الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية: التحديات والحلول (3-3)

مستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية: التحديات والحلول (3-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” إن المجتمعات التي لا تعرف ظاهرة التعدد سواء على المستوى العرقي أو الديني أو اللغوي أو الطائفي او المذهبي غالباً ما تكون أقرب إلى الاستقرار السياسي من تلك التي تعرف التعددية, ورغم ذلك فان العيب ليس في التعددية بشكل مباشر وإنما في استراتيجيات النخب الحاكمة في التعامل مع هذه التعددية,”
ــــــــــــــــــــــ
رابعا : التطرف الفكري والإيديولوجي: الذي يستند الى مشاعر الحنق والامتعاض والسخط جراء مشكلة التهميش والتمييز السلبي في كثير من الأوقات لفئات معينة من شرائح المجتمع, وخصوصا فئة الشباب ولا سيما الطبقة المتعلمة والمثقفة منهم, حيال العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة, وللأسف الشديد، فقد انعكس الواقع السياسي سلبا وبشكل مباشر على التكوين النفسي والثقافي لفئة الشباب في هذا المنطقة ـ العربية ككل وليس الخليجية فقط ـ حيث تشير العديد من الإحصائيات والدراسات الموثقة, ان نسبة تتجاوز الـ 70% من الشباب العربي محبط من إمكانية تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في ظل الأنظمة السياسية الراهنة, وان أكثر من 25% تعيش حالة من الانفصام عن الواقع العربي, وتعيش حالة من عدم الاكتراث واللامبالاة بذلك الواقع وقضاياه, وباقي النسبة تتذبذب بين الأمل واليأس والخوف والحقد والتمني, وهو ما يدل على أعلى درجات الاغتراب السياسي والثقافي للشباب العربي. في وطنه.
ويكفي هنا ان نشير إلى ما حدث في بعض الدول العربية التي أهملت الاهتمام بهويتها الوطنية على حساب متطلبات الانفتاح وسوق العمل وترسيخ مكانة أنظمتها السياسية, فقد أصبح شبابها اليوم يعيش حالة من الضياع والتخبط وفقدان الهوية الوطنية, وتراجعت لديهم مشاعر الولاء والانتماء للوطن والأرض, أمام طوفان التحولات السياسية والمتطلبات الاقتصادية والمعيشية اليومية وتجاذبات التيارات الثقافية والانفتاح الكبير الذي تشهده دول المنطقة على العالم الخارجي في ظل العولمة العابرة للقارات, حيث ان العديد من الشباب العربي اليوم يعيش ما يمكن ان نطلق عليه بالإحساس بالغربة الوطنية وفقدان الدفء الوطني, يعيش فترة صعبة من تراجع منسوب الهوية الوطنية, وبالتالي تراجع قيم الولاء والانتماء للوطن, لدرجة أننا نستطيع ان نؤكد بان هناك العديد من الشباب العربي سينقلب ان طال به الأمد دون معالجة لأوضاعه ومتطلباته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية على أوطانه نفسها, وسيندفع وراء تيارات وثقافات هجينة مستوردة تؤمن بالثوابت من القيم والمعتقدات والأخلاق.
ولقد انتهج الشباب العربي عددا من المناهج والطرق المؤلمة للخروج من تلك الحالة من الاغتراب الوطني, كان من أبرزها تحول الشباب الى المواجهة المباشرة, والمواجهة هنا أتت متخذة شكلين, أولها: الانضمام الى التنظيمات السياسية والاجتماعية والثقافية الشبابية الداخلية, وغيرها من التنظيمات التي يراد من وراءها تخريب الممتلكات وثروات الوطن وإسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة, كردة فعل عكسية على نظرتها للوطن من خلال النظام السياسي الذي لا تشاهد فيه غير الظلم والقسوة, وهو ما دفعها الى التمرد في نهاية المطاف على تلك الأنظمة, أما الشكل الثاني فقد اتخذ حالة من العنف السياسي والعسكري المنظم, مدعوما من الخارج بالمال والأفكار المستوردة والخارجة عن تعاليم الدين الإسلامي, وليس اصدق على ذلك من التفجيرات والمواجهات المسلحة مع الأنظمة في العديد من الدول العربية, وباختصار ( فان حالة الإحباط التي يعيشها الشباب العربي على الصعيد السياسي والاقتصادي نشطت حالة العنف لديهم , فتبلورت في العقل الجمعي بصفة عامة وفي عقل الشباب العربي على وجه الخصوص وباعتبارها أفضل السبل لنيل الحقوق وأفضل الطرق لحل الكثير من القضايا وتلبية العديد من المتطلبات المعيشية).
خامسا: الطائفية: إن المجتمعات التي لا تعرف ظاهرة التعدد سواء على المستوى العرقي أو الديني أو اللغوي أو الطائفي او المذهبي غالباً ما تكون أقرب إلى الاستقرار السياسي من تلك التي تعرف التعددية, ورغم ذلك فان العيب ليس في التعددية بشكل مباشر وإنما في استراتيجيات النخب الحاكمة في التعامل مع هذه التعددية, وهنا نميز بين نوعين مختلفين منهما: أحدهما يتعامل مع الأقلية من منطق الاستيعاب بالقوة, والثاني يتعامل مع الأقلية من منطق المساواة في الحقوق والواجبات, عليه فإن النموذج الأول غالباً ما ينتج عنه بروز الولاءات غير الوطنية أو ما يدعى بالولاءات التحتية, وبالتالي مطالبة بالاستقلال أو حكم ذاتي او التمرد والثورات والمطالبات بإسقاط النظام الحاكم مع الوقت.
عليه فانه يجب ان لا يتم تجاهل التعاطي السياسي والاجتماعي مع هذه المشكلة والتي ستدفع في نهاية المطاف تلك المجموعات باختلافاتها وتنوعاتها التعددية سواء كانت المذهبية او الطائفية وما الى ذلك الى التشدد أكثر تجاه العديد من القضايا الوطنية في مختلف الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية وما الى ذلك, وخصوصا نظرتها الى الولاء السياسي, واقصد به, الولاء لأنظمتها السياسية الحاكمة, ما سيدفعها الى الاستعانة بالخارج كالمنظمات الحقوقية والدولية او حتى من خلال الاستعانة بغيرها من المنظمات والتنظيمات المتشددة والمتطرفة لإسقاط الأنظمة الحاكمة.
ختاما فإننا سنطرح ابرز الحلول المتوفرة والممكن الاستناد إليها لتقليص مخاطر تلك التهديدات والتحديات التي تواجه استقرار وامن الأنظمة الخليجية خلال الفترة القائمة والمستقبلية,, مع التأكيد كذلك بأنها ليست سوى حلول نجد من وجهة نظرنا بأنها حلول رئيسية, عليه فان هناك حلولا أخرى يمكن الاستناد إليها وعليها في احتواء تلك التحديات والمخاطر , ومن ابرز ما نعتبره من الحلول في هذا السياق التالي:
أولا : ارتفاع إدراك ووعي وإيمان الأنظمة السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي الى فكرة: ان صمام الأمان الأهم لاستقرار المنطقة من التهديدات الخارجية العابرة للقارات وحتى تلك الداخلية هي شعوب المنطقة نفسها والمناعة الداخلية والوطنية, وبالتالي استقرارها يكمن في استقرار شعوبها من مختلف النواحي المادية والمعنوية, وان أية أفكار أخرى تسير او توجه في عكس هذه الاتجاه او التيار لن تؤدي سوى الى استمرار الخلافات الداخلية والانقسامات الوطنية, وهو ما سيؤدي بدوره الى تفاقم حالة الفوضى الهدامة وعدم الاستقرار, والذي بدوره كذلك سيؤدي الى إفساح المجال للتدخلات الخارجية والاختراقات الاستعمارية.
ثانيا: التشاركية في اتخاذ القرارات المصيرية وخصوصا تلك التي تلامس الحياة اليومية للشعوب, فالتفاعل والتشارك بين
( الحاكم والمحكوم اجتماعيا وضمن حدود الفضيلة الأخلاقية التي تركز على فضيلة الوسط , يخدم هدف بلورة ارتباط ووحدة اجتماعية أقوى, أو كما يسميه أرسطو بـ ” وحدة المشاعر ” , وهذه الوحدة تعني تحقيق انسجام قائم على فضيلة الوسط بين المجتمع والذات من جهة والمجتمع والدولة من جهة أخرى ….. وبناء عليه فان لعدالة لا تكمن في عالم مثالي فحسب, وإنما تستقي أيضا من معطيات الواقع وطبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية السائدة)
ثالثا: تدعيم أسباب ومفاهيم الثقة المتبادلة والرضا المتبادل بين السلطة والمجتمع. فالأنظمة التي لا تثق بشعبها أو الشعب الذي لا يثق بنظامه السياسي وبحكومته، يكون دائما مهدد بشكل حقيقي في أمنه واستقراره.. لأن الأمن الحقيقي والاستقرار العميق هو الذي يستند إلى حقيقة راسخة وهي توفر الثقة العميقة والمتبادلة بين السلطة والمجتمع. هذه الثقة هي التي تمنح القوة لكلا الطرفين. فقوة المجتمع في انسجامه السياسي مع نظامه السياسي، وقوة النظام السياسي في ثقة المجتمع به وبخياراته السياسية والاستراتيجية.. لذلك فإن الاستقرار السياسي يتطلب وبشكل دائم العمل على غرس بذور الثقة بين السلطة والمجتمع .. ولا ريب أن خلق الثقة المتبادلة بين الطرفين، يحتاج إلى مبادرات حقيقية وانفتاح متواصل ومستديم بين مختلف القوى، حتى يتوفر المناخ المؤاتي للثقة والرضا المتبادل بين السلطة والمجتمع.
رابعا: توفر الحريات السياسية والثقافية.. فلو تأملنا في العديد من التجارب السياسية على هذا الصعيد، لاكتشفنا وبشكل لا لبس فيه أن الدول التي تتوفر فيها حريات وتمنح شعبها بعض الحقوق، هي الدول المستقرة والتي تتمكن من مواجهة التحديات والمخاطر.. أما الدول التي تمارس السياسة بعقلية الاستئصال والتوحش وتمنع شعبها من بعض حقوقه ومكتسباته السياسية فإنها دول مهددة في استقرارها وأمنها.. لأنه لا يمكن لأي شعب أن يدافع عن دولة هو أول ضحاياها, ( فكل التحديات والمخاطر لا يمكن مواجهتها، إلا باستقرار سياسي عميق، ولا استقرار حقيقي إلا بديمقراطية وتنمية مستدامة.. لذلك فإن الخطوة الأولى والاستراتيجية في مشروع مواجهة تحديات المرحلة ومخاطرها المتعددة هو بناء أمننا واستقرارنا على أسس ومبادئ حقيقية تزيدنا منعة وصلابة وقدرة على المواجهة).
خامسا: ضرورة سعي الأنظمة السياسية الى الانتقال بوسائل ديمقراطية من شرعية تقليدية ووراثية تاريخية الى سياسية تبرير السلطة الحاكمة من منطق الإرادة الجماعية والشرعية الجماهيرية والشعبية, من خلال السعي لرضا قلوب وعقول الجماهير بقيم العدل والعدالة الاجتماعية والمساواة وغير ذلك, وخصوصا فئة وشريحة الشباب الخليجي, فهم الركيزة الكبرى وعماد التقدم ومنبع الاستقرار, والعكس كذلك في حال تم تجاهلهم وتهميشهم وعدم الاهتمام بحاجاتهم ومتطلباتهم.
سادسا: البحث السريع والجاد عن بدائل أخرى لمصدر الثروة النفطية, والذي سبق وقلنا انه يعد اليوم المصدر الأكبر لمداخيل دول الخليج, ومن خلاله تتم عمليات التنمية البشرية والعمرانية بكل اتجاهاتها الأفقية والعمودية, وان نضوبه الحتمي سيؤثر سلبا على استقرار المنطقة بوجه عام والأنظمة الحاكمة خصوصا.
سابعا: تدعيم المساواة بين جميع الأفراد والمجموعات وشرائح المجتمع باختلاف طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم وغير ذلك على قاعدة المواطنة واحترام حقوق الإنسان.
وقبل ان نختم هذا الطرح فإننا نود التنبيه على نقطة أخيرة,غاية في الأهمية, وهي: ان شعوب المنطقة وثقافتها وأفكارها وطموحاتها بشكل عام وجيل الشباب على وجه الخصوص ليس هو ذلك النموذج الذي عهدته الأنظمة السياسية قبل 20سنة تقريبا, وبالتالي يجب ان تتنبه تلك الأنظمة السياسية بالإضافة الى ما سبق ذكره الى أهمية مواكبة والتكيف مع التغيرات السسيولوجية والسيكولوجية التي تعايشها شعوب المنطقة اليوم بوجه عام وخصوصا شريحة الشباب منهم.

إلى الأعلى