الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لا يوجد إرهاب وطني

لا يوجد إرهاب وطني

”.. استخدم الرئيس المصري الأسبق أنور السادات الإخوان لضرب اليسار وضمان رديف “يميني” لخطواته في الانفتاح على أميركا والصلح مع إسرائيل. فأخرج قيادات الإخوان من السجون وشجع شبابهم للسيطرة على الجامعات، فلما استقوت شوكتهم قليلا اغتالوه. وحين مول الغرب ودرب الأميركان شباب “الجهاد” في أفغانستان حاربوا الاحتلال السوفيتي ثم انقلبوا جماعات ارهابية تفجر المدنيين الابرياء من نيويورك وواشنطن إلى القاهرة وعمان مرورا بلندن ومدريد.”
ـــــــــــــــ

لا جدال في أن أي عملية سياسية في أي بلد يتعين ان تتضمن كافة الأطراف فيها، طالما يتشاركون المبدأ الأساسي للوطن وهو: أرض وشعب. لكن الجماعات “عابرة القومية” وذات الايديولوجيات التي تتعارض مبادئها مع الدولة الوطنية تماما لا يجوز ان تكون جزءا من تلك العملية. وقد خبرنا في التاريخ الحديث والمعاصر كيف أن جماعات متطرفة كونت أذرعا سياسية تروج لتخليها عن العنف وتبنيها لمعايير الديمقراطية والمشاركة السياسية لينتهي الأمر بعودتها لأصولها الايديولوجية عند اول منعطف. من المهم تذكر ذلك وسط ما تشهده المنطقة من محاولات “إعادة تأهيل الإرهاب” في اطار تحركات اقليمية ضمن الصراع مع إيران والتنافس على قيادة “المسلمين السنة” وإنفاذ استراتيجية أميركية/غربية (ضمنها إسرائيل) لتصعيد ما يسمى “إسلام سياسي معتدل” يقود المنطقة.
هناك الآن تحول واضح في المنطقة، لا أظنه في اليمن بل أساسه في سوريا وانعكاسه على البقية من تونس وليبيا إلى مصر والأردن. ففي سوريا الآن أكثر من عشرين جماعة جهادية تنسق فيما بينها بقيادة جبهة النصرة هي التي تحرز تقدما على الارض ضد الجيش السوري وميليشيات حزب الله التي تؤازره. وهناك بوادر انهاك حقيقي لما تبقى من الجيش الوطني في سوريا، ولن يبقى حينئذ سوى الصراع المفتوح بين “جماعات” طائفية تكفيرية يمكنها أن تحول المنطقة كلها إلى أفغانستان كبيرة تعاني الفشل والتخلف. ربما يظن البعض أنهم يمسكون بخيوط تمكنهم من الشد والجذب بغرض “ضبط” الأمور عند الحاجة لذلك. لكن التجارب المعاصرة كلها تشير إلى عكس ذلك، وأن رد الفعل العكسي لمهادنة الإرهاب وتشجيع الجماعات التي تتبنى أيديولوجيات دينية يمكن أن يكون كارثيا. والأمثلة لا حصر لها، ويمكن أن نعدد مرة أخرى نماذج واضحة خلفت دروسا لا يبدو أننا تعلمنا منها جيدا.
فقد استخدم الرئيس المصري الاسبق أنور السادات الإخوان لضرب اليسار وضمان رديف “يميني” لخطواته في الانفتاح على أميركا والصلح مع إسرائيل. فأخرج قيادات الإخوان من السجون وشجع شبابهم للسيطرة على الجامعات، فلما استقوت شوكتهم قليلا اغتالوه. وحين مول الغرب ودرب الأميركان شباب “الجهاد” في أفغانستان حاربوا الاحتلال السوفيتي ثم انقلبوا جماعات ارهابية تفجر المدنيين الابرياء من نيويورك وواشنطن الى القاهرة وعمان مرورا بلندن ومدريد. والأمثلة الأقرب لا تحصى، فلم يكن نصيب الدول التي فتحت أبوابها للإخوان باعتبارهم مضطهدين في بلادهم سوى محاولة هؤلاء تأليب أهل البلاد على حكامهم وسعوا في الأرض فسادا. ولمن أراد أن يبحث في أخبار أشهر قليلة وأعوام اقل مضت ليعثر على أمثلة لا تحصى.
نعم، حتى المجرمين لهم مؤسسات إعادة تأهيل وتعمل المجتمعات على إصلاحهم في مؤسسات كالسجون. لكن كم كانت “مراجعات” الجماعة الإسلامية في مصر مثلا وسيلة فقط للتعامل مع القمع الأمني من باب “الاستكانة إلى حين التمكين” وجاء التمكين مع حكم الإخوان بعد ثورة يناير وكان ما هو معروف للجميع. وحتى الآن لم تؤت برامج المناصحة تلك النتائج المرجوة، خاصة وأن المناخ العام لم يتغير تقريبا. إنما تكمن المشكلة في أن كل تلك المحاولات تعتمد على المسار ذاته، ومن ثم لا يتصور إلا أن يؤدي الاعتدال فيها إلى تطرف بشكل أو بآخر.
إن أخطر ما يثار الان هو ذلك التنظير المتطرف الذي يقول بامكانية “الجهاد الوطني”، أي تشجيع الجماعات المتشددة والمتطرفة بشرط أن تعمل ضمن ما يقرره ولي الأمر ـ أي الحاكم. فهذا المنحى يعني ببساطة ليس فقط “شرعنة الإرهاب” وانما افتعال صفة الوطنية لما هو نقيض للوطنية وفكرة الدولة أساسا. هل فكر أحد لماذا تستهدف الجماعات المتطرفة والإرهابية، وحتى جماعتهم الأم: الإخوان، الجيوش الوطنية في البلاد التي ينشطون فيها؟ ذلك ببساطة لأن المبادئ الأساسية للإخوان وكل الجماعات الخارجة من عباءتها تعني تراتبية ولاء وطاعة عمياء للأمير والمرشد وشيخ الجماعة. وهذا لا يستقيم مع طبيعة الجيوش الحديثة التي تلتزم نظام طاعة ضمن استراتيجية للوطن والدولة. فجماعات الدين السياسي ـ أي دين يدخل في السياسة ـ لا تعترف بدول وأوطان بل هي أممية بطبيعتها نطاقها العالم كله وهدفها تدمير ما يعوق أفكارها. لهذا حارب العرب وغيرهم في أفغنستان وحارب الشيشانيون والبوسنيون في بلاد العرب والقائمة تطول.
مرة أخرى، سننفق المال ونسهل التجنيد وتمرير السلاح والعتاد لمن يتقاطعون مع مصلحة آنية ضيقة ـ طائفية أو خلافه ـ في مناطق الصراع من ليبيا إلى اليمن ثم سترتد علينا كل هذه الجهود وبالا من إرهاب لا يعرف وطنا.

د.أحمد مصطفى : كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى