السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عن الفلاشا والعنصرية المتجددة في “إسرائيل”

عن الفلاشا والعنصرية المتجددة في “إسرائيل”

علي بدوان

هَزّت تل أبيب والقدس خلال الأسبوع الماضي، مجموعة من الاضطرابات والمظاهرات الاحتجاجية التي قام بها يهود الفلاشا الإثيوبيون، الذين تقارب أعدادهم نحو (135) ألف يهودي إثيوبي أي ما يساوي (2%) من التعداد العام للسكان في “إسرائيل”، كتعبير عن السخط العام جراء تزايد الفوارق الطبقية في مستويات الحياة الاقتصادية وفرص العمل ومجالات التعليم والإسكان وغيرها، والتي ما زالت تسود بين اليهود أنفسهم داخل الدولة العبرية، وخاصة بين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الإشكناز) بشكلٍ عام. وهو ما دفع الرئيس “الإسرائيلي” رؤبين ريفلين الآتي من حزب الليكود لإطلاق صيحته والقول “نعم اُرتكبت أخطاء بحق اليهود الإثيوبيين، فقد كَشَفَت التظاهرات في القدس وتل أبيب جرحًا مفتوحًا في قلب المجتمع الإسرائيلي. معاناة مُجتمع يَصرخ بسبب شعوره بالتمييز والعنصرية دون أن يلقى استجابة”.
لقد طال التمييز العنصري يهود الفلاشا في سوق العمل حيث يُقبَل هؤلاء في المهن الدنيا شأن تنظيف الشوارع ودورات المياه، ويعاني معظم أبناء الطائفة التمييز في السكن فلا يتمكن أسود من استئجار منزل في مستوطنة يسكنها البيض حصرًا، وعليه من المنطقي أن يسجل الفلاشا أكبر نسبة من الباحثين عن العمل في الكيان الصهيوني إذ من البطالة تنمو الجريمة والجنوح حيث يعتبر أبناء الطائفة الأكثر حضورًا في سجون الكيان الصهيوني بتهم متعلقة بالمخدرات والجريمة وغيرها. وثمة مصادر عديدة تؤكد أن سجناء يهود الفلاشا يصل إلى (40%) من حجم المساجين الجنائيين في الكيان الصهيوني.
اليهود الإثيوبيون، أو يهود الفلاشا، ساعد على جلبهم للاستيطان في فلسطين الرئيس السوداني السبق جعفر النميري عام 1984 في صفقة تم الكشف عنها بشكلٍ سريع في حينها في عملية أطلق عليها عملية (عملية موسى) وتم من خلالها نقل عشرات الآلاف من يهود الفلاشا إلى فلسطين المحتلة، واستكلمت عملية جلبهم إلى فلسطين المحتلة في العام 1991 في (عملية سليمان)، وقد جاءت غالبيتهم للهجرة طلبًا لتحسين أوضاعهم الاقتصادية وليس إيمانًا واعتقادًا بالرواية التوراتية. كما أن الدولة الصهيونية عملت على استقطابهم وجلبهم على ضوء نفاد ونضوب مستودع الهجرة إلى فلسطيني ومن أجل تجنيدهم في إطار الطاقة البشرية للجيش، فاكتشفت يهوديتهم بشكلٍ مفاجئ وعملت على جلبهم.
إذًا، الاحتجاجات ذات مضمون طبقي بالدرجة الأولى، كما هي ذات مضمون عنصري، عندما يقع سيف التمييز عند أعلى المؤسسات في إسرائيل بين اليهود أنفسهم طبقًا لجذورهم القومية وحتى الإثنية، فهناك من يشكك أصلًا بيهودية جاليات الفلاشا الإثيوبية من الحاخامات ومن عتاة الصهاينة في “إسرائيل”. كما في وجود الاستقطاب الطبقي المُتسع تدريجيًّا، وهو الإستقطاب الذي يَجعل الهوة بين النخبة الغنية جدًّا والفئات المسحوقة هوة مُتزايدة يومًا بعد يوم، وهو يؤدي بالحالة المجتمعية للسقوط في مهاوي العنصرية البهيمية المعادية للعرب الفلسطينيين داخل “إسرائيل” أولًا، وبين اليهود أنفسهم ثانيًا طبقًا لجذورهم القومية.
إن يهود الفلاشا كانوا إضافة ديمغرافية لا تعوض بالنسبة للكيان الصهيوني الذي تتناقص الهجرات، لكن العناية التي أحاطت بهم في سنوات قدومهم الأولى إلى فلسطين المحتلة تراجعت عندما بدأت تتدفق هجرة اليهود الروس إلى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حتى ناهزت المليون مهاجر وبدا معها أن الدولة الصهيونية باتت قابلة للحياة ديمغرافيًّا على الأقل لسنوات طوال الأمر الذي عزز تهميش الفلاشا الذين شكك كثيرون بيهوديتهم ونظمت حلقات البحث والتدقيق التي اعتبرتهم من بقايا اليهود الهاربين من اليمن.
ونسترجع هنا حادثة ذات دلالات قاطعة وقعت أواخر العام 2013 عندما انتشر خبر في تل أبيب مفاده أن النائبة الفلاشية السابقة من أصل إثيوبي (تامانو شاتا) ذهبت للتبرع بدمها، لكن المسؤول عن مشفى التبرع بالدم رفض تبرعها بسبب تعليمات حكومية ترفض قبول دم طائفة الفلاشا. وأن المشفى نفسه كان قد تخلص من دماء تبرع بها يهود سود البشرة لعدم صلاحيتها، ومنذ ذلك الحين اتخذت الحكومة قرارًا بمنع الفلاشا من التبرع بدمهم. تلك الحادثة تدل على المستويات التي وصلت إليها حالات النزوع العنصري في الكيان الصهيوني بين اليهود أنفسهم طبقًا لجذورهم القومية ولون بشرتهم.
هنا علينا أن نلاحظ، نمو ظاهرة العودة إلى الجذور(الاثنية/القومية) حيث هناك (35 هوية قومية للأصول السكانية في إسرائيل)، خاصة عند اليهود الجُدد الذين قدموا للاستيطان، مع اتساع الهوة الطبقية بين قطاعات اليهود في “إسرائيل”، بين الفقراء والأغنياء، بين القاعدة العريضة اليهودية السفاردية الشرقية التي تُشكّل قاعدة الأحزاب وبنية الجيش البشرية التحتية (أداة إسرائيل المقاتلة) وبين الفئات اليهودية الاشكنازية الغربية التي يمثل أفرادها أبناء الست مقابل أبناء الجارية من يهود السفارديم، وهو ما أفصح عنه النائب في الكنيست عن حزب ميرتس اليهودي الشرقي (من السفارديم) ران كوهين في تقريره إلى رئيس الدولة الصهيونية في حينها موشي كتساب، وإلى رئيس الكنيست آنذاك أيضًا أبراهام بورج، حيث قال: “إن الهوة تزداد بين الشرقيين والغربيين، بين الفقراء والأغنياء، فالعشرية الأولى من المجتمع تمتلك (800) مليار شيكل، في حين يمتلك (90%) من المجتمع (340) مليار شيكل فقط” وأضاف كوهين بأن “لا الدبابة ولا الطائرة يمكن لها أن تضمن أمن إسرائيل إذا كان المجتمع المدني يتفكك”.
الحديث عن التمييز وانتقاده موجود بين الأحزاب “الإسرائيلية” بمختلف عناوينها وانحيازاتها بما يخص اليهود الشرقيين لكنه غير مسموع عن أبناء الشعب الفلسطيني داخل “إسرائيل”، فالرؤى العنصرية المُستقلَبَة مرآتيًّا للدولة الصهيونية ما زالت وستبقى قائمة. فحكومات “إسرائيل” تقوم عمليًّا بإنتاج أبارتهايد مُنظم لفلسطينيي الداخل 1948، ضمن دولة تُسمي نفسها “يهودية وديمقراطية”، ووراء الخطوط في الضفة الغربية “تسوية ما زالت عائمة عنوانها تسوية على أساس فكرة الدولتين”، وهو تحوّل تتحكم في إيقاعه عوامل إقليمية ودولية، أكثر ممّا هي فلسطينية وعربية.
أخيرًا، نشير إلى أن احتجاجات ومظاهرات يهود الفلاشا الإثيوبيين في “إسرائيل” ليست صاعقة في سماءٍ صافية، بل تلخص إلى حد كبير طبيعة وبنية الدولة العبرية التي يرى البعض فيها أهمية العمل لإعادة توحيد ذاتها تحت عنوان “الدولة اليهودية النقية”، وهو شعار بات من خلف التاريخ. ونشير هنا، ووفقًا لبيانات ومعطيات أواخر العام 2014، فإن سكان الدولة “الإسرائيلية” من اليهود، يتوزعون طبقًا لأصولهم القومية ومنابتهم، وفق النسب الرئيسية التالية: (1,9) مليون من اليهود من أصول (أوروبية – أميركية). ونحو (858) ألفا من أصول تعود إلى دول الإتحاد السوفييتي السابق، وهذه المجموعة السكانية هي الأكبر في “إسرائيل” بعد التحول الديمغرافي الذي طرأ مع هجرة مليون وربع مليون يهودي من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق لفلسطين المحتلة سنوات تسعينيات القرن الماضي. ونحو (500) ألف من أصل مغربي. ونحو (30) ألفا من أصل بولندي وروماني. ونحو (180) ألف من أصل عراقي. ونحو (180) ألف من أصل يمني. وعدة آلاف من اليهود الفلاشا/الإثيوبيين، والباقي من أصول مختلفة (كردي، سوري، إيراني، مصري، تركي …)، ويدخل في الأرقام السابقة سكان المستعمرات المقامة فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.

إلى الأعلى