الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قياس الوزن .. والانتصار لمبدأ الاكتفاء

قياس الوزن .. والانتصار لمبدأ الاكتفاء

عادل سعد

من الاعتقاد الذي ينبغي أن نتوقف عنده، أننا عربيًّا أبعد الأمم من مفهوم الوحدة الحسابية الاقتصادية التي يفترض أن يعتمدها المواطن الواحد، أو الأسرة الواحدة في رسم قاعدة بيانات لوضعه المعاشي في ضوء مداخله المالية، وما يترتب عليه من متطلبات، بما فيها متطلبات السكن والنقل والطعام، والملبس، والاستجمام، إذا كان يتطلع إلى مثل هذا النوع من فرص الراحة.
وأقول إننا أبعد الأمم في افتقاد مناهج من هذا النوع، فلا أعني التعميم المطلق، ولكن النسبة الكبرى منا لا تجيد اعتماد برامج تضعنا أمام مسؤوليات جادة يومية وطويلة الأمد في هذا الشأن، إذ ما زال هناك هامش واضح من الاتكالية على الغيبية في تهريب المدخولات باتجاه نزعات استهلاكية واضحة، وكأن الاقتناء ومواصلة الصرف المالي، وتأثيث الحاجات، قدر لا بدّ منه للإرضاء النفسي والاجتماعي في بعض الأحيان، وتحضرني هنا إحصاءات عن التضارب في التوجهات المعاشيه داخل الأسرة الواحدة، حيث تبين أن ذلك هو أحد أسباب الطلاق بنسب تصل إلى 20% منه في المحاكم العراقية، وأعتقد أيضًا أنها سبب في دول عربية أخرى ضمن قائمة الخلافات العائلية، ولكن لا توجد لدي إحصاءات بشأنها.
وعودة على بدء، أصبح تنظيم ميزانية الأسرة الواحدة أو الفرد الواحد، أحد الواجبات الأساسية التي ينبغي العمل بموجبها لمواجهة الكثير من التحديات التي تتعلق بتعقد المشهد الاقتصادي وزيادة النزعة الاستهلاكية.
إننا نخوض في حياتنا اليومية سباقًا مع حاجاتنا الاستهلاكية والسلع الاقتنائية دون أن ندرك مخاطر هذه النزعة في بعض الأحيان، وفي موازاة ذلك يظل الشعور بالاكتفاء المرتكز إلى القناعة واحدًا من الانتصارات الأخلاقية الرائدة التي تكفل للمواطن، أي مواطن فرصة التجرد من الشراهة وبالتالي الاستغناء عن العديد من المقتنيات، وعندها يكون قد أسهم إلى حد بعيد في كسب رهان المواطنة الحقيقية ذات الاعتبار القائم على الواجب الاقتصادي التضامني؛ لأننا عمومًا مبذرون وننظر في أغلب الأحيان إلى الآخرين لكي نقلدهم مع أننا في منطقة مستهدفة بمخاطر الإصابة بالأزمات الاقتصادية، وقياسًا على ذلك ليس من المنطق معالجة الضغوط الحضارية بهذا النوع من الأدوية المسكنة تأسيسًا لتشخيص نفسي يقول إن الناس إذا شعروا بالتعاسة خرجوا إلى الأسواق من أجل الشراء لمجرد التخفيف من الإحباط.
وإذا أردنا التشخيص الاقتصادي الأوسع نشير إلى أن الفوضى واللامبالاة والتعكز على المثل الساذج (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب) هو أحد العناوين اليومية السيئة للتصرف الاقتصادي غير المتوازن على صعيد الأفراد والأسر، إذ يسحبه إلى دوامة الشراهة والتأجيج الاستهلاكي المستمر والمفاخرة بذلك، على غرار المفاخرة التي اعتمدها وزير العدل المصري صابر محفوظ وأجبرته على الاستقالة وكأنه أراد أن يقول إن الفقراء لا ينبغي لهم أن يتطلعوا أكثر وإن قياس الوزن الاجتماعي يقوم على ما يملك الفرد، وهذا قياس معيب في كل الاعتبارات.
إن الوقوع في فخ الاستهلاك وعدم الموازنة الاقتصادية له تأثيرات جانبية أخرى في دورة الاقتصاد الوطني لأية دولة من الدول، مع ملاحظة أن تقارير كثيرة أجمعت بما لا يقبل الشك أن نزعة المواطن في عدم الموازنة بين دخوله المالية وصرفياته هي واحد من أخطر منافذ الأزمات التي تضرب بعض البلدان، خاصة إذا وقعت بعض الشعوب تحت ضغط الإسراف المفتوح والشراهة المعاشية المرضية، كما هو الحال في عدد من مجتمعات الدول الصناعية المتقدمة التي يذهب مواطنوها صاغرين لاستبدال ما لديها من مقتنيات تقنية شخصية ومنزلية، ونستطيع أن نلمس ذلك بصورة واضحة من خلال استخدام مفهوم (الأجيال) بإطلاقه على سلع من هذا النوع سنويًّا والترويج له عبر كل وسائل الإعلان بمحاصرة عقل الفرد من أجل مصادرته وإجباره على الشراء وتمتد هذه (اللعبة) من مقدحة الدخان إلى الهاتف النقال، إلى ساعة اليد، إلى مقتنيات أخرى لا ضرورة لها في كل الأحوال لكنها تصبح في نظر المستهلك غاية لا بد من تحقيقها.

إلى الأعلى