الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الكاتب العماني محمد الشحري يقدم روايته الجديدة “موشكا”

الكاتب العماني محمد الشحري يقدم روايته الجديدة “موشكا”

عمل مفعم بالغرائبية ومشاهد تقود إلى عوالم خيالية

مسقط ـ العمانية:
بلغة شعرية وسرد أخاذ، صاغ الكاتب محمد الشحري عمله الروائي الأول والذي أسماه “موشكا”، حاملا بين دفتيه عملا مفعما بالغرائبية، ومشاهد تقود إلى عوالم خيالية، يحاول من خلالها أن يعطي تفسيرا لعلاقة المحبة التي تجمع بين الإنسان الذي يعيش في جبال محافظة ظفار، وبين شجرة اللبان التي تنمو في الأودية، هذه الشجرة الغريبة الناضحة باللبان، والمتوقدة برائحة العطر، بدت في الرواية امرأة هربت من عوالم مسحورة، لتتحول إلى شجرة لبان خضراء، ولأنها امرأة مفعمة بالأنوثة والعطر والجمال، فإنها أرادت أن تغسل خطيئة الحب التي وقعت فيها، والذي بسببه طردت من مجتمعها الخفي، لتعيش في مجتمع العلن، شجرة تنضح بعطر اللبان، كلما كشطتها سكينة أو حجارة، ينزف جسدها دما ابيض، فيتخثر بعد حين، ويصبح فصوصا عطرة، ومن هنا أخذت تسميته “لبان”، لان أصله لبن نازف كما يرد في الرواية، وكلما أُوقِد فيه النار واحترق، يتطاير دخانه العطري.
تبدأ الرواية بوصف هزهزات قشرة لحاء أشجار اللبان، المثخنة بالطعنات والنازفة بياضا ولآلئ متحجرة، ليبدأ معه حوار باك من شجرة، بعد أن فارقتها السكاكين الكاشطة لجامعي اللبان في وادي أوفير، والذي يصفه الروائي بأنه: كاظم لحر الصيف، وعاصر للندى المنسكب من أهداب الليل.تقول الشجرة، والتي سيظهر لاحقا أنها “موشكا” العاشقة، المتحولة من عالم الخفاء إلى هذا العالم النباتي: اضربوني بمديكم، وحرابكم أيها الأعوان، وسأهبكم من جسدي ما يعينكم على البقاء، اغرسوا ما شاء لكم أن تغرسوه في لحائي بكل ما هو حاد وجارح في أياديكم، فكل قطرة مني بركات وبخور طاردة للشياطين، وسائلي محنط لأجساد الموتى، ومن تريدون بقاء هيكله إلى الأبد.بهذا الأنين الموجع، يستهل الكاتب محمد الشحري روايته موشكا، فيوغل قليلا في وصف الوادي، ووصف أنين شجرة اللبان، وهي تتلو آهاتها على مسمع الكائنات الممسوخة منذ الطوفان، الوادي الهامس يضج بالحيوية والأنين، واجتماع مسؤول العمال والذي يعرف باسم “الطبين”، في أماكن استخراج اللبان.الرواية ضاجة بالمشاهد الغرائبية، وتعرَّف القارئ على عوالم خيالية، فهو يلتقي بموشكا حين كانت تعيش في عالم الخفاء، ويتعرف على قصة العشق التي وقعت فيها، وقدرها أن تعيش حياتين: حياة النساء العاشقات المخلصات، وحياة الكائنات المحكومة بالعذاب السرمدي. ويسرد الكاتب في الفصل الثاني من الرواية قصة عذاب موشكا، فهي في الحياة الأولى تعيش حياة سعادة ظاهرة، واعتلال باطني، على أضيق المساحات المحسومة على النعيم، وفي الثانية كان عذابها الذي ارتضته لنفسها بعد محاكمة قاسية معها في عالم الخفاء، ارتضت تجريح البدن والجسد، بالطعن وإسالة لبانها من أغزر مكامن السيلان، رغبة منها في الشعور بالطهارة. موشكا، رواية غرائبية جدا، أسماء الشخوص تظهر على غير المألوف، فهناك “الدعن”، و”حلوت”، والمفردات التي يوظفها الكاتب من القاموس لغة أهل الجبل في محافظة ظفار، قلما يسمع عنها القارئ العربي من قبل، مثل: “الطبين” وهو مسؤول عمال جمع اللبان، و”الجوش”، وهي طيور أسطورية تحمل السحرة، و”الحذوت”، وهي كما يعرفها الكاتب: دودة افريقية اليفة، و”المحفيف”، وهو حبل مضفور من جلد الماعز، يثبت به الرجل شعره، و”الشطا” وهي أحجار ساخنة لتسخين الحليب، و”السيلول”، كائن خرافي يهاجم البشر ويخطف الأطفال، وغيرها من المفردات. يوظف الكاتب غنائيات شعرية عذبة، من التراث، كما يوظف حكايات وقصصا في سرده الروائي، يشعرك محمد الشحري أنه يغترف من معين ثر، يكشف عنه الكاتب في هذا العمل الأدبي عن جدارة، يوظف مخزونه الثقافي، من خلال معايشته للحياة في الجبال، وتشربه لتلك الطقوس الاجتماعية، فهو يعرفها تماما ويعيش تفاصيلها، ويكتب عنها بحس الواعي وهاجس المشبوب بها.السرد الروائي يتمازج بين الوصف والحوار، وينقلنا الكاتب إلى رحلة السفن، القادمة من ممالك بعيدة، يأتي اللبان كهدية، ثم ترسل من أجله السفن، وتقطع البحار المظلمة، حتى تصل إلى ظفار، حيث لفائف الأشجار الكثيف. ويوظف الكاتب قصة أيوب المبتلى بأورام، حيث ينفر منه الناس، ويعيش معزولا في مرتفع جبلي، وتبقى معه زوجته الصابرة، فيأتيهم اللبان، يتبخرون به، ويعود أيوب مشافى معافى، بعد أن استنشق من رائحته، ويعود له نشاطه، ويكثر الخير من حوله. ويوظف الكاتب حكاية “روري” الساحرة، والتي تدل السفن على مكان اللبان، ثم تحاول أن تختص منه لنفسها ما تقدمه هدية لمملكة أخرى. تتصاعد أحداث الرواية بعد ذلك، لتقدم تصويرا بديعا لحركة السفن المقاومة للأنواء، ويوجد علاقة بين الدعن الذي خسر تجارته، وبين الربح القادم إليه من عالم الخفاء، ربط بين الحقيقة والأحلام، وبين الواقع والخيال، فهناك حظوظ متعثرة، وهناك اجتهاد وتعب وكد وبحث دؤوب عن رزق، وهناك أقدار لا يمكن للإنسان أن يخرج عن إطارها. وتنتهي بهجر العمال منازل اللبان، حيث تركوا موشكا وحيدة، في البيداء والأرض الخالية من أنفاس البشر، في انتظار مجيئهم في الموسم القادم، على أن تحرق دموع موشكا في المجامر ذات الزوايا المحددة للاتجاهات الأربعة وعناصر الحياة الأربعة، حيث يعطي الكاتب تفسيرا لشكل المجمر الرباعي. وكما بدأت الرواية بأنين موشكا في وادي اللبان، تنتهي الرواية بتمتمات الجدات حين يحرقن اللبان :”يا لبان، يا لبان، يا صاعد إلى الكواكب والأزمان، يا طالع السموات والأرض والأكوان، كف عنا كيد العداء والجان، وحسد الأهل والجيران”.

إلى الأعلى