الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / التشكيلي العماني موسى عمر .. معاصرة وتجريب وتمسك بالأصالة

التشكيلي العماني موسى عمر .. معاصرة وتجريب وتمسك بالأصالة

لا يمكن أن تقرأ تجربته بمعزل عن النسق التراثي الأصيل

مسقط ـ العمانية:
لا يمكن أن تقرأ تجربة الفنان التشكيلي العماني موسى عمر بمعزل عن النسق التراثي الأصيل فتجربته متماسة بشكل كبير جداً مع كل ما هو أصيل وتراثي. وذلك لا يتأتى عبر المعنى البسيط لمفردة التراثي، فموسى عمر مغرم بالتجريب وبمحاولات البحث عن صيغة جديدة له، فنجده يقدم كل ما هو جديد في أعماله طوال مسيرته التي تتسم بغزارة الإنتاج.
ويبدو هدف موسى عمر دائماً إيجاد صورة مختلفة لكنها أصيلة تحاكي الأنماط المخزونة في الذاكرة قد نقرأ فيها ماضياً طويلاً لكن نجد فيها الحاضر والمستقبل وفق رؤية فنان شديد الحساسية وقادر على المزج بين الأصالة والمعاصرة. تختصر تجربة الفنان موسى عمر الكثير من التفاصيل الداخلية والصياغات التي تعمل على تشكيل توليفة متناسقة بين اللون والظل لإيجاد مدن مختلفة لكنها متجانسة بشكل يحلم به كثيراً ونجده مترسخاً في كل أعماله. هذه الثيمة لاحظها بجلاء كبير الناقد التشكيلي العراقي نوري الراوي الذي قرأ تجربة موسى عمر فوجده يرصد مدينة عجيبة في أعماله، تلك التي تسكن عالماً رؤيوياً تشكل على مفترقاته اعترافات المشاهدين وحواراتهم الصامتة ، فيما تمنحهم الدواخل فرصة التنفس في فضاء آخر يفرضه حق الانفتاح والامتداد خلف (عالم المرايا) حيث تتوزع صوره وأشكاله المتناثرة على مساحة حدسية واسعة من الصعب تمثلها أو تقليدها، لأنها تتمثل في كينونة هي أقرب إلى جوانب الحب منها الى أي شيء آخر. وموسى عمر فنان شديد ” الحنين ” وشديد الارتباط بالذاكرة ، ففي معرض مشترك له مع إدريس الهوتي استرجع ذكرياته كاملة عن مدينة مطرح، ذكريات الطفولة والنشأة المختزلة للكثير من التجارب. لكن تلك التجارب وذلك الاختزال لا يأتي هكذا دون أن يجتر معه التفاصيل الملموسة فهو يستخدم ألوان (الأكريلك) لكن على القماش أو الخشب، إلى جانب لمسات من خامات أخرى بين الحين والآخر كالفحم والباستيل، وفي بعض لوحاته يستخدم الكولاج ، ويضع قطعاً صغيرة هي زركشات من ملابس نسائية”. والمتأمل في أعمال الفنان موسى عمر يجد أنها تبدأ وتنتهي بامرأة ويدور كل شيء بعد ذلك حولها .. ويجتر خلال ذلك الكثير من الذكريات والكثير من الأحداث التي تكون المرأة مركزا أساسياً لها. وفي كتابه المدن الحالمة الذي لم يكتف باللوحات ولكن ضم فيه الكثير من الدراسات والشهادات، وهو مرجع مهم لفهم تشكيلات الفنان موسى ورؤيته يقول زميل رحلته حسين عبيد ” في مدن موسى عمر نرى مشاهد أسلوبية تصب فيها إيقاعات مترادفة ، تحتفظ بنقائها التعبيري وبخصوصيتها العمانية من خلال هندسة أزقتها المتماسكة التي تنفرد باتصالات بصرية عالية لمعالم مقدسة أبعاد طقوسية لأشكال تمثل أصواتا موسيقية تمارس محاور لونية ذات معادلات جريئة من البني المحروق والأبيض الممزوج بمواد جيرية ، تحمل تنويعات من الخطوط المستقيمة والمتعرجة في اتجاهاتها ، بنظم تقنية عالية تهدف إلى إعطاء تأثيرات صادقة حول إنشائيات مكانية عجيبة تتزاحم فيها النوافذ والأبواب المفتوحة والأشكال الشعبية والعرائس والموتيفات المتداخلة بعضها ببعض لتشكل وحدة عضوية رائعة وسيادة ديناميكية متقدة تربط بين العناصر البصرية المتعددة من جانب والخلفيات المستخدمة من جانب آخر”. ويتحرك موسى عمر في لوحاته بمهارة وحميمية على الأرضية مستمداً ذلك من خصوصية الواقع والموروث العماني فهو يسعى لرسم مشاعره ، حيث إن حضارة العرب أقوى بكثير من غيرها ، وهو لا يعني بذلك التأسيس على مجريات الإبداع في العالم ، ولكنه يرى أن توافقا أكثر يتحقق ويتأكد بين تكوينه ومحصلته التاريخيين ، وبين تقنيات المعاصرة. ويلجأ الفنان لاستخدام ألوان أقرب إلى منطق القرية العمانية ، إن لم تكن ألوانا طينية لربط الحالة بالأرض. إن مدن موسى تعلن عن وجودها دائما من خلال طغيان تأثيرها على روح الفنان ، لذلك لا يخلو عمل من أعماله من المفردات الواضحة للموروث العماني ، فالأشكال الهندسية تأخذ لديه منحى دلالياً مغايرا يتحقق من خلال علائق ديناميكية، تربط فيما بينها ، فضلا عن الدلالة الفلكلورية لهذه الأشكال ، فهو يرسم روح الأشياء وروح المعنى ، لا روح الكائن ، محددا للمشاعر والقيم شكلا ولونا، من خلال دراما لونية تبحث عن مهارة بصرية تكفل للمتلقي المتعة وللمبدع التواصل ، وما التشكيل سوى لحظة بوح جميلة ، بسكونها ، وهواجسها ، وصخبها ، وأحلامها ، وألوانها على حد تعبير الفنان ماهر حسن. ورغم أن الكثيرين كتبوا عن الفنان موسى عمر إلا أنهم لم يستطيعوا أن يصنفوه ضمن مدرسة فنية بعينها؛ لأن الفنان لا يذهب بك إلى نهاية الأشياء لكونه يضعك عند بداياتها وعليك أن تكمل المشوار وحدك، وحدك وسط الأساطير والموروث بين الظلمة والضوء ، بين الصمت والصراخ ، بين العتمة والوضوح . وبشكل عام فإن المشهد الشعبي الذي يقدمه موسى كما يرى ذلك الكثير من نقاده ليس مشهدا ينطلق من مناخات السوق بل مشهد يعبر عن موقف جمالي وإنساني وعاطفة جياشة تأخذ الفنان بتأملات بصريات الطفولة ليستذكرها في مناخات السطح التصويري الجديد الذي أعطاه صفة مهمة فيما يذهب اليه من تحقيق في تلك المشاهد من خلال أكثر من صياغة تتصل بالتفكيك والتركيب فهو يقوم بإعادة انتاج المشاهد الفطرية في المادة البصرية المتاحة ليقدمها كلغة انسانية وعالمية دون أن تفقد معناها وصفتها الشرقية . عند موسى عمر تتحول الزخارف النباتية الى اشارات وخطوط تم تفكيكها لتتناغم مع صياغاته البصرية في السطح التصويري الواحد محافظا بذلك على رائحتها الأولى. ويمزج موسى عمر بين الحداثة والأصالة من خلال مشهديات بصرية تجمع بين فضاء التصوير الغربي وبين مادة الشرق البصرية حيث يقدم جذوره وما ينتمي إليه بلغة العصر ولا يتنازل عن ذلك كونه يمارس متعته في إيجاد تلك الاجواء التي تجمع بين حداثته وتاريخه البصري بل وأكد ذلك عبر انتقاله من السطح التصويري إلى مادة الصلصال ليحمل تلك الكتل ما كان متواجدا على الجرار من اشارات وزخارف فقد انتصر للمادة الاولى (الطين) ومادة الرسم نفسها ولكنه حقق ذلك في سطوحه التصويرية دون عناء، بل تجاوز ما سبق وان قدمه ليدخل في منطقة مهمة عليه الانتصار لها بشكل كامل.

إلى الأعلى