السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (1 ـ 4)
القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (1 ـ 4)

القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (1 ـ 4)

قراءة في ندوة :”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

عبد العزيز العوضي:
الإسلام دين التعايش السلمي بين الشعوب، وهو يحث على حفظ كرامة الإنسان وأن يكرم أبناء الإنسانية بعضهم بعضاً

ـ البحث يهدف إلى معرفة الهدي الإسلامي على وجه صحيح فى معاملة المسلمين لغيرهم فى كل مجالات الحياة

ـ مصطلح التعايش السلمي كشعار سياسي يعني البديل عن العلاقة العدائية بين الدول ذات النظم الاجتماعية المختلفة

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت أوراق عمل وبحوثاً هامة.
وضمن تلك البحوث والأوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان:(القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية) للباحث عبد العزيز العوضي.
يقول الكاتب في مقدمة بحثه: إن الإسلام دينا ومبادئ له سياسته الداخلية والخارجية التى يعيش فى ظلالها الناس جميعاً، لا سيما وهى تركز فى تعاملاتها على حفظ كرامة الإنسان والاحترام لحقوق المسلم وغيره، وهذه السياسة مبنية على العدالة والمساواة، قال الله تعالى:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. ويقول رسول المحبة والتعايش السلمي لبين البشر سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم):”لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”، كما جاء عن الخليفة الثاني فى الإسلام سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، وقد ثبت إكرامه ـ رضي الله عنه ـ لذلك الشيخ الكبير – وكان يهوديا – حينما وجده يسأل الناس، وجعل له راتباً.
وقال: وهناك الكثير من الشواهد التى تدل على أن الإسلام هو دين التعايش السلمي بين الشعوب، وهو الذي يحث على حفظ كرامة الإنسان، وأن يكرم أبناء الإنسانية بعضهم بعضاً، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):”الناسُ بنو آدم وآدمُ مِنْ تُرابٍ”، وفى أصل الفطرة أن الشعوب ليس بينها عداوة، وأن فطرة الناس السوية التى خلقوا عليها لا تخلق المشاكل أو التباعد بين الشعوب، لأنها نداء الوجدان إلى المحبة، والراحة والسعادة التي لا تتم إلا بالتعايش السلمي بين الشعوب، إنما تأتي العداوة من طغيان الهوى، قال تعالى:”يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ”، أما إذا بقي الإنسان على الفطرة فهو يحب التعايش السلمي، والفطرة كلها خير، لذلك يقول الحق سبحانه:”فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”.
موضحاً سعادته: ويفسر هذه الفطرة رسول الإسلام والسلام سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين (صلى الله عليه وسلم) بقوله: “كل مولود يولد على الفطرة”، أي دين الإسلام الذي هو دين البشر كافة منذ أن خلق الله آدم عليه السلام حتى قيام الساعة.
مشيرا الى ان لهذا الحديث دلالة عظيمة، وحقيقة واقعة موجودة فى أصل الإنسان، ألا وهي أن الإنسان إذا تُرك لفطرته دون مؤثرات خارجية وثقافات تُملى عليه فإنه سيختار الطريق الذى يوصله إلى الله الذى خلقه وأوجده وأمره أن يعيش بسلام مع غيره من الناس دون فوارق أو تعديات، ولذلك علم النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) الأُمة مَنْ هو المسلم الحق، ومَنْ هو المؤمن بالله تعالى، فقال:”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم”.
* أسباب اختيار الموضوع:
وحول أسباب اختيار الموضوع قال: ان من هذه الاسباب هي: مصطلح التعايش السلمي” شعاراً مطروحاً على ساحة العلاقات الدولية بين الشعوب وهدفا منشودا يسعى إليه ومع أهمية المفهوم السائد لهذا المصطلح فإن التعايش بين الأمم المختلفة الديانات أكثر خطورة من الأول، لا سيما إذا أقاموا فى مجتمع واحد ودولة واحدة، إذ إن الاستقرار وبناء السلام بالداخل يأتي قبل الاستقرار وبناء السلام الخارجي، ومن ثم حرص كل مجتمع ودولة على التوصل إلى صيغة تضمن التعايش السلمي والبناء بين أتباع الديانات المختلفة بها، سواء يهدي من الدين أو بفكر وضعي، ومن الأسباب قصور فهم الكثيرين من أبناء الإسلام لدينه وبروز محاولات هادفة تحت شعار “التسامح الديني” كإيجاد ديانة مشتركة وملتقى الأديان كثيرا ما يفهم التسامح الدينى خطأ بأنه التقاء فى كل شىء بين أتباع الديانات المختلفة، ونقيض التميز فى الخصوصيات الدينية خدمة للاستقرار والتعاون الاجتماعيين فكانت الحاجة ملحة إلى توضيح مفهوم إسلامي فى هذا الخصوص، بيد أن عبارة الموضوع ليس بنفس الشعار، وذلك لتجاوز نطاق البحث فى الأمور الدينية حسب المفهوم العلماني السائد إلى المجالات الاجتماعية، وهى فى المفهوم الإسلامي من الدين كذلك، وأيضا من ضمن الأسباب وإن كانت هناك كتابات حول هذا الموضوع إلا أنها ليست بنفس المحتويات التى يعالجها.
* أهداف البحث:
وقال: يهدف هذا البحث إلى معرفة الهدي الإسلامي على وجه صحيح فى معالمة المسلمين لغيرهم فى كل مجالات الحياة. وفى الوقت ذاته تصحيح مفهوم خاطئة حول التسامح الدين والعلاقات السلمية بين المسلمين وغيرهم كذلك إبراز مزايا الدين الإسلامي على سائر الديانات والنظم فى ضمان الحياة الكريمة الآمنة المطمئنة للبشرية جمعاء وكيف أن سيادة الإسلام هو السبيل للخلاص مما عليه المسلمون من تقهقر وفقدان العزة ومما عليه البشرية من شقاء وتعاسة.
* منهج البحث:
موضحاً بأنه لمعرفة الهدي الإسلامي فيما يتناوله الموضوع يتعين على الباحث الرجوع إلى مصدر الإسلام وهو القرآن الكريم وصحاح السنة النبوية المطهرة، مع الاستعانة بكتب التراث وأخصها على الإطلاق القواعد الكبرى الموسوم بـ قواعد الأحكام في إصلاح الأنام لسلطان العلماء العز بن عبد السلام، والاستفادة من كتابات المعاصرين في المواطن التي تستسيغ ذلك والمحاولة قدر المستطاع إبراز موقف الباحث من بين الآراء المسجلة كذا محل الاتفاق بينها ولمعرفة الأحداث التاريخية وتلمس الأوضاع الراهنة يرجع إلى بعض كتب السير والتاريخ المعتمدة والكتب التي تعالج الأوضاع الراهنة مع الاستفادة من كتب ومقولات غير المسلمين على سبيل الاستشهاد والمحاولة، فالمبحث الأول يتحدث حول “بيان مفهوم التعايش وأدلته”، وفي ذلك المطلب الأول وهو “بيان مفهوم التعايش”، ويعني التعايش في اللغة: عايشه: عاش معه. والعيش معناه الحياة، وهو العيش على هذه الأرض من بني آدم كافة دون تفريق، وتعني الاشتراك في الحياة على الإلفة والمودة (المعجم: مادة عيش) وهي على وزن تفاعل الذي يفيد وجود العلاقة المتبادلة بين الطرفين، وسيراً على المعنى اللغوي تكون كلمة (السلمي) وصف مؤكد لطبيعة التعايش، وعلى فرض وجود نوع من التعايش غير السلمي يكون الوصف مقيداً يخرج به نوع التعايش غير السلمي ويسود مصطلح التعايش السلمي في الأوساط البدائية في المجال الاجتماعي، كالتعايش بين الأفراد أو المجموعات الأثنية أو القبلية، وانتقل المصطلح من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي في ظل الدولة الحديثة القائمة على أساس التنوع الديني أو الإثني، وما ينتج عنه من صراعات ونزاعات، ثم صار الآن مطلباً دولياً في ظل الصراعات العالمية والدولية.
وقال: ان مصطلح التعايش السلمي كشعار سياسي يعني البديل عن العلاقة العدائية بين الدول ذات النظم الاجتماعية المختلفة، ومع هذا ليس هنالك أي مانع للتوسع في استخدامه في ساحة العلاقات الاجتماعية بين أتباع الديانات المختلفة وبخاصة المقيمين في دولة واحدة، وإذا كان المفهوم يتجه إلى البحث للتعايش بين الاتجاهات المتباينة دينياً أو سياسياً فإني أرى أن الحاجة ماسة لبلورة رؤية مستوعبة حتى لأهل الملة الواحدة المتفقة دينياً والمتباينة من بعض الوجوه التي تؤدي إلى الاحتراب في كثير من البلدان وخاصة الإسلامية، وإذا كان الأمر كذلك فإن التعايش السلمي يمكن أن يشمل الآتي: التعايش بين أهل الملة الواحدة، والتعايش بين أهل الملل المختلفة، والتعايش بين الدول المختلفة سياسياً، والتعايش بين القوى الاجتماعية المختلفة، وبالرغم من إمكانية اشتمال المفهوم على ذلك لكن يبقى المفهوم السائد الآن ـ غالباً ـ هو بين أهل الملل المختلفة والدول المتباينة، ومع ذلك هنالك أسس ومعالم تصلح لكافة الأنواع وبما أن البحث يتركز على التعايش في الإسلام كان لابد من التعريج على طبيعة الرسالات لنقف على طبيعة الرسالة الخاتمة.
أما المطلب الثاني فهو: “أدلة التعايش السلمي في القرآن والسنة وأفعال سلف الأمة” يتحدث حول:
ـ أدلة التعايش السلمي من القرآن: قال تعالى:(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)، وقال تعالى:(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وجه دلالة الآيات: أن الله تعالى أوجب العدل في كل شيء ومع كل أحد، وبين كل خصمين، وأنه تعالى لم ينه المسلمين عن العدل مع غير المسلمين، بل أمرهم ببرهم أي الإحسان إليهم والقسط معهم أي العدل.
قال تعالى:(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، وقال سبحانه: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وجه الدلالة: أن الله تعالى حث العفو والصفح عن جميع الناس دون تمييز بين مسلم وغيره.
ـ أدلة التعايش السلمي من السنة: نهى النبي عن ظلم أهل الكتاب والمعاهدين: روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة).
روى أبو داوود بسند صحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجة يوم القيامة).
ـ دعاء النبى لغير المسلمين: روى أحمد وأبو داوود بإسناد حسن بسندهما عن أبى موسى الأشعري قال: كانت اليهود يتعاطسون عند النبي (صلى الله عليه وسلم) رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول لهم: (يهديكم الله ويصلح بالكم).
قال جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال إن دوسا هلكت أي عصت وأبت فادع الله عليهم فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (اللهم اهد دوسا وأت بهم)، ودعا لأم أبي هريرة فقال:(اللهم اهد أم أبي هريرة ) فهداها الله تعالى وأسلمت، وقال لأسماء بت أبي بكر (صلي أمك).هذا مع عدله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين وكيف لا والقرآن الكريم أنصف يهوديا وفضح مسلما ونزل قول الله تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، ومن أفعال السلف ما كان يفعله ابن المبارك مع جاره اليهودي، وما فعله القاضي مع أمير المؤمنين علي.

.. للحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى