضد أعدائها، الذين كانت تراهم أعداءً للإنسان، ويرونها خطراً على الإنسانية والحريات والحضارة.
أخذ فشنيفسكي في مسرحيته مجموعة كاملة من البحارة، جعلها تعج بالتضارب والفوضى والتناقضات، وتعيش صراعاً فيما بينها. وترك الحوادث، كما في الحياة بالضبط، تكشف معدن الشخص وجوهره الحق. إن الثوري الحقيقي لا تكشفه إلا المواقف العصيبة، والعمل، والتجارب. ولم يشأ مؤلفنا أن يعطينا وصفات جاهزة “كليشيهات” للثوري، والخائن، والمذبذب، والانتهازي.. بل تركنا نعيش مع شخصياته، ومن خلال الحوادث يتكشَّف لنا الجوهر الأصيل لكل شخصية. فمن كان يدعي الثورية، ويزاود على الآخرين، اتضح أنه خائن، وبقي الأصلاء أصلاء.. وهكذا يذهب الزبد جفاء دائماً.
هناك في المجموعة فوضويون anarchistes يطبقون الاشتراكية بأسلوبهم الخاص، ويعتقدون أن من لم يكن معهم فهو ضدهم، ويجب قتله!؟ وهناك ثوريون، أصحاب منطق، يعرفون كيف تعالج الأمور بمسؤولية، وهناك بعض الأشخاص الذين ضاقوا ذرعاً بكل هذه الفوضى، وسئموا القلق، وآذاهم في الصميم أسى الشعب وآلامُه، وضرب معتقداتهم، في الصميم أيضاً، تذبذبُ الأشخاص، وهلامية الحقائق، فلم يعودوا قادرين على الإيمان بشيء، على أنه صحيح. إنهم يريدون وجه الحق.. يؤمنون بالثورة وبالاشتراكية، ولكنهم أصيبوا باليأس، ووضعت مرارات الأيام، وكثرة الضربات التي أصابتهم وأصابت سواهم، غشاوة من الظلمة على أعينهم.
على ظهر سفينة فشنيفسكي الحربية توجد حياة.. حياة بكل عمقها وتناقضاتها. ويوجد إنسان في ظروفٍ سادتها الفوضى والبلبلة، وسيطر فيها الخوف؛ ولذلك يشعر بعض الناس بصعوبة في تلمس الحقيقة، وحتى في التماسها، وفي تمييز الصف الصحيح الذي يقفون فيه أو معه. ويخرج فشنيفسكي من فرقة البحارة التي هلكت عن آخرها، يخرج بنتيجة مهمة، كانت وما زالت تدفع كل ثوري ومؤمن إلى الأمام، في طريق العمل والأمل.. وقد تلخصت تلك النتيجة بقول الجوقة في المسرحية: “ما دام هناك بحار واحد حي، فكل الأسطول حي. إن صاحب الحق المؤمن بحقه، وبعدالة قضيته، لا يرهب التضحيات. ويعرف أن النصر له، مهما تكالبت ضده قوى الظلم.”.
وهذه هي نظرة التفاؤل في غمرة المأساة، نظرة الإيمان الثوري، واستشفاف المستقبل عند المؤلف. أما إيمان المؤلف بأفكاره، وصدقه في التعبير عما يؤمن به، وقدرته على ذلك التعبير، فواضحة في كلمات شخوصه، ونبراتها، وحركاتها، وتصرفاتها، وفي أسلوب أدائها.. إنه الثبات على المبادئ، والإيمان الصادق بالثورة، وبعدالة الاشتراكية، والتصميم على تطبيقها، بصرف النظر عما إذا كان يعجبنا نهج الشخص أو لا يعجبنا. ويكفي أن نستمع من مفوضة الحزب في السفينة، إلى هذا الكلام البسيط المقنع بمنطقه، حتى ندرك إلى أي مدى عاش فشنيفسكي أفكاره، حتى اكتسب تلك البساطة والقوة، من دون جعجعة أو حذلقة. تقول المفوضة في المسرحية: “نعم الإنسانية جشعة، وهذا من حسن الحظ، إنها جائعة، تبحث، تستاف التراب. نحن سمَّرنا أنفها بالأرض، أدخلناها إلى الحظائر، وربطناها إلى المعالف، إنها خائفة، قذرة، ذليلة.. إنها لا تلمح إلا هدفاً واحداً: أن تكون أقل جوعاً، أن تكون أقل برداً. وعندما، في نهاية الأمل، تكون مستعدة لأن تتمرد، نرمي لها كي تأكل، هذه العظمة: زوجاً من البنطلونات المهترئة، ودجاجة عاجزة. أوه! هذا في غاية الكمال.. تكفي دجاجة واحدة لتحريك الرعب والبلبلة بين الرجال.. إنهم يرقبون أنفسهم، يتجسسون على أنفسهم، ويبقون مغلقين على ذواتهم في بيوتهم، يحيطون أنفسهم بالمتاريس مع دجاجتهم.. بينما ترعى قطعان العالم الضخمة على بعد خطوتين.. هذا محزن. وأنت ترى ذلك بعينك، وتلعنه، وتتركه يُعمل، وتتبجح به. هذا ليس جميلاً مطلقاً. يجب أن يُكتب لكل إنسان: ليس لديك نصيبك، لقد سُرقت. وإذا أصر على ألا يفهم، يجب أن نشدّه من ناصيته باتجاه الثورة. هذا الإنسان الشقي يجب أن تُنتزع واجهته الموحلة، ويقال له: تريد أن تعيش بصورة أفضل؟ أن تأكل أحسن.. تريد أن تغتسل للمرة الأولى، أن ترقص، تشرب؛ تحب أن تشتغل وأنت تغني، وتستريح؟! تريد أن تنمي عقلك ومواهبك وتفهم الجمال، تريد أن تحب؟ إذن ارفع الرأس، هيا تمرد على البراغيث التي تمتص دماءك. أيها الإنسان اترك معلفك واضرب العدو في الجبين، بين العينين، اضربه حتى الموت. هدم جدران السجن واكنس الحراس، اخرج إلى الشمس مصارعاً، وتنفس.. اركض في طول الأرض وعرضها، إنها ملكك، أنت خرجت من ليلك، وباستطاعتك أن تصرخ بملء رئتيك: فلتحيا الشمس.. فلتحيا الحياة اللائقة بتكويني وباسمي كإنسان.”.
بمثل هذه الحرارة يكتب فشنيفسكي حواره، وبمثل هذه الحرارة يطرح أفكاره، ويعالج قضية الثورة ويدافع عنها، وبمثل هذه الحرارة يحرك أشخاصه، أو يريدهم أن يتحركوا على المسرح، كما في الحياة .. أو العكس: في الحياة كما في المسرح. لقد اختار فشنيفسكي نماذجه من الواقع .. فلكل الحوادث التي ساقها، بل ولكل الشخصيات التي اختارها، لها كلها تقريباً، وجود تاريخي حقيقي؛ فالمفوضة جامعية من بترسبورغ، وغيرُها من الجنود والضباط هم من زملاء المؤلف ومعارفه، ومن الرجال الذين احتك بهم، وتعامل معهم، وصادفهم في حياته.
وقد قدم عمله المسرحي بأسلوب درامي جديد، يفرضه منطق الفكر الاشتراكي والالتزام الثوري الذي يحكمه.. فالحوار بين الممثلين والجمهور، ومحاولة كسر الحاجر التقليدي بين المتفرج والممثل، ليعيش الجمهور الحوادث التي تُعرَض أمامه، بوعي تام وإدراك للغاية المبتغاة، ولكي لا يعتبِر ما يُعرض أمامه نوعاً من التسلية، يعيشها وهو مخدر الذهن .. كل ذلك جديد فيما أظن. ولكنه ليس بالضرورة مطلق الصحة في المسرح، وفي كيفية إيصال الرسالة الفنية بفاعلية إلى المتلقي.
وفي المسرحية ضروب من التجديد، سواء في إطارها العام، أو في المضامين التي طرحها المؤلف، وفي طريقة طرحه لها، ومعالجته للموضوع كله. والمدقق في النص يلاحظ أن فشنيفسكي درس بوعي نفسية جمهور الصالة، وبنى على أساس هذه الدراسة، النفسية “الجماعية”، الجانب الخاص بمخاطبة الجمهور في المسرحية، بأسلوب فني.
وليس من شك في أن هذه المسرحية من أمهات الأدب الاشتراكي الثوري، الذي تبلورت فيه أفكار وأطر فنية، نابعة من الوعي السياسي والإيمان بالفكر الثوري الاشتراكي. وجميع شخصيات المسرحية عميقة، ولا يمكن أخذها ببساطة، وقد لا نفيها حقها في هذه العجالة، إلا أن القول بأن هذه الشخصيات هي شخصيات حية، قد يشير إلى بعض ملامحها وأبعادها. على أن هذا النهج لم يترسخ في إنتاج متميز، وبصورة فنية تراكمية، لذا لم يثبِّت تياراً يحقق الانتشار العالمي الراسخ المؤثر، الذي يفرض نفسه من خلال الإبداع وليس من خلال التبشير والدعاية والتطرف الأيديولوجي والمماحَكات. وربما لهذا السبب ولسواه لم نجد أن مثل هذه التجارب اكتسحت، وشكلت تياراً عالمياً، ولا هي أضعفت، عملياً، النهج المسرحي الآخر، المضاد في الرؤية والوسيلة والأسلوب، وفي كيفية الوصول إلى المتفرج وتغييره من الداخل، وزرع فكر يتفاعل في أعماقه، بطريقة أكثر جدوى، وفاعلية، وقدرة على التغيير.. أعني نهج قسطنطين ستانسلافسكي، المخرج الروسي ذي المدرسة الفنية الحية، والمنهج المؤثر، المغاير لذلك المنهج الإدراكي، إن صح التعبير.. المنهج الذي يعمل على زرع/”تَبْييتِ، كما يحب بعض الأشقاء المصريين أن يقول”.. تبييت شيء حي وتفاعلي، ينمو في داخل الإنسان، ويتسلل إلى أعماقه بسلاسة، من دون مقاومة، ومن غير أن يستنفره أو يستفزه أو يشعره بأنه يتحداه على نحو ما، أو يتعالم عليه ويعلّمه، بصورة مباشرة وحتى فجة أحياناً، على طريقة برتولد برخت في مسرحه التعليمي. إنه منهج تغيير بالتثمير الفكري النفسي في الأعماق، وغرس شيء يسكنها وينمو فيها، ويرافق المتفرج بعد خروجه من المسرح، ويبقى يعمل في أعماقه بصورة غير مباشرة، وبطاقة تغيير دينامية داخلية، وليس بخطاب ثوري تبشيري، يغزوه أو يُفرض عليه من الخارج، وربما يستفزه ويجعله يغلق دونه بعض نوافذ نفسه وروحه وعقله.

إلى الأعلى