الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الصبر والحكمة والبيئة الحاضنة

الصبر والحكمة والبيئة الحاضنة

علي عقلة عرسان

” يضربون المثل بصبر أيوب. وكم من أيوبٍ ملقى على جوانب الدروب، وجراحه تنز وقد يخرج منها الدود، وقد أنهكه الصبر.. ولا يكترث به أحد من الخلق، ولا يحفل به وبصبره أحد؟! وكم من أيوبٍ هلك على تلك الدروب، ممن لا يذكرهم الناس، ولا أشارت لهم الروايات.؟! أيوب صبر على جراح جسمه، وهو في موطنه وربما في بيته،”
ـــــــــــــــــــــــــــ

قال الغزالي، صاحب الإحياء، رحمه الله:
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أوّل منزلِ
ونادت بي الأشواق مهلاً فهذه منازل من تهوى، رويدك فانزلِ
غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد لغزلي نسّاجاً فكسرت مغزلي
رحم الله أبا حامد، فقد عمل وأتقن وبشّر وصبر، وتطلع إلى أن ينتفع الناس بعلمه وعمله في عصره.. فما تحقق له ما أراد، وأحاله الصبر إلى ما لا يريد، فكسَّر مغزله، وداخله من ذلك ما داخله.. وابتعد عن الانغماس في الواقع ليدخل في باب من أبواب الصوفية التأملية أو شبه ” اللا اكتراثية”، إن صح التعبير. وبقي ويبقى، بنظره ونظر كثيرين سواه: ” الصبر مفتاح الفرج.”.
يضربون المثل بصبر أيوب. وكم من أيوبٍ ملقى على جوانب الدروب، وجراحه تنز وقد يخرج منها الدود، وقد أنهكه الصبر.. ولا يكترث به أحد من الخلق، ولا يحفل به وبصبره أحد؟! وكم من أيوبٍ هلك على تلك الدروب، ممن لا يذكرهم الناس، ولا أشارت لهم الروايات.؟! أيوب صبر على جراح جسمه، وهو في موطنه وربما في بيته، ولم يبتله الله سبحانه وتعالى بروحه، ولا بعذاب الغربة القهار، ولا ألمَّ به ظلم الفجار، فزاده قروحاً على قروحه.. فهيأت له سلامة روحه بيئة داخلية حاضنة، جعلته قادراً على الاحتمال، ومالكاً للإرادة، ومتمكناً من التمييز والاختيار، فاختار الله، وطريق التسليم والرضا بقدر الله.. وتحمَّل آلامَ جسمه ونتائج نكئ جراح ذلك الجسم، وامتثل، صابراً محتسباً، فأصبح مثلاً وقدوة. أما الابتلاء بمصاب الجسم والروح معاً، وبما فيهما وحولهما من بيئة، مادية ومعنوية.. فذاك مما يمزِّق الروح، ويبلبل العقل، وينهك الجسم، ويشل الإرادة، ويؤثر سلباً على الاختيار والاحتمال والتمييز والامتثال.. ويشتت المرء، ويبقيه عرضة لألم ليس كمثله ألم، لا سيما إذا ترافق ذلك بفقدان الأمل. وذاك مما يشقى به المرء، ولا يُشفي الروحَ منه صبرٌ من أي نوع، على ما في الروح وما يسببه لها مَن ينكؤون الجراح بفعل هول العدوان والإرهاب والطغيان وتجسيد الشر، بغباء وحمق واستعلاء وكل ما يضاعف القهر.. في غربة عن البيت، والأهل، والوطن، والناس، وراحة البال، وكل نوع من أنواع العدل والأمن ومداعبات الآمال؛ وغربة أخرى مضنية، عن كل ما يتصل بإنسانية الإنسان من مشاعر، وأفكار، وأوضاع، وأحوال، هي الأهوال أو ما يفوق ما رسخ في الذهن من وصف للأهوال.. فتلك هي البلوى التي تكون فيها الطاقة على الصبر مستنفدة، والجدوى منه مفقودة، والأجر عليه شبه عقم رأي ورؤية، لأنه صبر على ما نهى الله عن الصبر عليه: الظلم والقتل والعدوان والطغيان والإرهاب وامتلاك الرقاب.؟! إن حالات الابتلاء التي يقتضيها التسليم لأمر الله، هي حالات تقتضي الصبر، والصبر مفتاح فرج، وهي الأحق بأن تُذكر وتُضرب مثلاً، ويُعتد بها.. ولكن أين هو مقتضى الصبر، عند من تُصاب أرواحهم، وأجسادهم، وبلدانهم، وأطفالهم، وبيئاتهم المادية والمعنوية، بالعطب، أو بالخراب التام.. بسبب فعل بشر، هم الابتلاء الذي لا يفوقه ابتلاء، لأنه أكثر بكثير من نكد الدنيا، ذاك الذي ضاق به أبو الطيب، فقال:
وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ أَن يَرى عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ
وفي مثل هذه الأوضاع.. مباركٌ له ومباركٌ فيه، من يجد إلى الصبر سبيلا وتسويغاً معقولاً، ويردد مع كل محنة وامتحان ونزف وموت: “لله الحمد من قبل ومن بعد..”.. ولكن عليه، وعلى من يرى أن يسلك الناس ذاك المسلك، أن يذكر ويتذكر: أن الظلم والقهر والطغيان والفساد والاستبداد. فكل ما يتأتى عن ممارسة بشر لفنون الشر والقهر والعدوان ضد بشر، ينبغي أن يواجَه بما يمنعه، وبما يردع مرتكبه ويكف شره عن الناس.. فالناس ابتلاء الناس في مثل هذه الأحوال، وهذا مما يجب أن يُدفَع، وليس ذلك قدراً مقدوراً، ليس للمخلوق فيه حول ولا قوة، إلا ما شاء الله.
ولكن كيف العمل حين يصبح رد الابتلاء ابتلاء أكبر، والخروج على الطغيان ورفض القتل وإراقة الدم حالات تعرض الخارج عليها إلى ما لا تُحمَد عقباه، من دون أن يكون له ومعه من يسنده ويرعاه؟! في هذه الأحوال ينبغي ألا يتعرض الأبرياء للتهلكة، ولا من ينصرون العدول والحرية لدفع الثمن الفادح.. وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يمضي بنا الفعل ورد الفعل إلى الفوضى المدمرة وعدم التحكم بأي فعل. في مثل هذه الحالات ينبغي أن تكون القيادة الراشدة محتضنَة من بيئة تمكنها من اكتشاف الدروب والسير فيها، وبلوغ الغايات بوسائل ليست هي القتل والموت والدمار وهلاك الإنسان وتدمير الحضارة وأشكال العمران. في هذه الأحوال علينا أن نعمَد إلى شجاعة الحكمة وحكمة الشجاعة، وإلى فعل إنقاذي يرتفع إلى مستوى دفع البلوى عن شعب ووطن، وعن أطفال ونساء وشيوخ، والمحافظة على قيم هي بقاء الأمم:
وأنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وعلينا مواجهة التسلط والإرهاب والفتنة والوحشية، والجنون المنفلت من كل عقال، بما يردع ويشفي ويمنع وقوع الكوارث، والغرق في مناقع الدم والكراهية، واستغراق بشر في جنون الفعل ورد الفعل، حتى لا يصبح الكل حمقى بصورة ما، وندخل في باب أمر حماقة لا دواء لها، كما قل أبو الطيب أيضاً:
لكل داء دواء يُستَطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
هنا تأتي أهمية العقل، والضمير، والمعرفة، والإيمان، والحِلم المقارب للصبر، وتأتي أهمية المسؤولية عن الأوطان والإنسان وعن سلامة فهم الأديان وتطبيقها. وتكمن في الاختيارات الصائبة، لمواجهة الأوضاع والسياسات والشخصيات العاجزة الخائبة، تكمن قدرة فائقة لقيادات مسؤولة واعية، تستحق تلك الصفات، قيادات تجمع بين الإرادة والرؤية والمصلحة وبُعد النظر، وتعمل بهمة واقتدار على تجنيب الناس كوارث لا تبقي ولا تذر، ولا يطيقها ولا يقبلها بشر من البشر.
لا أقول هنا باختيار أبي حامد الغزالي، بالكف عن الغزل وكسر المغزل، على الرغم من استشعاري لفداحة ما أصابه من إحباط، اضطره إلى “كسْرِ مغزله”، وإلى التوجه نحو شبه “لا أدرية” في السكوت، أو إلى “عدم الاكتراث” بما يجري، ونزوعه إلى صوفية تكاد تكون اعتزالية.. بل أقول بـ “صوفية من نوع آخر” إن كان لا بد من صوفية بمعنى النقاء والخلوص للحق والبعد عن آثام الخلق.. صوفية تغرق في واقع الحياة، مع البسطاء والبؤساء والأبرياء المنكوبين بأشرار وأقوياء.. يصل انغماسها في الواقع إلى الحد الذي يصل معه وحل الواقع إلى الركبتين والمرفقين، مع بقاء الروح نقية متسامية مدركة لدور بناء، وقادرة على غسل أدران الجسد، وانتشال من تستطيع انتشالهم من البشر من وهدات المعاناة والشقاء وأشكال الطغيان والفساد والإفساد، وإطلاقهم في فضاء الله الواسع أحراراً مقاربة لمعنى الحرية التي قال صوفي من القرن الرابع الهجري، في تعريف لها: ” الحرية: أن تكون لله عبداً، ولكل من دونه نداً”. لا أقول بكسر بالكف عن الغزل وكسر المغزل، والهرب من معركة الحياة ومعايشة الناس.. ولكن أقول بالعمل مع الناس، وبالناس، من أجل الناس.. وبما يقارب خيار وفعل وشجاعة ذلك الحَوْرَاني، الذي يتجنب كثيرون ذكر انتمائه إلى مسقط رأسه، لسبب نجهله، أو لجهل بحقيقة انتمائه الجغرافي، وبفضل بيئة ساهمت كثيراً في تكوينه، هي بيئة حوران.. أعني: العز بن عبد السلام، عبد العزيز السُّلمي (٥٧٧ هـ ١١٨١م – توفي العزّ بن عبد السلام في تاريخ 10 ويقال في ٩جمادى الأولى سنة 660 هـ الموافق 1262م في مصر.). ذاك الذي أود أن أقاربه في موقفين له:
الأول: خروجه على سلطان في دمشق، استهان بالدين والأمة، وتحالف مع الصليبيين، وفتح لهم أبواب دمشق للتسلح منها؛ وذلك بغية الانتصار على من نازعه السلطة، من أقاربه.
والثاني: تطويعه لسلاطين المماليك في مصر، بفعل شرعي مبدئي شجاع وقوي، وبحكمة جنبت الناس إراقة الدماء، وأجبرت السلطان على الأخذ بما رأى العز أنه العدل، حيث جعله وجعل المماليك الحاكمين يخضعون لحكم الشرع.
وفي الحالتين، لم يُمَكِّن، العز بن عبد السلام، السلاطينَ من روحه ونفسه وقراره وعلمه، على الرغم من أنهم كانوا قادرين على وضع السيف فوق رقبته، وقد وضعوه فعلاً.. لكنه ما لان لهم، ولا خاف منهم، ولا استسلم لغير الحق. تلك مواقف اتخذها عالم وفقيه، صاحب قلب يرى، وعقل يتدبر ويدبّر، وشخص يترفع عن الخاص، ليرتقى إلى مستوى العام، بالتقوى والمعرفة والممارسة والتعفف والترفع، من أجل إنقاذ العامة، وتعزيز العدل، ومساواة الفقير والغني في تحمل المسؤولية حيال خطر داهم وعدل يقيم قوام الدول. وقد انتقل العزّ من صوفية داخلها وداخلته لزمن، على يد أبي الحسن الشاذُلي، إلى فضاء آخر هو الانغماس في الحياتي والسياسي، على عكس ما كان من أبي حامد الغزالي، رفعاً منه للدنيوي إلى مستوى آخروي منقذٍ للبلاد والعباد والاعتقاد.
وأسوق هنا حادثين، ليقرأ فيهما من يهمه أن يقرأ، ويستنتج، ويتبصّر ويتدبّر، وينظر إلى واقعنا المعيش اليوم، بمنظار يليق بأهل المسؤولية والفقه والرأي والقرار، وبشعوب من حقها أن تعيش بحرية وكرامة، ومن واجبها أن تنصر للحق والعدل والرأي الحكيم والفقه السليم، لتعيش السيادة بلا خوف ولا قهر ولا إراقة دم:
١ – “حكم دمشق، في أيام العزّ بن عبد السلام، الملك الأشرف موسى، ومن بعده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، من بني أيّوب، فقدّرا للعزّ تفوّقه في العلم، وولّياه خطابة جامع بني أمية الكبير بدمشق. وبعد فترة قام الملك الصالح إسماعيل بقتال ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب، حاكم مصر آنذاك، لانتزاع السلطة منه، مما أدّى بالصالح إسماعيل إلى موالاة الصليبين، فأعطاهم حصن صفد، والشقيف، وسمح لهم بدخول دمشق لشراء السلاح، والتزوّد بالطعام وغيره. فاستنكر العزّ بن عبد السلام ذلك، وصعد المنبر وخطب في الناس خطبة عصماء، فأفتى بحُرمة بيع السلاح للفرنجة، وبحُرمة الصلح معهم. وقال في آخر خطبته «اللهم أبرم أمراً رشداً لهذه الأمة، يعزّ فيه أهل طاعتك، ويذلّ فيه أهل معصيتك». ثم نزل من المنبر دون الدّعاء للحاكم الصالح إسماعيل، (كعادة خطباء الجمعة). فاعتبِر الملك ذلك عصيانا وشقّا لعصا طاعته، فغضب علي العزّ وسجنه. فلما تأثّر الناس، واضطرب أمرهم، أخرجه الملك من سجنه، وأمر بإبعاده عن الخطابة في الجوامع. فترك العزّ الشام وسافر إلى مصر.”.
٢ – “بعد وصول قُطز لسدّة الحكم في مصر، وظهور خطر التتار، ووصول أخبار فظائعهم، عمل العزّ على تحريض الحاكم واستنفاره لملاقاة التتار الزاحفين. ولما أمر قطز بجمع الأموال من الرّعية للإعداد للحرب، وقف العزّ بن عبد السلام في وجهه، وطالبه ألا يأخذ شيئاً من الناس، إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم، المقادير التي تتناسب مع غناهم، حتى يتساوى الجميع في الأنفاق..”.. وطالب بأن يشتري المماليك ” الحكام آنذاك” أنفسهم، ليؤول المال الذي يدفعونه إلى بيت مال المسلمين. وعندما رفض المماليك ذلك، خرج من القاهرة، تاركاً دار سلطان يتمرد على العدل والشرع، فتبعه الناس تاركين القاهرة وراء ظهورهم.. فلحقه قطز وأعاده إلى القاهرة، “ونزل قُطُز على حكمه.”.
وفي هاتين الحالتين، أو في هذين الحادثين، لم نكن فقط أمام رجل قيادي فقيه تقي شجاع، يختار ما فيه العدل والحرية ومواجهة العدوان والمسؤولية المشتركة عن المصير.. ويواجه بشجاعة، من دون أن يريق دماء الناس، ويضعهم في، أو يدعوهم إلى، ما فيه هلاك البلاد والعباد. ولكنا أيضاً، وبالأهمية ذاتها، نحن أمام شعب، أو كثرة من شعب، ناصرت القيادات العادلة الحكيمة، ولم تذعن لسلطة القهر وسلطان السيف، ولم يمنعها الخوف من إعلان موقف. فالذين ناصروا العزَّ بن عبد السلام في دمشق، والذين ناصروه وتبعوه في القاهرة، تاركينها للسلطان، هم من صنعوا النتيجة، أو ساهموا في صنعها. ولذا كان لموقف القيادي التقي الشجاع الحكيم من جهة، ولموقف البيئة البشرية الحاضنة للعدل والوعي والقرار والموقف المبدئي الشجاع، الذي يجنب البلاد والعباد الابتلاء والشقاء والذل وأنواع القهر.. من جهة أخرى.. كان للموقفين المتكاملين، الدور الأهم في الخروج من كوارث لا يزيدها الصبر عليها إلا دموية ومأساوية وابتلاء.
فهل نحسِن القراءة، والاستنتاج، والاعتبار، واتخاذ المواقف الصحيحة السليمة.. لكي ننصر الفكر البنّاء، ونحقن الدماء، ونوقف تدحرج كرة نار الفتنة في كل الأرجاء من وطننا الحبيب، ونصون الجغرافية والتاريخ وأوابد الحضارة، والقيم التي تبني الإنسان.. ونحفظ كرامة الشعب، ووحدة الأرض، ونوقف تنامي الكارثة والمعاناة والبؤس البشري الذي فاق كل بؤس بشري.. ذاك الذي يلحق بنا أفراداً وجماعات، في الداخل والخارج.. ونقيم بوجه العنف، والتطرف، والإرهاب، والوحشية، والطغيان والفوضى، والفلَتان، وكل أشكال الاستهانة بالحياة البشرية وبحقوق الإنسان وسلامة الأوطان.. سدوداً لا يستطيع الأشرار القفز فوقها ولا يستطيعون لها نقباً.. هي في مصلحة الجميع.؟! إنه سؤال الساعة، الملقى على كل فرد وكل جماعة.. ممن يهمهم أمر الشعب والوطن والأمة، أمر العروبة وارسلام، في بلاد العرب والمسلمين.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى