السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : “الخطر الإيراني” .. وابتزاز البترودولار

شراع : “الخطر الإيراني” .. وابتزاز البترودولار

خميس التوبي

لم ولن يكون من قبيل المصادفة أن تسير تفاعلات المشهد في المنطقة على وقع الخطر الإيراني وتضخيمه، وإنما كل التفاعلات والتفاصيل في المشهد تمضي وفق استراتيجيات معدة سلفًا؛ أي معدة مع الخطط الاستراتيجية لإعادة ترسيم حدود المنطقة وجغرافيتها بعد إحالة اتفاقية سايكس ـ بيكو إلى أرشيف الدول الاستعمارية الكبرى والنجاح في جني ثمارها، حيث مقتضيات الترسيم تفرض قواعدها الجديدة على الدول الاستعمارية الامبريالية الكبرى بالتحول إلى مضاعفة الغلة عبر اتفاقية سايكس ـ بيكو جديدة.
ويبدو أن واضعي خطط الاتفاقية الجديدة باتوا على قناعة تامة بأن أهدافها لن تكون منجزة بالقدر الذي يضاعف النجاح بحصد المزيد من الغلة، فهناك لا تزال موانع كثيرة ويأتي في مقدمتها الصمود السوري الأسطوري وقدرته ـ على الأقل حتى الآن ـ على تحطيم الأحلام الاستعمارية الكبرى المرتكزة على ما يسمى مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، وكذلك صمود القوى الحليفة لسوريا انطلاقًا من مرتكزات أمنها القومي واستراتيجياتها البعيدة المدى، بالإضافة إلى الطموح الإيراني إلى الانطلاق إلى فضاء العالمية والإصرار على الدخول في النادي النووي وفي قائمة الدول الصناعية والاقتصادية الكبرى والمؤثرة في السياسة الدولية والاقتصاد العالمي، وقد قطعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أشواطًا كبيرة، وعازمة العقد على مواصلة النهج ذاته، وأبدت إشارات كثيرة ومتواصلة أن هذا الطموح لن توقفه محاولات الغرب ولا حتى العرب، وأنها ماضية حتى النهاية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية كدولة لا تسبح متربعة في الفضاء الإقليمي بل والعالمي. وهنا فرق بين سياسة وسيادة مستقلة وسياسة تابعة وسيادة مفقودة.
صحيح أن الدول الغربية الاستعمارية الامبريالية ترى ذاتها أنها نجحت في تمزيق أواصر المجتمعات العربية والإسلامية في المنطقة وأحدثت جرحًا طائفيًّا ومذهبيًّا عميقًا لن يندمل في المستقبل القريب بإنتاج الإرهاب ونثر بذور الفتن الطائفية والمذهبية، وتقوم بين الحين والآخر بنثر الملح على هذا الجرح الغائر وتعميقه بمزيد من الفتن والتأجيج، إلا أنها بدت مدركة أن هذا غير كافٍ، وأنها معه غير قادرة على المواجهة المباشرة في صنع سياساتها وإنجاز استراتيجياتها وتحقيق أهدافها مع الدول الممانعة لمشاريع الهيمنة والتقسيم والمتمثلة في محور المقاومة الممتد من إيران إلى العراق ثم سوريا وحزب الله، ومن ورائه روسيا الاتحادية والصين، ولذلك ترى أن الحوار والتفاوض هما خير وسيلة وخاصة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتحجيمها ومنعها من حيازة السلاح النووي، فقد ثبت لدى خصومها أنها مع حصارها وعقوبات اقتصادية قاسية استطاعت أن تحقق تحولًا في ملفها النووي وتعلن عن إنجاز تلو آخر في برنامجها النووي وسط دهشة الخصوم وقلقهم وانزعاجهم، وبالتالي فإذا كانت إيران مع كل ذلك تمكنت من أن تخرق جدران الحصار والعقوبات، فإنها ستكون قادرة في مرحلة أخرى على تهشيم جميع جدران الحصار والعقوبات وترغم خصومها وأعداءها على واقع جديد ظلوا يبذلون كل جهد ممكن لمنعها من تحقيق أي مكاسب، فتعلن عن تجربة نووية ناجحة مثلًا وتصعق بها خصومها وأعداءها.. ولهذا وفي إطار البراجماتية السياسية فضل أعداء إيران التفاوض معها لكبح جماحها وترويضها بما لا يؤثر مع مصالح المجموعة الدولية المتحاورة معها في المنطقة.
وبنظرة أعمق إلى طبيعة المشهد المعبأ بنيران الإرهاب والسياسة والتآمر والفتن الطائفية والمذهبية والدعوات للحروب ونشر المزيد من الفوضى، فإن حسابات الريح والخسارة والفواتير المصروفة وغير المصروفة والمنوي توقيعها لصالح أعداء المنطقة ومستعمريها مقابل خدمات غربية استعمارية تدميرية لن يكون الخاسر في كل ذلك سوى دول المنطقة وشعوبها، إذ ستدد تلك الفواتير من قوت شعوب المنطقة وتنميتها واستقرارها ورخائها وأمنها وقبل كل ذلك دماؤها وإنسانها، فخدمات تلك الفواتير تتمثل في صفقات أسلحة إما لتملأ بها المخازن فتصدأ وإما لتزود بها جماعات إرهابية مسلحة مأجورة تحت مزاعم وأكاذيب دعم “المعارضات المعتدلة” و”دعم الشرعية” و”حماية المدنيين”، والهدف الأوحد هو تدوير تروس مصانع السلاح للدول الاستعمارية الكبرى ودعم اقتصاداتها، وخدمة المشروع الصهيو ـ أميركي لتدمير دول المنطقة وتقسيمها وتحويلها إلى كانتونات طائفية متناحرة، وتنصيب كيان الاحتلال الصهيوني شرطيًّا عليها، وهو ما يؤذن في النهاية بتحقق الهدف الأكبر وهو إعادة مواطني البترودولار على وجه التحديد إلى ما قبل ظهور الصناعة؛ أي إلى عصر الخيمة والناقة؛ لأن الاستعمار الامبريالي وما استطابه لن يهدأ له بال حتى يأخذه عن آخره وبالتالي لن يتوقف عن تأجيج الفتن الطائفية والمذهبية والدأب على إشعال فتيلها متى ما اقتضت الحاجة، وتضخيم الخطر الإيراني في مواجهة أبقار البترودلار حتى تجف ضروعها، ولعل عزم فرنسا فسخ عقد حاملات المروحيات من نوع “ميسترال” لروسيا بعد نجاح السمسار الفرنسي في الحصول على عقود المليارات الدولارات من صفقات التسلح وخاصة طائرات رافال والمشاريع الاستثمارية الأخرى، دليل على ما وصل إليه العقل العربي ومؤشر على قرب عودة عصر الخيمة والناقة.

إلى الأعلى