الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صدمة الانتخابات في المملكة المتحدة

صدمة الانتخابات في المملكة المتحدة

كاظم الموسوي

” أشارت النتائج الى مؤشرات جديدة كثيرة، وصفها بعض المعلقين ووسائل اعلام بالزلزال السياسي الذي هز الحياة السياسية ومكاتب الاحزاب وقياداتها وبرامجها، فإضافة الى الاطاحة بثلاثة رؤساء احزاب كابدت خسائر كبيرة في عدد المقاعد النيابية، اشارت الى جنوح يميني ووسطي عام في المشهد السياسي وقدرات الاعلام الموجه والمنتظم في التأثير على الاختيارات والوعي الجمعي، فضلا عن وقائع السياسات الاقتصادية والداخلية الأخرى.”

ــــــــــــــــــــــــ
فاجأت نتائج الانتخابات النيابية التي تمت في المملكة المتحدة يوم 7/5/2015 التوقعات التي تقدمتها. وخطّأت الاستطلاعات والاستبيانات التي سبقتها. وكشفت عن مسار اخر وحصيلة غير متوقعة في الاغلب الاعم مما عرض وقدم في وسائل الاعلام البريطانية وخارجها ايضا. حيث اكدت اغلب التوقعات والاستطلاعات على تقارب كبير بين نسب فوز حزبي المحافظين والعمال، مما سيضطرهما الى تحالفات مع حزب ثالث لهما عند تشكيل حكومة، كما حصل بعد الانتخابات السابقة عام 2010. هذه النتائج واجهت رؤساء الاحزاب وحملاتهم الانتخابية ودعايتهم وبرامجهم الانتخابية وشكلت بمجملها صدمة كبيرة لهم وهزيمة انتخابية واضحة للخاسرين منهم. وحتى حزب المحافظين، الرابح الاكبر، الذي سيقود الحكومة منفردا لخمس سنوات قادمة، سيواجه برامجه وخياراته التي اعلن عنها او التي عرف بها تقليديا. وكذلك بيّنت لرؤساء الاحزاب خصوصا فشلهم في القيادة ووضعت الاستقالة امامهم مخرجا وحيدا، وهو ما حصل فعليا، مما سيحرك قواعد تلك الاحزاب بعد استقالة الرؤساء الى التفكير بمصير احزابهم ومستقبلها السياسي والانتخابي وتجديد نفسها وخياراتها.
تركت الصدمة والاستقالات اثارها مبكرا، وقد استغلها البعض لإعادة الاعتبار له او محاولة تبييض صفحته في تقديم النصح والنقد لقياداتها الحالية التي اوصلتها الى تلك النتائج، ومن بينهم مثلا توني بلير، رئيس الوزراء وزعيم حزب العمال سابقا، ودعوته الى العودة الى الوسط وترك الانحيازات اليسارية التي اتهم بها القيادة الحزبية، متناسيا دوره التدميري للحزب بعد اكثر من عقد من الخداع والتضليل والتآمر والتبعية لسياسات الامبريالية الاميركية ومشاركة رئيسها بوش الابن الثاني المتهم بجرائم حرب في اكثر من مكان.
اشارت النتائج الى مؤشرات جديدة كثيرة، وصفها بعض المعلقين ووسائل اعلام بالزلزال السياسي الذي هز الحياة السياسية ومكاتب الاحزاب وقياداتها وبرامجها، فإضافة الى الاطاحة بثلاثة رؤساء احزاب كابدت خسائر كبيرة في عدد المقاعد النيابية، اشارت الى جنوح يميني ووسطي عام في المشهد السياسي وقدرات الاعلام الموجه والمنتظم في التأثير على الاختيارات والوعي الجمعي، فضلا عن وقائع السياسات الاقتصادية والداخلية الاخرى. حيث استقال اد مليباند من زعامة حزب العمال، الذي كان الخاسر والمفاجئ للتوقعات والاستطلاعات بفارق كبير بينه وحزب المحافظين، بعد ان كان المرشح الاوفر حظا لرئاسة الحكومة في التنبؤات والاستطلاعات. فقد حصد حزب العمال 232 مقعدا بينما حقق حزب المحافظين فوز 331 من مجموع 650 نائبا ( عدد مقاعد مجلس العموم البريطاني)، وهذه اغلبية واضحة له. وكذلك استقال نك كليغ من منصبه بعد تعرض حزبه، الديمقراطي الليبرالي، لهزيمة قاسية، حيث فقد 48 مقعدا من المقاعد التي حصل عليها في انتخابات عام 2010، وحصل الآن 8 مقاعد فقط.. وقدم نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، الذي يعرف بمختصر (يوكيب)، اليميني المتطرف، استقالته من منصبه بعد ان فشل في الاحتفاظ بمقعده في دائرته الانتخابية، وكذلك حصول حزبه على مقعد واحد فقط في مجلس العموم.
بينما اكتسح الحزب القومي الاسكتلندي في عدد المقاعد، حاصدا 56 مقعدا من مقاعد البرلمان الـ 59 المخصصة لاسكتلندا. ومعروف أن الحزب، قاد حملة الاستقلال/ الانفصال عن المملكة المتحدة، وكان قد فاز في الانتخابات الماضية بستة مقاعد فقط. وكانت نسبة الإقبال على التصويت، حسب تقارير اعلامية، قد بلغت نحو 66 في المئة وهي أعلى نسبة منذ انتخابات عام 1997. وهذه مؤشر جديد ومهم ايضا.
بكل ما سبق كانت النتائج المفاجئة صدمة في الانتخابات التي تعتبر آلية من اليات الديمقراطية، التي يتمكن بها الشعب ان يرشح وينتخب ممثليه الذين يشرعون ويراقبون عمل الحكومة وتنظيم كرامة العيش والمشاركة السياسية في بناء الدولة والمجتمع. مع العلم ان مثل هذه الالية ونتائجها تسهل امام رؤساء حكومة منتخبين بقدراتهم التلاعب في اعمال ونتائج التصويت في مجلس العموم، وما قام به بلير حول التحشيد للحرب والعدوان على العراق وتبعية القرار الاميركي نموذجا واحدا قريبا للذاكرة والوقائع. لكن هذا لا يمنع من الاعجاب بالنتائج وصدمتها لأنها حاكمت سياسات ومصداقية الاحزاب ونشاطاتها وبرامجها الانتخابية والتحولات التي قد تغير فيها وتقنع الشعب بانعكاساتها وتداعياتها.
تبقى وعود كاميرون محك اختبار، وقد كررها في تشكيله للحكومة الجديدة من حزبه وحده، لاسيما في قضيتي الاستفتاء حول العضوية في الاتحاد الاوروبي بعد عامين، ومنح مزيد من السلطات لاسكتلندا. وكيفية قيادته للصراعات في الاجنحة التي تكوّن حزبه وما تحقق لها في الانتخابات. وكما نال ترحيبا من بعض الحكومات الاوروبية تلقى انتقادات من غيرها. (السويد مثلا، حيث عبرت وزيرة الخارجية مارغوت فالستروم عن أسفها لنتائج الانتخابات البريطانية وشعورها بالحزن لخسارة حزب العمال البريطاني في الانتخابات البريطانية). وخرجت تظاهرات تندد بنتائج الانتخابات وفوز اليمين منفردا هذه المرة.
صدمة الانتخابات في المملكة المتحدة اثرت على اوروبا ايضا، فتحرك سياسيون أوربيون وأعلنوا عن العمل مع كاميرون على التفاوض من جديد حول عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي لضمان بقائها فيه، وهو تحد اخر يترك تداعياته او ارتداداته لاحقا، داخل بريطانيا وخارجها. ويبقى التحدي الداخلي هو ابرز ما يواجه كاميرون وحكومته الجديدة، لاسيما وحدة البلاد والتعامل مع السياسات الاقتصادية اليمينية التي تمثل برنامج الحزب وأجنحته المؤثرة في ديناميته وتحريك الاوساط الداعمة له في المجتمع البريطاني.
كما يبدو تظل السياسة الخارجية للحكومة الجديدة استمرارا لنهج حزب المحافظين البراغماتي وتحالفاته السابقة، مع السياسة الاميركية اساسا، وباقي الدول الاخرى، لاسيما مع مصادر الاسواق والطاقة، وخصوصا المنطقة العربية والتنافس بين الدول الغربية فيها وحولها. وهي قضية مهمة لها مفاعيلها في تطورات المشهد السياسي الجديد في المملكة وكذلك في القضايا الاخرى، مثل مكافحة الارهاب والهجرة والصراعات الداخلية في البلدان التي تهدد تطورات الاوضاع فيها الامن والسلم في العالم.

إلى الأعلى