الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / في ذكرى حادثة الإسراء والمعراج
في ذكرى حادثة الإسراء والمعراج

في ذكرى حادثة الإسراء والمعراج

الخليلي: مرور هذه الذكرى بهذه الأمة يثير في نفوسها شجوناً خصوصاً في هذه الأيام والمسجد الأقصى يئنّ تحت وطأة الظلم والاضطهاد

على الأمة الإسلامية أن تتواصى بالحق والصبر وأن تتآمر بالمعروف وتتناهى عن المنكر فهما صماما الأمان لها وبدونها لا تقوم لها قائمة

شرّف الله رسوله إذ بوأه في المسجد الأقصى إمامة النبيين، هو دليل على أن رسالته مهيمنة على رسالاتهم جميعاً

إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
حري بنا نحن المسلمين أن نستذكر بعض ما قاله أهل العلم من مواعظ وخطب ومحاضرات ودروس .. ففي هذا اليوم ننشر هذه الكلمات التي قالها سماحة الشيخ العلامة احمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في إحدى خطبه عن حادثة (الإسراء والمعراج) والتي يجدر بنا نشرها عبر هذا المنبر وهي من الدرر التي ألقاها في أعوام مضت ..

يستهل سماحته الخطبة قائلاً: الحمد لله الذي بوأ هذه الأمة الدرجات السامقة، إذ أورثها مقدسات النبوات السابقة، وأتم عليها النعمة، إذ بعث فيها رسولا كريما، جمعها بعد شتاتها، ووحدها بعد تفرقها، وألف بينها بعد تنافرها، أحمده تعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا حد لغايته، ولا أمد لنهايته، يفوق حمد الحامدين، ويربو على شكر الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، وسار على نهجه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، أما بعد: فيا عباد الله (اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران 102 ـ 103).
وخاطب الحضور بقوله: واعلموا أن هذه الأيام أيام تمر بالأمة فيها ذكرى من أعز ذكرياتها، وهي ذكرى الإسراء الذي كان للنبي (صلى الله عليه وسلم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ليريه من آياته الكبرى وليبوئه الدرجات العلى، ولا ريب أن مرور هذه الذكرى بهذه الأمة يثير في نفوسها شجونا وشجونا؛ خصوصا في هذه الأيام والمسجد الأقصى يئنّ تحت وطأة الظلم والاضطهاد، والمسلمون يلقون ما يلقون من مآسيَ عظام، ومن مؤامرات وتحديات، وهذا أمر يستوقف كل ذي لب، فأولا قبل كل شيء يدعو إلى استنفار المسلمين جميعا من أجل التوبة النصوح والصلة بالله تبارك وتعالى فإن الصلة بالله تعالى هي التي تهون كل صعب، وهي التي تيسر كل عسير، وهي التي تقود الأمة إلى الخير كله، فإن الفاروق (رضي الله عنه) عندما جند الأجناد وصاهم بتقوى الله سبحانه وتعالى، وحذرهم من معصيته، وقال لهم: واعلموا أن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا والسلف الصالح إنما انتصروا على أعدائهم بما كان لهم من صلة بالله سبحانه وتعالى، كانوا يتبتلون بين يديه آناء الليل وآناء النهار، يحاسبون أنفسهم على ما قدموا وعلى ما أخروا، وكانوا أحذر من الذنوب منهم من أعدائهم، ثم بجانب ذلك لابد من اجتماع الشمل وتوحد الصف، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الفرقة عذابا والوحدة رحمة وقوة، يقول الله سبحانه وتعالى:(وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال/46)، وقد جعل الله تعالى هذه الأمة أمة وحدة فيما بينها كما أنها أمة توحيد لربها الذي تعبده، فهو القائل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران 102 ـ 103)، وقال سماحته: وعليها بجانب ذلك أن تتواصى بالحق وأن تتواصى بالصبر أي عليها أن تتآمر بالمعروف وأن تتناهى عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما صماما الأمان لهذه الأمة، وبدونها لا تقوم لها قائمة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول:(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج 40 ـ 41)، وعليها بعد ذلك أن تحرص على الجهاد بالنفس والجهاد بالمال قدر مستطاعها، ومن جهز غازيا كان كمن غزا كما جاء ذلك في الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والله سبحانه وتعالى حض على إنفاق المال في سبيله، يقول الله سبحانه وتعالى:)مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة ـ 245)، ويحض عباده على الإنفاق من قبل لات حين مناص حينما يأتي الإنسان ولا شفيع يشفع له، ولا مال يتجر به، ولا خلا يأزر إليه، فالله سبحانه وتعالى يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة ـ 254)، وكذلك يحذر الله سبحانه وتعالى من تأخير الإنفاق إلى ساعة الموت عندما يغص الإنسان بالموت، ثم يتمنى أن لو يفسح له في عمره ولو شيئا قليلا يسيرا حتى يتمكن من الإنفاق، فالله تبارك وتعالى يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم عن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون 9 ـ 11). وأوضح سماحة الشيخ في خطبته بقوله: وقد بين الله تعالى مضاعفته لأجور الذين ينفقون المال في سبيله عندما قال:(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 261)، فمن الذي يزهد في هذا الخير العظيم؟! ومن الذي لا يرغب في أن يجد بين يديه يوم القيامة رصيدا قد قدمه وهو في هذه الحياة الدنيا، يسعد به ذلك اليوم يوم لا يجد مالا ولا بنين، ولا يسعد الإنسان إلا بما قدم من عمل صالح يقربه إلى الله تبارك وتعالى زلفى؟!.فاتقوا الله يا عباد الله، وأنيبوا إلى الله، طهروا قلوبكم من رجس معصية الله، وصلوا أنفسكم بحبل الله المتين، واتبعوا نوره المبين، وعضوا بالنواجذ على ذكره الحكيم .. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروا الله يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم؛ إنه هو البر الكريم.
واستكمل سماحته الخطبة وقال: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره، وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين، أما بعد:
مذكّرا الحضور بقوله: فيا عباد الله إن في اختيار الله سبحانه وتعالى المسجد الحرام والمسجد الأقصى ليكون أولهما بداية لمسرى رسول (صلى الله عليه وسلم) ، وثانيهما نهاية لهذا الإسراء الذي شرف به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لدليل واضح على ما لهذين المسجدين من مكانة عظمى عند الله سبحانه، وقد شرف الله سبحانه عبده ورسوله (صلى الله عليه وسلم) إذ بوأه في المسجد الأقصى إمامة النبيين، وذلك دليل على أن رسالته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ مهيمنة على رسالاتهم جميعا، ثم بجانب ذلك كان استقبال هذه الأمة للمسجد الأقصى دليلا وعنوانا لما لهذا المسجد من مكانة عظيمة في الإسلام، ووجوب محافظة الأمة عليه وعلى حرماته حتى لا تنتهك أية حرمة من حرماته، فكما أن المسجد الحرام أمانة في يد هذه الأمة، كذلك المسجد الأقصى هو أمانة في يدها، عليها أن لا تفرط فيها، ومع هذا دل حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ما للمسجد الأقصى من مكانة متميزة بين المساجد؛ إذ ضمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المسجدين العظيمين المسجد الحرام ومسجده ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ عندما قال (صلى الله عليه وسلم):(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد إيلة)، فهذه المزية تدل على ما للمسجد الأقصى من مكانة كبيرة في الإسلام وفي نفوس هذه الأمة، فمن هنا كانت المحافظة عليه من ضروريات الدين، ومن مقتضيات العقيدة الإسلامية الحقة، وكان الجهاد من أجله أمرا محتما على هذه الأمة، فلذلك يجب على المسلمين جميعا قبل كل شيء أن يتآزروا فيما بينهم بعد توبتهم إلى الله سبحانه من كل مظلمة ومن كل سيئة قارفوها، وعليهم أن يتعاونوا كل بقدر استطاعته، فإن الله سبحانه وتعالى فتح باب الجهاد لعباده، وجعله أمرا قائما إلى قيام الساعة، الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، فالله تعالى يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف 10 ـ 13).
مختتماً سماحته الخطبة بقوله: فاتقوا الله يا عباد الله، وسارعوا إلى ما أمركم الله تعالى به (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران/ 133 ـ 135).

* المصدر (موقع القبس الالكتروني ـ للشيخ عبدالله القنوبي)

إلى الأعلى