الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة المعارج “5″

سورة المعارج “5″

اعداد .. أم يوسف
سميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لأنها ‏تَضَمُّن ‏على ‏وصف ‏حالة ‏الملائكة ‏في ‏عروجها ‏إلى ‏السماء، ‏ فسُميت ‏بهذا ‏الاسم‏‏، ‏وتسمى ‏أيضا ‏سورة (سَأَلَ ‏سَائِلٌ‎)، وهي مكية من المفصل وآياتها (44) وترتيبها السبعون ونزلت بعد الحاقة، بدأت السورة بفعل ماضي “سأل سائل بعذاب واقع”. في الجزء (29) الحزب (57). وهي: تعالج السورة أصول العقيدة الاسلامية، وقد تناولت الحديث عن القيامة وأهوالها والآخرة وما فيها من سعادة وشقاوة، ورآية ونصب وعن أحوال المؤمنين والمجرمين في دار الجزاء والخلود، والمحور الذي تدور عليه السورة الكريمة هو الحديث عن كفار مكة وإنكارهم للبعث والنشور، واستهزاؤهم بدعوة الرسول.وسبب نزولها: نزلت في النضر بن الحرث حين قال:اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك … فدعا على نفسه وسأل العذاب فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرا ونزل فيه سأل سائل بعذاب واقع.
قال تعالى:(إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * الا على إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ).
قوله تعالى:(إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) يعني الكافر عن الضحاك، والهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، وكذلك قال قتادة ومجاهد وغيرهما، وقد هلع “بالكسر” يهلع فهو هليع وهلوع على التكثير، والمعنى أنه لا يصبر على خير ولا شر حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي، عكرمة: هو الضجور، الضحاك: هو الذي لا يشبع، والمنوع: هو الذي إذا أصاب المال منع منه حق الله تعالى. وقال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويرضيه، ويهرب مما يكرهه ويسخطه، ثم تعبده الله بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. وقال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضر لم يصبر؛ قاله ثعلب. وقال ثعلب أيضا: قد فسر الله الهلوع ، وهو الذي إذا ناله الشر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم):”شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع”، والعرب تقول: ناقة هلواعة وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفة.
قال:
صكّاء ذِعْلِبة إذا استدبرتها
حرج إذا استقبلتها هِلواع
الذعلب والذعلبة الناقة السريعة.و(جَزُوعاً) و(مَنُوعاً) نعتان لهلوع.على أن ينوي بهما التقديم قبل “إذا”. وقيل : هو خبر كان مضمرة.
قوله تعالى:(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) دل على أن ما قبله في الكفار؛ فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه كقوله تعالى:(ِإنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ..) النخعي: المراد بالمصلين الذي يؤدون الصلاة المكتوبة. ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. وقيل: هم الصحابة. وقيل: هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم.(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) أي على مواقيتها. وقال عقبة بن عامر: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا. والدائم الساكن ، ومنه : نهي عن البول في الماء الدائم ، أي الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع منها.(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) يريد الزكاة المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة رحم وحمل كل. والأول أصح لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر.(لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) السائل الذي يسأل الناس لفاقته، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما. (وَالْمَحْرُومِ) الذي حرم المال (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة.. (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) أي خائفون. (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) قال ابن عباس : لمن أشرك أو كذب أنبياءه. وقيل: لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) تقدم القول فيه سورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) تقدم أيضاً (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها. وقال ابن عباس:(بِشَهَادَاتِهِمْ) أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وقرئ (لِأَمَانَاتِهِمْ) على التوحيد. وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن. فالأمانة اسم جنس، فيدخل فيها أمانات الدين، فإن الشرائع أمانات ائتمن الله عليها عباده. ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع؛ وقد مضى هذا كله مستوفى في سورة “النساء”. وقرأ عباس الدوري عن أبي عمرو ويعقوب (بِشَهَادَاتِهِمْ) جمعا.الباقون (بِشَهَادَاتِهِمْ) على التوحيد، لأنها تؤدي عن الجمع. والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع ، كقوله تعالى:(إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ). وقال الفراء: ويدل على أنها (بِشَهَادَاتِهِمْ) توحيدا قوله تعالى:(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)،(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها. وقال ابن جريج: التطوع. فالدوام خلاف المحافظة. فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ، ويقيموا أركانها ، ويكملوها بسننها وآدابها ، ويجفظوها من الإحباط باقتراب المأثم. فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها.(أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) أي: أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

(المصدر ـ تفسير القرطبي)

إلى الأعلى