الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / طريق التدمير

طريق التدمير

” يساهم كل من يسكت عن التطرف والتشدد واستغلال الدين في السياسة في تلك الجريمة الحضارية، سواء ما حدث قبل عقد ونصف حين فجر طالبان تمثالي بوذا بالديناميت وما يجري الآن من سعي داعش لتدمير تدمر، عروس الصحراء السورية. يكاد المرء يشك ان اميركا والغرب انما يغضون الطرف عمدا عن تدمير النقطتين، في ظل سعي الصين لاستعادة مجد طريق الحرير القديم بطريق تجارة جديد يخترق حزام النار الذي يشعله منافسوها
حولها.”
ـــــــــــــــــــــــ

هناك ما يربط بين وادي باميان في أفغانستان ومدينة تدمر السورية، ليس فقط ما فعله مقاتلو طالبان بتمثالي بوذا الشهيرين المنحوتين في جبال باميان في مارس 2001 وما يوشك أن يفعله مقاتلو داعش بأعمدة الرومان في تدمر. ولا حتى أن تمثالي بوذا وآثار تدمر قيمة تاريخية وحضارية لا تقدر، يقف العالم متفرجا على تدميرها على أيدي همج متوحشين يعون أنهم يرفعون سيوف الدين. لكن هذا الرابط قد لا يبعد كثيرا عن كون البلدين، أفغانستان وسوريا، يعانيان من حرب تزيد من اشتعال نيرانها جماعات متخلفة تحمل عقلية بدائية وروحا متوحشة تبتعد عن كل ما هو انساني. يعود الرابط إلى ما قبل الميلاد، وهو ببساطة أن تدمر وباميان كانتا نقطتين هامتين جدا على طريق الحرير ـ طريق التجارة بين الشرق والغرب قبل عشرات القرون.
يساهم كل من يسكت عن التطرف والتشدد واستغلال الدين في السياسة في تلك الجريمة الحضارية، سواء ما حدث قبل عقد ونصف حين فجر طالبان تمثالي بوذا بالديناميت وما يجري الآن من سعي داعش لتدمير تدمر، عروس الصحراء السورية. يكاد المرء يشك ان اميركا والغرب انما يغضون الطرف عمدا عن تدمير النقطتين، في ظل سعي الصين لاستعادة مجد طريق الحرير القديم بطريق تجارة جديد يخترق حزام النار الذي يشعله منافسوها حولها. فخلال الحرب الباردة، كان معسكر الغرب بقيادة اميركية يستهدف ما يمكن تسميته “النقاط الضعيفة” في حزام الاتحاد السوفيتي. والآن أصبح التنافس مع الصين اولوية استراتيجية لدى الولايات المتحدة والغرب عن التنافس مع روسيا. وما حزام النار الممتد من افغانستان الى شواطئ سوريا على المتوسط الا “طريق تدمير” يطوق الصين (ومعها روسيا كذلك) بديلا لطريق حرير جديد.
ربما يكون موقف الغرب مفهوما، وتحديدا موقف الدول التي تكره الآثار لدى الدول القديمة ـ مثل الولايات المتحدة واستراليا ـ لأنها تذكرها بأنها دول “قليلة الأصل”. لكن الغريب حقا ان نساهم نحن، ولو بالصمت العاجز، في تسهيل تدمير تلك الآثار لمجرد أنها في سوريا، وأن “سوريا ضمن النفوذ الإيراني”. وكما ساهمنا في تدمير العراق من قبل لأننا لم نعد نتحمل حماقة صدام حسين، فلندمر سوريا طالما لا نستطيع مواجهة النفوذ الايراني. فقط لنتخيل لو أن هناك مدينة قيمتها الأثرية عشرة بالمئة من قيمة تدمر، التي تصنفها اليونسكو من أهم المدن الأثرية في العالم، ماذا كان العالم سيفعل لو تعرضت لخطر مثل خطر داعش؟! وما سيكون موقفنا نحن وقتها، ألم نكن لننضم لبقية العالم في حملة نشطة لإنقاذ آثار تلك المدينة. ربما لا يدرك البعض أن تدمر لا تضم فقط آثارا رومانية هائلة، بل إن محيطها ـ وخاصة فيما بينها وبين حمص ـ يحوي بقايا آثار اسلامية شاهدة على خلافات الإسلام المبكرة. ثم إن هناك قيمة استثنائية لتدمر وهي أنها شهدت في القرن الثالث الميلادي مملكة عظيمة حكمت ربوع الشام وأجزاء من فارس ومصر. وكانت الملكة زنوبيا، ملكة تدمر، مثالا على مكانة المرأة في الشرق حتى قبل أن تحكم بقليس مملكة سبأ في اليمن.
بالطبع، يهم القاعدة (في اليمن) وداعش (في سوريا) محو أي أثر لحكم امرأة في بلادنا وهم أصلا لا يرون للمرأة دورا غير وعاء للجنس والخدمة المنزلية. لكن المفترض أن يكون حرصنا نحن أكثر للحفاظ على تلك الرموز الدالة على مكانة المرأة في مجتمعاتنا بينما كان الغرب الذي يسخر منا الآن يمر بمراحل ظلمة. وحتى بحسابات المصالح العملية الآنية، ماذا يفيدنا في تقديم بعضا من أرضنا وتراثنا وارواح ابنائنا ومقدرات شعوبنا لتسهيل هدف استراتيجي غربي في منافسة مع الصين او صراع مع روسيا؟ او التقاطع في الموقف من ايران وسياساتها في المنطقة وسعيها لتعظيم نفوذها؟ حتى لو سلمنا بذلك، فها هو الغرب على وشك الاتفاق مع ايران ليس فقط على برنامجها النووي بل على المنطقة كلها. اليس من الاجدى اذا ان نتعامل مباشرة مع ايران، تنافسا او تفاهما او حتى صراعا، وان يكون من ادوات ذلك الحفاظ على ما يشكل رديفا لنا ـ وفي مقدمته سوريا غير المدمرة والعراق غير المقسم؟ سيقول البعض ان ايران ليست محل ثقة، فهل الغرب كذلك؟
من غير المستبعد ان تظل داعش تكر وتفر على تدمر حتى يكون هناك مبرر لقصف جوي تحت دعوى حماية تدمر وطرد داعش ينتهي بتدمير ما يكون تبقى من آثار عروس الصحراء. بالضبط كما حدث في العراق الذي دمرت آثاره ومقدراته وقتل ابناؤه او شردوا وهجروا تحت شعار “ازاحة صدام حسين”. ليس منتظرا ان يهب العالم في حملة لحماية تدمر وآثارها، لكن لا يجوز أن يصمت العرب حتي يتم تدميرها بحجة أن أي دفاع عن تدمر سيعني الوقوف مع نظام الحكم في سوريا. اعتبروا تدمر حديقة حيوان سويسرية تحتاج لتبرعات الموسرين العرب، وفقط ارفعوا صوتكم بانكم ضد ازالة جزء هام من حضارة البشر بمعاول الإرهاب.

د.احمد مصطفى
كاتب وصحفي مصري

إلى الأعلى