السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وثيقة كيري .. لعبة تنازلات للبناء عليها!

وثيقة كيري .. لعبة تنازلات للبناء عليها!

عبد اللطيف مهنا

تصريحان متقاربان تقريبًا لجهة التوقيت، لافتان لجهة توقعات ما توصلت إليه جهود جون كيري وزير الخارجية الأميركي التصفوية للقضية الفلسطينية. الأول تأكيدات من كيري نقلتها عنه صحيفة “الواشنطن بوست”، تقول بأن لحظة وصول جهوده مبتغاها تقترب من إتيان أُكلها، وإن يوم إعلانه عن هذا الوصول قد دنا. والثاني ما نسبته صحيفة “هآرتس” لـ”تسيبي ليفني” رئيسة الوفد الصهيوني في جاري المفاوضات مع الأوسلويين الفلسطينيين، التي يشرف عليها الصهيوني الأميركي مارتن إنديك، واعتبرته تلميحات منها بأن رئيس السلطة قد قبل بالاعتراف بما يدعى “يهودية الدولة”، ناقلة عنها قولها بأن “الأيام القادمة سوف تكشف العديد من المفاجآت فيما يتعلق بالمفاوضات” .. ما نقل عن كيري وليفني تتساوق معه جملة من التسريبات والبالونات الاختبارية التي ما فتئت تطلق من قبل ثلاثي أطراف البازار التصفوي المقام، ولعله الأمر الذي حدا بالبعض لتوقع إعلان كيري عن نضوج طبخته التصفوية في الخامس عشر من الشهر الذي سيلي شهرنا القادم، أي في المتوافق مع يوم إعلان قيام الكيان الغاصب في فلسطين المحتلة .. فيما نقلته “الواشنطن بوست” كشف كيري عن جوهر مخلوقه التصفوي المنتظر، وتوافقت مع هذا الذي كشف ما حفلت بها تسريبات المصادر الصهيونية، وقراءات ما بين سطور اللعثمات الصادرة عن رام الله، والذي مفاده أن آخر ما رسا عليه مؤشر حراكه التصفوي هو التراجع عن ما كان يصفه بـ”اتفاق إطار” يكتنفه الغموض إلى ما يدعوه بـ”وثيقة مبادئ” مجللة بما اكتنفه سابقها، وإن تطبيقها سوف يتم على مراحل، أما مسألة قبولها فتكفي أن تتم “بشكل مبدئي”، مع حق الطرفين المعروضة عليهما إبداء كل طرف منهما التحفظ إزاء ما لا يقبله منها، أما المهم فهو تواصل المفاوضات فيما بعدها، أي بعد انتهاء مدة التسعة أشهر التي كانت قد حددت لانتهائها والتي تنتهي في الشهر الذي يلي القادم. إن هذا يعني أننا إزاء ورقة كيروية غامضة وغير ملزمة، بيد أنها مبدئيًّا ستكرِّس خيار التفاوض الأوسلوي الكارثي، وفي حال إقرارها سوف تشكِّل، فيما يتعلق بما قد يتبعها تسوويًّا مرجعيةً سوف يتم إحلالها محل ما يوصف بالشرعية الدولية، أو قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، على كل ما لدينا عليها. وهي في مطلق الأحوال، حتى وإن تم التحفظ على بعضها، أو لم تنفَّذ، بل وحتى لو رفضت، فإنها سوف تسفر عن تنازلات أوسلوية جديدة سوف يتم البناء عليها كالعادة والانطلاق منها، تماما كما كان الحال في كل ما كانت قد رست عليه محطات التغريبة التسووية الفلسطينية الأوسلوية من اتفاقات مع العدو… أوسلو الأولى، كامب ديفيد، طابا، خارطة الطريق، أنابوليس، مفاوضات حقبة أولمرت، وصولًا إلى ما كانت قد وصفت بالمفاوضات الاستكشافية… قبل كيري، ومنذ أن تم الجنوح الأوسلوي وتوالي كوارثه المتلاحقة على القضية والنضال الفلسطيني، أسفرت ما دعوها بالمسيرة التسووية عن ما باتت فيها شبه مسلمات يُبني عليها وينطلق سائروها منها، من مثل، الاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب، أي التسليم بضياع 78% من الوطن الفلسطيني، أو المحتل في العام 1948، واعتبار باقيها المحتل في العام 1967 أراضي متنازعا عليها والانخراط في المساومة عليه، تلا هذا، وفي خضم تهلكة خيار “المفاوضات حياة”، جرى التسليم الأوسلوي بضم ما يعرف بالكتل الاستعمارية الكبرى في الضفة للكيان الصهيوني، أو الموافقة على تقاسم الضفة مع المحتلين، إلى جانب إقرار مبدأ تبادل الأراضي، أي تمكين الصهاينة من التخلُّص من جزء من فلسطينيي المحتل عام 1948. أما وقد وصلت الحال إلى ما هي واصلة الآن إليه، فالتركيز التصفوي الكيروي الراهن هو على الاعتراف بـ”يهودية الدولة”، وشطب حق العودة، أي جوهر القضية برمتها، وإنهاء الصراع العربي ـ الصهيوني بمجمله. ذلك عبر وثيقة مبادئ حيكت بخبث وبإخراج غامض يضمن للغزاة المغتصبين ما تم التركيز عليه. وهي وإن تم الكلام فيها عن حدود 1967، فإن تبادل الأراضي ينسخه، لا سيما وأن الصهاينة يصرون على وجوب إضافة “الاعتراف بالمتغيرات الديموغرافية التي طرأت في العقود الأخيرة”، أي تثبيت ما أنجزوه في الضفة تهويديًّا، وخصوصًا القدس، هذه التي هوَّدت جغرافيًّا والتخطيط لتهويدها ديموغرافيًّا جار على قدم وساق. ومن تحصيل الحاصل أن كل ما سينجم عن هذه المسيرة التصفوية إذا ما تكللت جهود كيري بإقرار وثيقته هذه لن يعدو مسخًا يُسمح لذويه أن يطلقوا عليه مسمى دولة، أو حتى امبراطورية إن شاؤوا، فالمهم بالنسبة للمحتلين وحليفهم أن جوهر هذا المسخ هو حكم ذاتي لأشلاء ممزقة من تجمعات بشرية محاصرة تؤبد الاتفاقات الأمنية احتلالها، لا سيما وأن الصهاينة يصرون على ما يدعونه “حق المطاردة الساخنة”، وإذا ما أضفنا إليه مسألة بقائهم في الأغوار لمدة لا تقل عن عشر سنوات وفقما يطالبون، لا خمس كما يقترح رئيس السلطة، أو “الاستعانة بفريق ثالث” كما يقترح كيري، وربطهم لمسألة انسحابهم منها “بحسن سلوك السلطة” أمنيًّا، أو ما يعني إعطاءهم لأنفسهم سلفًا ذريعة مواصلة احتلالها، لا سيما وأنهم لم ينفذوا يومًا اتفاقًا واحدًاعقدوه مع الأوسلويين، فما الذي يريده المحتلون أفضل لهم من مثل هذه الوثيقة؟؟!!

إلى الأعلى