الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / الشركات متعددة الجنسيات مصدر لقوة الإنتاج والتصدير بالنسبة للدول المضيفة
الشركات متعددة الجنسيات مصدر لقوة الإنتاج والتصدير بالنسبة للدول المضيفة

الشركات متعددة الجنسيات مصدر لقوة الإنتاج والتصدير بالنسبة للدول المضيفة

تمثل سلطنة عمان واحدة من أكثر الدول تقدماً في الاقتصاد بمنطقة الشرق الأوسط، وفي ذلك استطاعت السلطنة خلال الفترة الماضية ضمن رؤيتها المستقبلية للاقتصاد الوطني 2020م أن تفتتح قنوات استثمارية جاذبة للشركات متعددة الجنسيات ولرؤوس الاموال الاجنبية الباحثة عن بيئة الاستقرار الاستثماري ، الامر الذي يعزز الوصول لهدف تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمورد اساسي للدخل القومي ، في ظل وجود فرص متاحة لاسيما في قطاعات الصناعة والسياحة والتجارة ولعل ذلك يتضح في المناطق الاقتصادية الكبرى التي أنشأتها السلطنة في كل من صحار بمحافظة شمال الباطنة والدقم بمحافظة الوسطى الي جانب الفرص التي توفرها المؤسسة العامة للمناطق الصناعية .
وبما أن الشركات متعددة الجنسيات أو الشركات الدولية تعد مصدرا لقوة الانتاج والتصدير بالنسبة للدول المستضيفة لها ، نظرا لما توفره من استثمارات ضخمة تعمل على تحريك الاقتصاد المحلي ، وتعمل على تحسين القدرة التصديرية ، وتوفير فرص عمل للكوادر الوطنية ، فان سلطنة عمان تولي هذا الجانب قدرا عاليا من العناية والاهتمام ، ما جعلها وجهة لكثير من الاستثمارات الاجنبية ، حيث تعمل الشركات متعددة الجنسيات بطرق شتى على تعزيز القدرة التنافسية التصديرية للدول المضيفة لهذه الشركات، إلا ان ذلك يتطلب من الدول المضيفة العمل وفق استراتيجيات معينة للاستفادة من إمكانات الشركات متعددة الجنسيات لتحقيق الاستفادة وإيجاد فرص أخرى جاذبة للاستثمار الاجنبي المباشر والموجه للتصدير، مع التأكد أن هذا الاستثمار يرجع بفوائد إنمائية، وهو ما يكون في غالب الاحيان نوعا من التحدي والمغامرة ، كما يتطلب ذلك على الدول أن تجد أكثر الاساليب فعالية لجعل مواقعها مواتية للاضطلاع بنوع من الأنشطة التصديرية التي تهدف إلى تشجيعها، ولابد حتى للجهات التقليدية الرئيسة المستفيدة من الاستثمار الأجنبي الموجه للتصدير من الارتقاء بمستوى صادراتها للتمكن من تحمل عبء الاجور المرتفعة والحفاظ على قدرتها التنافسية كقاعدة للتصدير ، فكما هو معلوم أنه يمكن للشركات متعددة الجنسيات أن تسهم في تحسين القدرة التنافسية لأي بلد تقوم فيه ، إما من خلال الاستثمار في أنشطة ذات قيمة مضافة أكبر في الصناعات التي تستثمر فيها من قبل، أو بالتحول في صناعة معينة من الأنشطة ذات الإنتاجية المنخفضة والمعتمدة على تكنولوجيا بسيطة وأيدي عاملة كثيفة إلى انشطة ذات إنتاجية عالية تعتمد على تكنولوجيا رفيعة المستوى وعلى المعارف.

تعد إمكانية الوصول إلى الأسواق الرئيسية شرطا ضروريا من الشروط الكفيلة بزيادة القدرة التنافسية للدولة التي تتواجد عليها الشركات متعددة الجنسيات ، لكنه غير كاف لاجتذاب الأنشطة الموجهة للتصدير، ويمكن لحكومات الدول المضيفة أن تنظر في اتخاذ عدد من التدابير التي قد تحسن قدرة الدولة على اجتذاب الاستثمار في الامد الطويل كقاعدة للإنتاج الموجه نحو التصدير، ويعد إنشاء مناطق لتجهيز الصادرات بقصد توفير هياكل اساسية فعالة والقضاء على البيروقراطية ضمن نطاق محدود أداة شائعة الاستعمال أيضا لتعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، ويعتمد أداء مناطق تجهيز الصادرات إلى حد كبير على سياسات أخرى، ولاسيما السياسات الموضوعة لتنمية الموارد البشرية وإنشاء الهياكل الأساسية المطلوبة لاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه للتصدير وزيادته.
وفي ذلك فأنه يتعين أن ينسجم اختيار أدوات السياسة العامة المرتبطة بالاستثمار الأجنبي المباشر الموجه نحو التصدير مع الاستراتيجية التنموية الشاملة للدولة المعنية، كما يجب وجود وكالات لتشجيع الاستثمار ذات وجهة تجارية وعلاقات متطورة جدا مع القطاع الخاص، إضافة إلى الدوائر الحكومية الأخرى لخلق مزايا نسبية يمكن أن تكون مستدامة وليست عابرة.
تحسين القدرة التنافسية للتصدير
تعمل السلطنة بجهود متواصلة من أجل تحسين القدرة التنافسية التصديرية ، وتحقيق الفوائد المستمدة من التجارة المرتبطة بالشركات المتعددة الجنسيات، بدءًا بتحسين الميزان التجاري، ثم تحسين عمليات التصدير وإدامتها على مر الزمن ،حتى وإن كانت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة صوب التصدير تساعد على زيادة الصادرات، فإن الشركات الأجنبية تستورد أيضا، وقد تكون حصيلة النقد الأجنبي الصافية في بعض الحالات، وقد تسجل أيضا قيم تصدير عالية مع تدني معدلات القيمة المضافة، والمسألة في كافة الحالات هي معرفة كيف يمكن للدول النامية المضيفة أن تستفيد إلى أقصى حد ممكن من الأصول التي تتحكم بها الشركات متعددة الجنسية، وتعتمد المسألة إلى حد كبير على الاستراتيجيات التي تتبعها الشركات متعددة الجنسيات، من ناحية، وعلى ما يقابلها من قدرات وسياسات في البلد المضيف، من ناحية أخرى ، وفي المقابل فأنه نجد أن الاعتماد على الشركات المتعددة الجنسيات لبناء القدرة التنافسية التصديرية للسلطنة له عيوبه، حيث إن الشركات متعددة الجنسيات تركز من خلال نظامها وسياستها الاستثمارية على المزايا النسبية الثابتة للبلد المضيف فقط، وعلى وجه الخصوص قد لا يكون بالمقدور تنمية المزايا النسبية الدينامية ولا انخراط الشركات المنتسبة في الاقتصاد المحلي بإقامة روابط بمشاريع الأعمال المحلية عن طريق مواصلة تنمية مهارات العاملين أو بإدخال تقنيات أكثر تطورًا.

وبالنظر إلى إمكانات تحسين القدرة التنافسية التصديرية من اجل النهوض بالتنمية، فأنه يتعين التسليم أيضا بحاجة الدول المستهدفة للشركات والاستثمارات الخارجية خاصة منها الدول النامية إلى الحفاظ على حيز كاف في مجال السياسة العامة ، بما يتيح لها السعي لتحقيق أهدافها التنموية، ويعتمد مقدار استفادة الدول من الفرص الجديدة الناشئة عن ظهور نظم الإنتاج الدولي ،كما أنه يمكن للدول المتقدمة صناعيا أن تساعد أيضا على تحقيق تلك الاستفادة من خلال بعض الطرق المتمثلة في توفير المساعدة لتطوير القدرات المؤسسية ونشر المعلومات عن فرص الاستثمار الموجه صوب التصدير وإزالة الحواجز أمام صادرات الدول النامية.
تشجيع الاستثمار
كما هو معلوم فأن السلطنة تعمل بكل جهد من أجل تشجيع رأس المال الأجنبي وجذب الشركات متعددة الجنسيات خاصة منها الشركات الاستثمارية الكبرى ، سعيا الي تحقيق المساهمة في تعزيز التنمية والتقدم في البلاد حتى يسهم ذلك في استكمال الاستثمارات المحلية عن طريق الاستثمار في الموارد غير المستغلة، بالإضافة إلى تسهيل نقل التكنولوجيا، والتعريف بإمكانية الاستفادة من القدرات الإدارية، وتحقيق الفائدة من التواصل مع العالم عبر الشركات متعددة الجنسيات بافتتاح أسواقٍ جديدةٍ للمنتجات العمانية،وقد التزمت السلطنة بسياسة فتح السوق الاقتصادية وفقاً لقاعدة المنافسة الحرة بتشجيع القطاع الخاص وتقديم التسهيلات له من أجل لعب دور أساسي، وفي ذلك فان السلطنة تقدم العديد من التسهيلات والحوافز للشركات الاستثمارية مثل تسهيلات البنية الأساسية ذات المستوى العالمي، ومن أهم الحوافز الممنوحة للاستثمار الأجنبي بالسلطنة هي الحماية الجمركية ، والتخفيض الجمركي على الآلات والمعدات والمواد الخام ، والاعفاء الضريبي المؤقت ، ودخول الحكومة بحصة استثمارية معينة في بعض المشاريع التي تقيمها الشركات متعددة الجنسيات وغيرها من الحوافز الاخرى التي تقدمها السلطنة للمستثمر الخارجي ، فضلا تبسيط الإجراءات لإقامة الأعمال ،وغيرها من التسهيلات الاخرى مما جعل السلطنة وجهة جاذبة للشركات والاستثمارات الباحثة عن بيئة الاستقرار.
تنمية اجتماعية
وانعكاسا لتواجد الشركات متعددة الجنسيات في السلطنة ، فقد استطاعت بعض الشركات الاستثمارية الكبرى أن تساهم في التنمية الاجتماعية من خلال برامج متنوعة تلامس احتياجات المجتمع المحلي حتى وان لم يكن ذلك وفقا لطموح بعض أفراد المجتمع ، وقد ظهر دور هذه الشركات في المناطق التي تتواجد في محيط قيام الشركات الكبرى خاصة شركات التعدين والنفط والغاز وصناعة البتروكيماويات وصهر الالمنيوم فعلى سبيل المثال في ولاية صحار بمحافظة شمال الباطنة قامت شركات اوربك وصحار المنيوم وفالي عمان والتي تعد من اكبر الشركات الاستثمارية في السلطنة ، بإنشاء مؤسسة جسور كمؤسسة غير ربحية تسعى لخدمة المجتمع المحلي وايجاد مشاريع تحقق التنمية المستدامة من خلال تفعيل جانب المسئولية الاجتماعية لهذه الشركات الثلاث حيث تعمل جسور على تنفيذ مشاريع اجتماعية مبنية على فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع من خلال فتح قنوات للتواصل مع أفراد المجتمع وتعزيز علاقاتها مع الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص والشركات المستثمرة في عملها الاجتماعي،ويتمثل أهم ما تقدمه هذه المؤسسة في تشجيع أنشطة ريادة الأعمال والتطبيقات المبتكرة وتعزّز المشاريع الصغيرة والمتوسطة ،والمساهمة في إعداد الأشخاص وتدريبهم للتوظّف المستقبلي في قطاع الصناعة بالشركات الصغيرة وإيجاد فرص التوظيف الذاتي (العمل الحر) ، ودعم البرامج التعليمية التي تعزز التفكير المبدع في إقامة المشاريع الصغيرة ، وتعزيز التعليم من أجل العمل، وتصقل مهارات الشباب وقدراتهم للدخول في سوق العمل ، وكذلك تعزيز قدرات الشباب على التكيّف مع التغيرات السريعة التي يتسم بها سوق العمل ، وتشجيع انخراط الشباب في سوق العمل ، فضلا عن المساهمة في الحفاظ على التراث غير المادي للثقافة العمانية، وتعزز الترابط بين القيم الاجتماعية والاقتصادية لهذا التراث ، وتعزيز الأنشطة الرياضية، وتوجد فرصاً للتأهيل والتطوير المهني، والكشف عن مواهب جديدة في مجال الرياضة ، وتدريب المهنيين الصحيين ، وكذلك التعليم والوقاية من حوادث السير ، وتعزيز الصحة والوقاية من عوامل الخطر ، وتعزيز الوعي والسلوك والمعارف المتصلة بالحفاظ على الموارد الطبيعية، وصون البيئي ، ودعم برامج التثقيف البيئي ، وغيرها من البرامج الاخرى الهادفة الي تحقيق المسئولية الاجتماعية لتلك الشركات الاستثمارية .
*علي بن سالم البادي
باحث في مجال الشركات متعددة الجنسيات
alisam993@gmail.com

• ملاحظه: (كافة المراجع والمصادر لهذا الموضوع تتواجد في رسالة أعدها الكاتب بعنوان التنظيم القانوني للشركات متعددة الجنسيات لنيل درجة الدكتوراه )

إلى الأعلى