الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر .. صون الهويّة الفكريّة واجب وطنيّ

بداية سطر .. صون الهويّة الفكريّة واجب وطنيّ

لعبت وسائل التواصل التكنولوجي الحديثة دورا فاعلا في لم الشمل العالمي في قرية صغيرة، مكنت الشعوب أن تكشف خصائص بعضها بعضا، وذلك أمر إيجابيّ لأنّ المرء عدوّ لما يجهل، فكلّما تعرّفنا على الآخر قلّ التّوتّر والعدوانيّة، وازدادت الصلات والروابط، لأنّنا شئنا أم أبينا نحمل دائما صورا نمطيّة عن الآخرين، وغالبا ما تكون هذه الصّور سلبيّة، ومن ثمّ لا بدّ من الاتّصال والتّواصل لإصلاح هذه الصّور التي تشوهت بفعل القطيعة التي بانت كقطع من الثلج المجمدة.
إنّ قولنا هذا لا يخفي جوانب أخرى من وسائل الاتّصال الجماهيريّ. وهي جوانب لا تخلو من سلبيّة، وهي كون الوسائل العملاقة تروّج أفكارا وأنماطا من الحياة قد لا تتماشى مع البلدان ذات ثقافة عريقة مثل ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة، ولنأخذ مثالا على ذلك ما نشهده من عزوف بعض الشباب عن رموز ثقافتنا إلى رموز قد لا تحمل أيّة دلالة جديرة بالعناية والاحترام.
إنّ ما نرمي إليه في هذا النص ظاهرة أطلت على مجتمعاتنا واستهدفت فئة الشباب، مفاد الظاهرة ينصّ على ولع بعض من الشباب ارتداء ملابس كالقمصان والبناطيل وبعض أغطية الرأس الشبابية التي تحمل صورا لبعض مشاهير الغرب وبعضا من كتاباتهم الفارغة وأساطيرهم وأقاويلهم التي لا تمت بثقافتنا إلى صلة رحم . انجروا خلف هذه الموديلات يبحثون عن الراقصة فلانة والمغني فلان ومشاهير التمثيل ومهرة الملاعب مهما كانت صفاتهم وأخلاقهم، هذا الانجرار ما هو إلا غزو فكري وتغريب ثقافي بحت لعقول أبنائنا الشباب بهدف ميلهم عن ثقافتهم التي جبلوا عليها بهدف سلخهم عن قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم التي تربوا عليها وهل يوجد أسوء من أن يسلخ المرء من قيمه ومبادئه ويجرد من ثقافته؟
أينما نولي وجوهنا اليوم نجد أنّ بعضا من شبابنا لا يروّجون هذه الرّموز فقط وإنّما يفتخرون بها، فيلبسون لباسهم محاكيين واقعهم المرير، ويتباهون بها طالحة كانت أم صالحة فهم يكوّنون لأنفسهم أساطير في الحياة الواقعيّة يفخرون ببعض المصطلحات التي نقلوها عنهم حرفا حرفا. وما تلك إلاّ أساطير مصنوعة بطريقة تستهدف محو هويّتنا الثّقافيّة لأنّها لا تمت إلى ثقافتنا العربية والإسلامية بأدنى صلة، وما ذلك سوى غزو ينبئ بهزة خطيرة..!!؟ هذه الهزة أصابت أبنائنا في المقتل حتى أضحو عبدة لرموزهم ومناهضين لأفكارهم وتقاليدهم!
لا نقول ذلك من باب محاربة الحرية، بيد أننا وجب أن نقدر هويتنا ولا نتخلى عنها بحثا عن موضة الملبس الواهية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تصبح وبالا علينا وعلى أولادنا في المستقبل القريب، وتنعكس مباشرة سلبا في تنشئتهم، مما يوقعهم في فخّ الانسلاخ من القيم والمبادئ، والانجرار خلف التيّار دون أن تكون له هوية يحافظ عليها. والسّؤال هنا: ألا يوجد بديل لهذه الرّموز المزيّفة!!؟ ألا يوجد مصمّمون عرب، ذو غيرة على هذه الثّقافة، يحافظون على هويتهم، ويدعون الآخرين إلى التمسك بها بدل اختزاله؟
على كلّ، لا تنعدم بلادنا من الخبراء في مجال تصميم تقاليدنا وملبسنا بل متوفّرون وينبغي تشجيع منتوجهم ونقله إلى شعوب أخرى، بل يمكن القول إنّ الترويج لأزيائنا التّراثيّة قد بدأ، ويلاقي إقبالا منقطع النظير لدى بعض الشباب، الواعين لضرورة الحفاظ على الهوية الفكرية في هذا العالم المدمّر، الذّي يسعى نحو توحيد الثّقافة لتبقى ثقافة الأقوى هي المهيمنة. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا ندعو إلى الأخذ بأيدي الشباب ونرغّبهم ونطبعهم بطباع هويتهم الحقيقية الخالي من الشّوائب!!؟ وأنا على يقين تام بأننا لا نفتقر إلى مواهب وكفاءات تمكّن من تنفيذ هذه الفكرة بل يجب اكتشافها والأخذ بيدها.
إنّ هذه الأفكار لا شك أنها تراود كثير ممّن يخشى اندثار الهويّة، وتعويضه بالمجهول، ويخاف كلّ الخوف أن نفقد قيمنا وهويتنا في هذه القرية الصّغيرة التكنولوجية، حيث لا يميّز بعضنا بعضا سوى الثّقافة. وأنجع سبيل في ترويج ثقافتنا هؤلاء الشّباب الذّين اتّخذوا أنفسهم سفراء لإشهار عديد المنتوجات وترويج المشاهير والأساطير العالمية التي يحملونها على صدورهم، فيؤدّون مهمتين في آن واحد، تتمثل الأولى في التخلي عن هويتهم وثقافتهم وأمّا الأخرى فهي الترويج لهؤلاء المشاهير. فبدلا من تركهم في هذا الظّلام الفكريّ ينبغي الاعتماد عليهم لترويج هويتنا دون صراع أو عنف، ويكفي في ذلك أن نُفهمهم بأنّ ما يقومون به لا يعود عليهم بربح وإنّما مردوده النّفعيّ لأولئك الذّين يستغلّونه لتدمير ثقافتنا. ونعلمهم أنّ فكرة الترويج لأي منتج أو بطل أو فكر غربي هي فكرة عالمية بحتة تستهدف غزو الثّقافات الأخرى، وهذا يستوجب منّا أن نقدّر دورنا الأساسي للتصدي لهذا الغزو الفكري وأن نجد البدائل التي تجنب شبابنا الخوض في مثل هذه المتاهات التي تفقدهم هويتهم، وندعو جميع شركات التصميم العربية إلى الأخذ بجدية تامة فكرة غزو العالم للثقافة العربية. ولم لا ألسنا من تألق في شتى الميادين العلمية منها والطبية، فلا ضير أن نغزو العالم بثقافتنا التي هي ثقافة التاريخ، ولندرك أنّ صون الهويّة الفكريّة ليست مسؤولية جهة معينة بل مسؤوليّة مشتركة تبدأ من الأسرة فالمدرسة فالشارع وكل فرد في المجتمع فلنتكاتف معا لصون هويتنا الفكرية وفي ذلك فليتفكر أولو الألباب.

خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan05@yahoo.com

إلى الأعلى