الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مـن ينابيـع القـرآن ” الحـلقة الثامـنة والأربـعـون “

مـن ينابيـع القـرآن ” الحـلقة الثامـنة والأربـعـون “

الحمـد لله رب العـالمين والعـاقـبة للمـتقـين ولا عـدوان إلا عـلى الظالمين والصلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمـعـين وعـلى آله وأصحـابه المجـاهـدين الصـادقـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان يـوم الـدين وبـعـد :
فإن الله يخـاطـب الكـافـر يـذكـره بغـفـلته عـن عـذاب الآخـرة، فـقال له: لقـد كـنت تفـكـر وتقـول فـقـط : ماذا آكل مـن هـذه الـدنيا، وماذا أشـرب، ماذا أنـكح، وماذا أكـسب، ولا تتـفـكر فـيما بعـد المـوت، ولـسان حـالك يقـول:
إنما الـدنيا طـعـام وشـراب ومنام
فإذا فـاتـك هـذا فـعـلى الـدنيا السـلام
لـكننا اليـوم قـد نـزعـنا عـنك هـذا الـغـطاء، فـظهـرت لك الآخـرة عـلى حقـيـقـتها لما وقـفت بين يـدي الله سـبحانه وتعالى.
قال تعالى: ( فـبـصـرك اليـوم حـديـد )، ومـن المعـلوم أن البـصـر قـد يكـون كـليـلا وقـد يكـون حـديـدا، والبصـر الكـليـل هـو الضـعـيف، فـقـد تكـون عـلى عـيني الإنسان ضـبابة فـلا يتمـكـن مـن الـرؤية أبـدا، أو يـرى شـيئا قـليـلا بحـيث لا يتبين به الأشـياء، وكـلال البـصر هـو عـجـزه عـن تحـقـيـق المبصـرات.
وأما حـديـد البصـر فهـو الـذي يـرى البعـيـد وكأنه قـريـب، قال الله تعالى للـكافـر: لـقـد أزحـنا عـنـك الغـطاء الـذي كان يـعـوق بصرك عـن الرؤية، فـصار حـادا تـرى به الحـقـائـق التي كـنت تنـكـرها، والأشـياء التي لم تكـن تـؤمن بها، لـقـد كـنت بالأمس أعـمى لا تنـظـر إلى حـقائـق الأمـور، فها أنت قـد صـرت الـيـوم حـديـد البصر فانظـر تـرى الأشـياء بـوضـوح ، إنه لتعـبير عـجيـب عـن ظهـور الحـق، لأنه ليس هـناك ما ينـكـر كـما قال قـبـل في المـوت: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ )، يـرى المـرء في آخـر لحـظـة من لحـظات حـياته في الـدنيا رؤيـا عـجـيبة ، يـرى بهـا الحـق جـليا ، فـيتحـقـق من كل مما كان ينكـره قـبـل، ولـكـن في الـوقـت الـذي لا ينـفـع فـيه البـصـر، ولهـذا يـقـول الكـفـرة : (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) (السجـدة ـ 12)، عـجيب (والله) تجـاوب القـرآن الكـريـم هـذا التجـاوب.
قال الله تعالى:( فـبصـرك اليـوم حـديـد )، لـقـد صـرت تـرى كل شـيء بـوضـوح، تـرى الأمـور عـلى حـقيقـتها وتتـأكـد منها، بعـد أن يـرى الكـفـرة هـذه الحـقائـق مائلة أمام أعـينهـم يـقـنـون فـيقــولـون: يا رب لـقـد رأينا وسـمعـنا ونحـن مـوقـنـون بالحـق ، فأرجـعـنا إلى الـدنيا نعـمـل العـمـل الصالح، ولـكـن لا رجـوع، كما قال الله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)(المـؤمنـون 99 ـ 10).
يـريـد الله تعالى بهـذا التعـبير :(فـبصرك اليـوم حـديـد) ، أن يـبين لنا بأن الإنسان سيبصر وسيسمع في الآخـرة، وسـيتحـقـق مما كان ينكــره في الـدنيا، وهـو يصور لنا حـقـيقـة ما يـقـع بألـفاظ صـريحة واضحـة مفهـومة،لـعـلنا نتأثـر بها فـنـؤمـن الإيمان الحـق ونعـمـل لما يـرضـيه سبحانه وتعالى ، وحتى لا نـكـون مـن الـذين يخـاطـبـون بـقـوله: ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ).
قال الله تعالى: ( وقال قـرينه هـذا ما لـدي عـتـيـد ) (ق ـ 23) ، يستعـمـل الـقـرآن الكـريم لـفـظ القـرين في الشـيطان، كما جـاء في قـوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ )(فـصلت ـ 36) ، وقـوله تعالى: (ومـن يكـن الشـيطان له قـرينا فـساء قـرينا) (النساء ـ 38)، فـمـن غـفـل عـن ذكـر الله وعـميت بصيرته، فإن الله يمـده في ضـلاله، بأن يسـخـر له الشـيطان قـرينا، وكـذلك قـوله تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)(فـصلت ـ 25)، وكـذلك قـوله في هـذه السـورة: (وقال قـرينه)، أي الشـيطان عـلى الأظهـر، تـرى ما يـقـول القـرين؟ ، يـقـول: ( هـذا ما لـدي عـتيـد )،عـتيـد : جـاء من قـوله: اعـتددته أي لـقـد أعـددت لجهـنم هـذا الشـيطان، الـذي وسـوسـني فأضـلني، ولـكـن الله تعالى يقـول: (ألـقـيا في جهـنـم كل كـفار عـتـيـد) ( ق ـ 24).
هـذا أمـر الله تعالى يصـدره بالتثنـية: (ألـقـيا في جهـنـم) ، وقـد وردت في هـذه التثنـية وجـوه كـثيرة، قـيـل إن الخـطاب للسائق والشـهـيـد، وقـيـل إن الله تعالى يـوكل بكل شـخـص مـلكـين يـدفـعـانه إلى النار، كما جاء مـع كل نفـسي سـائق وشـهـيـد؟، وعـلى كل فالأمـر لله ولا نـدري حـقـيقة الأمـر، وإنما الأمـر قـطـعا صـادرا من الله ذي الجـلال والإكـرام، وهـو لا بــد نافــذ.
الكـفار صـيغـة مـبالغـة من الكـفـر، أي الشـديـد الكـفـر، وهـو الـذي طال عـمـره وأمتـد كـفـره، ولم تنـفعـه الآيات والنـذر شـيئا حـتى صـرعه المـوت.
العـنيـد: صـيغـة مبالغـة من العـناد، أي فـلان عـنـود يعـني يـظـل مصرّا عـلى كـفـره وضـلاله، وعـلى ارتـكاب معـاصيه، عـلى كـثرة ما يـتردد في داخله من الإلهـام الفـطـري ، ويـرد عـليه من دعـوة الأنبياء والرسـل وكـلام الـوعـاظ والمـرشـدين ونصح الـوالـدين الـذين يعـظانه ويـرشـدانه ويأمـرانه بالخـير، وينهـيانه عـن المنـكـر، ويخـوفانه مـن وعـيـد الله وغـير ذلك مما يـقـيـم به الله تعالى الحجـة عـلى عـباده ، ولـكـنه يصـر مسـتكـبرا ولا يمـوت إلا عـلى كـفـره.
قال الله تعالى: (مـنّاع للخـير معـتــد مـريب) (ق ـ 25)، و( المنّاع ): صـيغـة مبالغـة من المنـع فهـو يمنع الخـير عـن نفـسه ، ويمنعه عـن غـيره ولا يـفعـل الخـير ولا يـدعـو إليه لأن شـأن المـؤمـن أن يـفـعـل الخـير ويشيـعه، وليس معـنى قـوله: ( منّاع للخـير ) يمنـع الـزكاة فـقـط ، كـلا : وإنما يمنع كل خـير، لأن كل إنـاء بما فـيه ينضح، فـتجـد الفـسقة المـولعـين بالمعاصي، يـدعـون غـيرهـم إلى ارتكاب المعاصي، ويـودون أن يـرتكـب كل الناس المعاصي التي يأتـونها، وإذا اتصل أحـد بعاص من العـصاة ودعاه إلى الصـلاة يـقـول له: ما هـذه الصلاة؟ إن هي إلا عـادة قـديمة، وإذا دعـاه إلى المسـجـد يقـول له: ما هـذا المسـجـد؟! .. لنـذهـب إلى المقهى ولنلهو ونلعـب إلى غـير ذلك من الأمـور.
ونحـن لا نفـسر القـرآن الـكـريم كـلام الله تفـسيرا قاصرا فـنقـصر عـلى أشياء خاصة، لأن كلمة (خـير) كلمة عامـة، تـدل عـلى كل ما يتـقـرب به العـبـد إلى الله، فـلا نقـصرها عـلى عـدم أداء الـزكاة فـقـط.
وإنما هـذا باب مـن أبـواب الخـير الـذي يمنعـه مناع الخـير، فـطـبيعـة الكـفـرة والمنافـقـين والمـلاحـدة ، في كل زمان ومـكان أنهـم مناعـون للخـير أمـارون بالشـر، بـل هـم أحـرص الناس بالـدعـوة إلى الخـير، ولـكـن الخـير الـذي يـدعـون إليه ليس لله ، وإننا لنجـد أهـل الباطـل يـبالغـون في بـذل الجهـد في الـدعـوة إلى باطلهـم، ينفـقـون الأمـوال ويهـدرون الأوقات ويـبالغـون في بـذل الجهـد لـدعـوة الناس إلى الباطل بـكل أنـواع الـدعاية، وإلى ارتكاب المعاصي بـكل أنـواع الغـواية، سـواء منها المعاصي العـقـديـة أو العـملية.
(معـتـد): المعـتـدي هـو الـذي يتعـدى عـلى غـيره، ومـن مات عاصـيا غـير تائب لا بـد أن يـكـون قـد اعـتـدى عـلى حـق والـديه، وعـلى حـقـوق الآخـرين، لـذلك يعـبر الله تعالى عـن كل ذلك بظـلم النفـس، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )(النساء 64 ـ 65)، فإذا اعـتـديت عـلى نفـسك فـقـد ظـلمتها ، لأنـك عـملت بما يحـرقها في النار فـلتـكـون أنت المسبب في ذلك.
فـمن انساق وراء شـهـواته ، واتبع هـواه في كل أوامـره وكان يأتمـر بأمـره ، فـقـد اتخـذ إلهه هـواه، أي جـعـله مـوضع الإلـه المعـبـود ، فالـذي جـعـل إلهه هـواه لا محالة يـدخـل فـي مـن اتخـذ مـع الله إلها آخـر، لأنه يـقـدم هـواه عـلى طـاعـة الله ، ومـن نـعـم الله تعالى عـلى الإنسان أن يجـعـل قــبه مـيـالا إلى الخـير، كما قال (صلى الله عـليه وسـلم): ( لا يبلـغ أحـد حـقـيقة الإيـمان حـتى يكـون هـواه تـبعـا لما جـئت به)، أي يفـرح قـلـبه وتسـر نفـسه لما يقـوله رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) ويـدعـو إليه، وإذا فـعـل سـنة مـن سـننه وجـد نفـسه منشـرح الـصدر مـسـرور الخاطـر.
وللحـديث بقـية إن شـاء الله ..

إلى الأعلى