الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النكبة في ذكراها الجديدة

النكبة في ذكراها الجديدة

د. فايز رشيد

” .. إن انتصاري المقاومة الوطنية اللبنانية في عامي2006،2000 وصمود المقاومة الفلسطينية وإفشالها للمخططات الصهيوني جرّاء عدوان 2014 على قطاع غزة وكافة الحروب العدوانية السلبقة على القطاع… ساهم تماماً في إزالة شبح الخوف من البعبع الإسرائيلي، وأثبت بما لا يقبل مجالاً للشك، إمكانية هزيمة هذا الكيان, فيما لو توفرت الإرادة.”
ـــــــــــــــــــــــــ
15 أيار من كل عام ذكرى نكبتنا الأولى عام 1948! هذه الذكرى المشؤومة في تاريخنا الفلسطيني والعربي .. يوم جرى ترسيم دولة الكيان القسرية بفعل المؤامرة الاستعمارية – الصهيونية بالتعاون مع بعض الأنظمة العربية في تلك الفترة! يوم زُرع السرطان في الجسد العربي ليمنع تحرره الحقيقي فلا تحرر قومي عربي دون اجتثاث السرطان الصهيوني من جذوره, تماما كالتعامل مع السرطان في الجسد الإنساني, فإسرائيل والسرطان والصهيونية والاحتلال هي من أصول واحدة قذرة الشكل والمضمون, وكلها تهدف إلى القتل للإنسان ولكل جمال في الحياة! هذه هي الحقيقة الأولى. هذه الظواهر كانت وهي وستظل عابرة في التاريخ الإنساني مهما طال تغلغلها السرطاني.. لكنها وكما قلنا :وبالحتم ماضية إلى الزوال .. هذه هي الحقيقة الثانية. أما الحقيقة الثالثة فهي أن لا فرق بين الفلسطينية والعربية فالأولى هي فرع من الثانية.. لذا فإن أبناء أمتنا العربية الخالدة من المحيط إلى الخليج سيظلون يحملون قضيتنا الفلسطينية في عيونهم قبل أدمغتهم وجهودهم ونضالاتهم. احتفل الكيان بمناسبة ذكرى إنشائه. استقلال الصهاينة هو نكبتنا الفلسطينية العربية الإنسانية. بعد ما يقارب الـ 67عاماً على إنشاء الكيان, ليس من الصعب على المراقب أن يلاحظ وبلا أدنى شك،أن جملة التطورات التي حدثت على الصعيدين الرسمي والاجتماعي في المدى المقارب لما يزيد عن الستة عقود زمنية منذ الإنشاء، تتلخص في الجنوح مزيداً نحو التطرف والعنصرية … ذلك أن الايديولوجيا الصهيونية ذات الجذور التوراتية ما زالت هي الأساس والمنبع للسياسات الإسرائيلية في المناحي المختلفة, أي أننا أمام صورة أبقت على المضامين كأهداف استراتيجية (ومنها تلك التي ما زالت تطرح في الإطار الشعاراتي السابق لها) على قاعدة تعزيز هذه الشعارات مثل: “يهودية الدولة” و”عقيدة الأمن “الإسرائيلي”.
بالنسبة للأهداف الاستراتيجية الأخرى فقد بقيت تحمل نفس المضمون،ولكن مع اختلاف بسيط في نمطية الشعارات المطروحة لتحقيقها مقارنة مع مثيلاتها لدى ترسيم إقامة الكيان.هذه الشعارات اخذت تبدو وكأنها أكثر مرونة لكنها المرونة التكتيكية التي لا تتعارض مع الجوهر،بل هي تتواءم وتصل حدود التماهي معه،ولكن مع الحرص على إعطائها شكلاً انتقالياً جديداً للتحقيق… وذلك لاعتبارات سياسية وإقليمية ودولية تحتم هذا الشكل الانتقالي، ولكن على قاعدة الاتكاء على ذات الايديولوجيا .. فمثلاً فإن الهدف في إنشاء ” دولة إسرائيل الكبرى” والذي كان مطلباً ملحاً ما قبل وعند إنشاء الدولة … أصبح بفعل المستجدات السياسية الموضوعية مسألة صعبة التحقيق إن لم تكن مستحيلة… وبالتالي فإن السيطرة تحوّلت من الشكل المباشر عبر الاحتلال إلى شكل آخر غير مباشر، وهو السعي لتحقيق ذات السيطرة من خلال السيادة والهيمنة والتحكم الاقتصادي(على سبيل المثال) ولذلك فإن الخلفية التي أصبحت تتحكم في النظرة الإسرائيلية إن على صعيد رؤية الذات كالدولة الأهم في المنطقة أو على صعيد العلاقة مع الدول العربية والإقليمية , تقوم على نظرية السيادة والتسيّد المطلق.
أما لماذا التحوّل من شكل الهيمنة الجغرافية إلى الأخرى الاقتصادية فإن ذلك يعود إلى:
أولا: وجود عقبات فعلية أمام تطبيق المشروع الصهيوني لأسباب خاصة باليهود أنفسهم، فالخطة الصهيو-إسرائيلية بتهجير كافة يهود العالم إلى إسرائيل, واجهت وما زالت تواجه مصاعب كبيرة, بالتالي فإن أي احتلال إسرائيلي لمناطق جغرافية جديدة يلزمه بُعد ديموغرافي عسكري , وهو ما يفتقده الكيان.
ثانيا: العامل الفلسطيني ذاته، والذي عبّر عن نفسه أكثر بالمقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها, وبخاصة العسكرية منها، الذي فرمل الحلم الصهيوني من جهة، ومن جهة اخرى عمل على الحد من الهجرة اليهودية إلى الكيان، كما ساهم في رفع وتيرة الهجرة المعاكسة منها نتيجة لانعدام الأمن.
ثالثا:عوامل شعبية عربية بالضرورة. فاصطفاف الجماهير العربية مع القضية الفلسطينية واعتبارها قضيتها الرئيسية،وفشل التطبيع معها(تجربة الشعب المصري بشكل رئيسي بعد اتفاقيات كمب ديفيد) كما الرفض الرسمي الصهيوني لما يسمى بـ “مبادرة السلام العربية” إضافة إلى العدوانية الصهيونية الدائمة على الفلسطينيين والعرب (كما العدوان الإسرائيلي في عام 2006 على لبنان، وقصف مواقع في سوريا وبلدان عربية أخرى والعدوان على غزة 2014) كل ذلك وغيره يعلق الجرس في أذهان العرب على الخطر المستقبلي الصهيوني على الفلسطينيين والعرب.
رابعا: عوامل دولية فإذا ما استثنينا الاحتلال الأميركي الذي قام في العراق( وما زالت آثاره باقية) وأفغانستان, فإن الاحتلال الوحيد الذي بقي في القرن الواحد والعشرين هو الاحتلال الصهيوني الكياني للأراضي العربية الفلسطينية.بمعنى آخر فإن طبيعة التحولات السياسية على الصعيد العالمي والتفاف شرائح كثيرة دولية حول الحقوق الوطنية الفلسطينية وشرعية المطالبة بها والنضال من اجلها، إضافة إلى قرارات الأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية ووجود عالم القطبين(حتى انهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية) ووجود دلائل على إمكانية إحياء هذه الظاهرة من خلال روسيا وإلى حد ما الصين، والكره الذي تنظر به غالبية شعوب العالم إلى ظاهرة الاستعمار واحتلال أراضي الغير وارتفاع وتيرة المطالبة بحقوق الإنسان، كل ذلك وغيره من العوامل: يجعل إمكانية احتلال إسرائيل لأراض عربية جديدة إمكانية غير واقعية وستكون مُدانّة دولياً فيما لوجرى تنفيذها.
من جانب آخر فإن انتصاري المقاومة الوطنية اللبنانية في عامي2006،2000 وصمود المقاومة الفلسطينية وإفشالها للمخططات الصهيوني جرّاء عدوان 2014 على قطاع غزة وكافة الحروب العدوانية السلبقة على القطاع… ساهم تماماً في إزالة شبح الخوف من البعبع الإسرائيلي، وأثبت بما لا يقبل مجالاً للشك، إمكانية هزيمة هذا الكيان, فيما لو توفرت الإرادة. وعلينا ان لا ننسى ما قاله رابين في حياته, للصحفي الإسرائيلي حاييم بار الذي نشر منذ أعوام في مقابلة الصحفي مع رابين: “إن اضطراري لتوقيع اتفاقيات أوسلو في أحد جوانبه يتمثل: في شكي في القدرة القتالية الحالية لجيش الدفاع الإسرائيلي ومن أجل إحكام السيطرة على الفلسطينيين عندما نُحضرهم إلى يهودا والسامرة”. رابين أيضا وبعد احتلال الأراضي العربية في حرب عام 1967, قال في مذكراته ” لقد بكيت عندما رأيت الأراضي الواسعة التي قمنا باحتلالها… لكني تساءلت في ذات الوقت كم هو صعب علينا الاحتفاظ بها”.
في نفس السياق يأتي التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين وقضيتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالولوج إلى شكل توافقي يحقق الهدف الاستراتيجي في (الدولة اليهودية) دون الاصطدام مستقبلاً بالقنبلة الديموغرافية التي يشكلونها مستقبلاً…فمن مبدأ التنكر المطلق لحقوقهم الوطنية باعتبار أراضيهم تشكل “جزءا من الوطن اليهودي وإسرائيل تتنازل عن هذا الحق”, ستعطيهم إسرائيل ما تتصوره “نمطاً من الحقوق” يجمع ما بين السيطرة الفعلية الإسرائيلية كعامل متحكم في شؤونهم السيادية, باستثناء إشرافهم المباشر على القضايا الحياتية، ومن مبدأ التخلص المباشر من معظمهم في منطقة 48, من خلال وقائع اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية عسكرية قمعية .. تدفع بالكثيرين منهم إلى الهجرة الطوعية, ولذلك تفتق الذهن الإسرائيلي عن الحكم الذاتي،الذي يُقدّم إليهم في مشاريع(سلامية) وتحت مسميات مختلفة، وكلها تضمن لـ إسرائيل السيادة الفعلية على أكثر من ثلاثة أرباع الضفة الغربية من خلال المستوطنات وعوامل الأمن الإسرائيلي الأخرى. هذه الحلول لن يقبلها الفلسطينيون وإن تعاملت معه سلطتهم في رام الله. في ذكرى النكبة في عامها السابع والستين كل التحية إلى أرواح كل شهدائنا الأبطال الذين مضوا على طريق النضال وإلى أسرانا الأبطال في سجون العدو الصهيوني. المجد لفلسطين وللأمة العربية

إلى الأعلى