الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. سكين التقسيم على رقبة العراق

شراع .. سكين التقسيم على رقبة العراق

خميس التوبي

يطرح خضوع السماء العراقية تحت سيطرة طيران التحالف الأميركي ـ المولود من رحم استراتيجية الرئيس باراك أوباما لمواجهة تنظيم “داعش” الإرهابي ـ تساؤلات كثيرة حول الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى التحول اللافت في الميدان العراقي بانهيار سريع للمحافظات والمدن العراقية أمام هجمات “داعش” الإرهابي بعد النجاح الكبير الذي حققته القوات العراقية بمساعدة الحشد الشعبي ـ رغم بعض الأخطاء والمبالغات ـ بتطهير محافظات ومدن من دنس الإرهاب، في الوقت الذي حشدت فيه حوالي خمسين دولة أساطيلها الحربية، وجعلت من العراق والدول العربية والإقليمية الشريكة للولايات المتحدة قواعد عسكرية تنطلق منها المقاتلات، وتدرس فيها الخطط لمحاربة “داعش” في العراق وسوريا وتدارك خطره من أن لا تصل حراب التنظيم الإرهابي إلى رقاب الأصدقاء والحلفاء.
وبينما يغرق عقل العاجز عن الفهم في مستنقع الأحداث وتطوراتها بهذه الصورة الدراماتيكية، سواء في العراق أو سوريا أو غيرهما من البلدان العربية المستهدفة بـ”سونامي” الإرهاب، يستمر الأميركي وحلفاؤه في صناعة الأوهام والحديث عن امتشاقهم سيوفهم لدحر الإرهاب “الداعشي” وإبعاد خطره عن المدنيين الآمنين، وسط هالة إعلامية غير مسبوقة عن أنهم وجهوا ضربات موجعة للتنظيم هنا وأخرى هناك، وتستمر مع ذلك مفرمة الإرهاب في حصد الأرواح من المدنيين والعسكريين لتكتظ بجثثهم المناطق المغطاة بالطيران الحربي للتحالف الأميركي والأقمار الصناعية التابعة له، فالجثث لا تزال ملقاة على الشوارع والأزقة وفي المنازل والمؤسسات المستهدفة، وروائح الجثث لا تزال تملأ الأجواء، حتى كتابة هذه السطور ووفق الأنباء الآتية من مدينة الرمادي بالعراق. كما تستمر مع ذلك عدادات منظمة الأمم المتحدة في إحصاء الضحايا والمهجرين من قراهم ومدنهم، وحسب المنظمة الدولية يوم أمس الأول فإن نحو 25 ألف شخص فروا من مدينة الرمادي العراقية بعد هجوم تنظيم “داعش” الإرهابي عليها وإن أغلبهم اتجهوا صوب بغداد. والرمادي قد سقطت في أيدي إرهابيي “داعش” مطلع هذا الأسبوع، ومن المعتقد أن الفارين يهربون للمرة الثانية أمام هجوم للتنظيم بعدما كانوا ضمن 130 ألف شخص فروا من المدينة الواقعة في غرب العراق في أبريل الماضي. وأمام هذه الكوارث الإنسانية المتعاظمة والمتواصلة في المنطقة تحديدًا، يبدو أن الأمم المتحدة أصبحت فاقدة لدورها ووظيفتها، وأضحت لا وظيفة لها سوى عدِّ الضحايا، وإصدار بيانات إحصائية بشأنهم، وتقديم الغطاء الشرعي والقانوني اللازم للاعبين الكبار ولمشاريعهم التآمرية والاستعمارية.
وإزاء هذا التناقض الصارخ بين الحرب الإعلامية والدعاية الكلامية عن حروب تحالف وامتشاق سيوف لملاحقة فلول الإرهاب الداعشي، وبين الواقع وصرخاته وفظائعه، يكتنز المشهد بالمزيد من الأدلة على فائض النفاق الذي يغرق المنطقة وعقول العاجزين عن إدراك حتى أبسط الأشياء، وهو أسلوب قديم متجدد يراد منه سلب الوعي والفكر ليسهل حركة السكين على جسد المنطقة لتقسيمه، وفيما يخص المشهد العراقي الجارية حياكة تفاصيله يمكن تبيان ذلك من خلال:
أولًا: البحث عن الذرائع الداعية إلى البناء عليها، ويأتي في مقدمتها صناعة “داعش” الذي تربَّت قياداته على أيدي عملاء الاستخبارات الأميركية “سي آي إيه” في سجن بوكا بالعراق وفي مقدمتهم أبوبكر البغدادي الذي تم إعداده وتدريبه لقيادة التنظيم الإرهابي، متخذًا من الفكر التكفيري والتحريضي والضال وسيلة لخداع الناس وجذبهم إليهم، والذي أسندت إليه مهام التدمير والإبادة والترويع والتهديد، ليكون أداة اختلاق الذرائع والمبررات للصهيو ـ أميركي من أجل تحقيق مشاريعه التدميرية الهادفة إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وتشكيلها وفق ما يحقق مصالحه وأمن كيان الاحتلال الصهيوني وبقاءه. ولذلك الاستراتيجية الأميركية التي أعلنها الرئيس باراك أوباما ليست موجهة ضد “داعش” بالأساس، وإنما موجهة لتحقيق المشروع الصهيو ـ أميركي، بدليل أنه رغم خضوع سماء المنطقة وليس العراق وسوريا تحت الغطاء الحربي للتحالف الأميركي، فإن التنظيم ماضٍ في تحقيق الإنجازات وتنفيذ الأدوار الموكلة إليه من خلال الانتشار الواسع وسيطرته السريعة على مناطق عراقية وسورية، وهذا يؤكد الدور العكسي الذي يقوم به الطيران الحربي للتحالف بإلقاء الأسلحة والمؤن الغذائية والمساعدات الدوائية لإرهابيي “داعش”، وكذلك الدور الذي تقوم به الأقمار الصناعية من رصد لتحركات القوات العراقية والسورية ومناطق تمركزها وكثرتها وقلتها وأنواع الأسلحة التي بحوزتها في كل منطقة، ورصد المناطق الفارغة من أي وجود عسكري عراقي أو سوري على النحو الواضح مؤخرًا في الرمادي وفي مدينة تدمر الأثرية بصحراء دير الزور السورية. فإذا كانت الولايات المتحدة استطاعت خلال عشرة أيام من ضرب الحرس الجمهوري العراقي أثناء غزوها العراق، فأين ذهبت مقاتلات الخمسين دولة المكونة للتحالف، في الوقت الذي تحرث فيه يوميًّا جحافل “داعش” الطرق الدولية والصحراء العراقية والسورية وغيرها؟
ثانيًا: تعميق الفتن الطائفية والمذهبية بين المكونات العراقية وتقسيمها وفق الطائفة أو المذهب والعرق، وإثارة النعرات وإشاعة أجواء عدم الثقة والتشكيك، والمداومة على التحريض والتشويه لضمان اشتعال جذوة الكراهية، حيث كل جهد يقوم به طرف ما لمصلحة عامة يتم تحويره ووضعه في نطاقه الضيق الطائفي أو المذهبي أو العرقي على النحو الملاحظ من دور الحشد الشعبي في مساندة القوات العراقية المسلحة والقوى الأمنية لتخليص المدن العراقية الخاضعة لإرهاب “داعش”، حيث لعبت عملية التحريض والتشويه والتصنيف الطائفي والمذهبي دورًا في تعطيل أداء الحشد الشعبي ما أدى إلى إعادة انتشار إرهابيي داعش في المناطق المحررة.
ثالثًا: توجيه إرهابيي داعش من منطقة عراقية إلى أخرى، واضح الهدف منه وهو لنسج المزيد من الذرائع والمبررات لدعم فكرة تسليح العشائر العراقية، وذلك لإعطاء مشروع تقسيم العراق قوة دفع إضافية، إذ من شأن هذا السلاح في مرحلة لاحقة وفي سياق تواصل تأجيج الفتن الطائفية والمذهبية بين المكونات العراقية يمكن أن يساعد على تقسيم العراق، لا سيما وأن بعض شيوخ العشائر أعطوا ولاءهم للخارج الذي يتربص بهم الدوائر، وليس للعراق، وارتهنوا لأوامر الخارج. وطبعًا من شأن تقسيم العراق أن يسهل تقسيم سوريا ومحاصرة المقاومة اللبنانية، وتمزيق الجغرافيا المتصلة التي يمتد عليها محور المقاومة.

إلى الأعلى