الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قوة “تويتر” , وسطوة “فيس بوك”

قوة “تويتر” , وسطوة “فيس بوك”

محمد عبد الصادق

” .. أتذكر أنني كتبت مقالاً في أوائل الألفية الجديدة عن مشكلة الانفجار السكاني في القاهرة, دعوت فيه لضرورة نقل العاصمة وإعلان القاهرة منطقة منكوبة وإغلاقها في وجه النازحين من الأقاليم, ومنع إقامة أبنية أو منشآت جديدة على أرضها, وضربت أمثلة بالولايات المتحدة التي يعيش فيها المواطن الأميركي ويموت دون أن يضطر لمغادرة ولايته لوجود الوظائف الملائمة والخدمات الراقية ووسائل الترفيه داخل ولايته,”

ـــــــــــــــــــــــ
عندما تقدمت للعمل بمؤسسة “أخبار اليوم” المصرية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي طلب مني القائمون على التوظيف التوقيع على إقرارين: الأول يتضمن إقراراً بأنني من سكان القاهرة الكبرى, ولي مقر إقامة ثابت بالعاصمة, والإقرار الثاني بأنه ليس لي أقارب من الدرجة الأولى يعملون بالمؤسسة, وبعد التعيين فوجئت بأن 90% من العاملين بالمؤسسة قادمون من الأقاليم, وأن كثيراً منهم ليس له مقر إقامة ثابت بالقاهرة, وأن هناك عدداً كبيراً من العاملين إما أقارب أو”نسايب” بل إن هناك عائلات بأكملها تحتل مناصب مرموقة ينتشر أفرادها في إدارات المؤسسة المختلفة.
وأتذكر أنني كتبت مقالاً في أوائل الألفية الجديدة عن مشكلة الانفجار السكاني في القاهرة, دعوت فيه لضرورة نقل العاصمة وإعلان القاهرة منطقة منكوبة وإغلاقها في وجه النازحين من الأقاليم, ومنع إقامة أبنية أو منشآت جديدة على أرضها, وضربت أمثلة بالولايات المتحدة التي يعيش فيها المواطن الأميركي ويموت دون أن يضطر لمغادرة ولايته لوجود الوظائف الملائمة والخدمات الراقية ووسائل الترفيه داخل ولايته, وأوروبا التي حدثت فيها هجرة عكسية من العواصم للأقاليم, وكيف أن السكن في الريف الإنجليزي أصبح حلما يراود سكان لندن ومانشيستر وبرادفورد, والصين التي تشترط وجود المواطن الصيني في مسقط رأسه أو المنطقة التي حددتها له الحكومة المركزية للحصول على الدعم العيني أو المادي والاستفادة من خدمات الصحة والتعليم المجاني.
ويبدو أن مقالي وافق هوى الدكتور عبدالرحيم شحاتة محافظ القاهرة في ذلك الوقت, فخرج في أحد البرامج التليفزيونية وأشار إلى ما جاء بمقالي وتذكر اسمي بصعوبة وقال “صحفي شاب”, وانقلبت الدنيا رأساً على عقب في الجريدة وفوجئت بعدد كبير من زملائي يهاجمونني, ويوجهون لي تهمة العنصرية ويعددون العباقرة والقادة والمشاهير الذين أنجبتهم الأقاليم, والبعض الآخر حقر من شأن القاهرة واتهمها بأنها لا تنجب سوى الجهلة والفشلة والمستهترين, وعرفت فيما بعد أن وراء هذه الحملة الشرسة؛ صحفي زميل كان يغطي أخبار محافظة القاهرة, وتخيل أن هناك علاقة شخصية تربطني بالمحافظ, وأنني أسعى لخلعه من مكانه والاستيلاء على موقعه في المحافظة.
والحقيقة رغم هذا الهجوم كنت في منتهى السعادة أن مقالاً لي أحدث كل هذا التأثير, ومازلت أتذكر سطور المقال وتفاصيله, رغم مرور سنوات على كتابته, ورغم مئات المقالات الاجتماعية والسياسية التي كتبتها إلاّ أن التأثير أو رد الفعل ظل محدوداً مقارنة بهذا المقال, ولم يتعد الأمر مكالمة هاتفية تحمل العتاب أوالتقريظ, أو الامتنان والشكر, وأسعد جداً عندما تثير كتاباتي أزمات أو أتلقى بسببها رداً مكتوباً من جهة ما, أو تفسيراً أو إجابة على تساؤلات طرحتها, ومازلت رغم كل هذه السنين؛ أطير فرحاً عندما يقابلني شخص لا أعرفه ـ يتعرف عليّ من خلال صورتي المنشورة مع المقال ـ أو أقابل صديقاً أو زميلاً يمدح أو يقدح أو يناقشني فيما كتبت, فالجائزة الكبرى التي ينتظرها الكاتب مهما علا شأنه, هو أن يشعر أن هناك تأثيراً ولو بسيطاً لما يكتبه أو أن هناك اهتماماً ولو من قارئ واحد اطلع على مقاله.
بعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي على “الإنترنت” تغير الحال وتراجع تأثير الصحافة المكتوبة, وتحول الرأي العام والتأثير إلى “تويتر” و”فيس بوك” ولعل أوضح مثال على ذلك ما يحدث في مصر والمنطقة العربية منذ اندلاع ثورات ما يعرف بالربيع العربي وحتى الآن, وكان آخرها استقالة وزير العدل المصري أو إقالته تحت تأثير الحملة الشرسة ضده على مواقع التواصل الاجتماعي اعتراضاً على تصريحاته “بعدم أهلية ابن عامل النظافة للعمل بسلك القضاء”.
كما أن هناك حملة مماثلة ضد وزيرة التطوير الحضاري والعشوائيات بسبب قولها في مؤتمر بجامعة القاهرة “إن الصعايدة هم سبب انتشار العشوائيات في القاهرة والإسكندرية” وأضافت:” مش عارفة هنرجّع الصعايدة تاني لمحافظاتهم إزاي” ونظم أبناء الصعيد حملة على “فيس بوك” تطالب بإقالة الوزيرة لإهانتها الصعايدة وخرجت عبارات من عينة:” الصعايدة هم من بنوا مصر وأنهم هم من حملوا السلاح للدفاع عن الوطن في جميع الحروب التي خاضتها مصر, وطالبوا الحكومة بتوفير فرص العمل وتحسين المرافق والخدمات بالوجه القبلي؛ قبل الحديث عن إعادة الصعايدة الذين نزحوا للعاصمة إلى مسقط رأسهم.
وسواء كانت تصريحات الوزير أوالوزيرة “زلة لسان” كما ذكر بيان مجلس الوزراء أو تتسق مع سياسة الحكومة والنظام الذي يحكم مصر الآن, فهناك سلاح جديد ظهر على الساحة لم يكن موجوداً من قبل في مصر, وهو تأثير الرأي العام والدور الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي التي يتواجد عليها أكثر من 50مليون مصري على مدار الساعة في الضغط على صانع القرار.
فهذه الشبكات الاجتماعية, تصاعد تأثيرها وتحولت من كونها عالماً افتراضياً خاملاً, إلى أداة فاعلة للحشد والتجييش والتحريض, كما رأينا في ثورة 25يناير التي كانت شرارتها الأولى, دعوة على “فيس بوك ” من مجموعة من الشباب للنزول يوم عيد الشرطة للاعتراض على الممارسات القمعية للداخلية, تقليداً لما فعله الشباب التونسي الذي نزل للتظاهر اعتراضاً على انتحار محمد البوعزيزي واستجاب المئات للدعوة, ونزلوا للشوارع والميادين, وعندما تعرضوا لاعتداءات الشرطة, نشروا صور الاعتداءات والانتهاكات على “الفيس بوك”, فتلقف الدعوة الشباب الغاضب والناقم على نظام حسني مبارك وممارسات وزير داخليته حبيب العادلي وزحفوا بالآلاف على ميدان التحرير لنجدة أقرانهم وكانت الثورة التي أطاحت برئيس ظل جاسماً على صدور المصريين ثلاثة عقود.
وقبل ظهور “تويتر” و”فيس بوك” بح صوت أحزاب وصحف المعارضة في مصر طوال سنوات حكم حسني مبارك الثلاثين ـ اعتراضاً على استغلال كمال الشاذلي لنفوذه وممارسات صفوت الشريف في ماسبيرو, وسياسات بطرس غالي الاقتصادية التي انحازت للأغنياء ورجال الأعمال على حساب الفقراء ومحدودي الدخل, وفضائح زكريا عزمي, ونفوذ فتحي سرور, واحتكار أحمد عز ـ ولا حياة لمن تنادي ـ وكان مبارك يتيه فخراً بأنه لا يعير اهتماماً للرأي العام مستنداً إلى ضعف ذاكرة المصريين, ومن أقواله المأثورة عندما كان يسأل عن سبب تمسكه بهذه الرموز الفاسدة:” أنا دكتوراه في العند” و”محدش يلوي دراعي” و” سيبوهم يتسلوا”, وكان يرى أن الشعب المصري لا يجدي معه إلاّ سياسة الأمر الواقع, وأنه شعب طيب .. سريع الغضب .. سريع النسيان .. جملة تهيجه وكلمة تهديه .. وفي الأخير يعود إلى حالة السكون واللا مبالاة”.

إلى الأعلى