السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الأكراد في لحظة سياسية ـ تاريخية فريدة!

الأكراد في لحظة سياسية ـ تاريخية فريدة!

جواد البشيتي

باللغة الكردية هُمْ “كورد”؛ أمَّا بلغتنا العربية فَهْم “كُرْد”، أو “أكراد”. وكلمة “كرد” تعني باللغة الفارسية “البطل (أو المحارِب، أو الشجاع)”؛ وفي ملحمته “الشاهنامة”، والمؤلَّفة من 60 ألف بيت شِعْر، ذَكَر أشهر شعراء إيران، المُلقَّب بـ”الفردوسي”، أنَّ سبب تسميتهم “الكرد” هو شجاعتهم التي امتازوا بها.
عِرْقِيًّا هُم جزء من الأعراق الإيرانية؛ وقد ذَكَر الطبري وابن خلدون الأكراد بصفة كونهم “بدو الفُرْس”.
وذهب ابن عبدالبر في كتابه “القصد والأمم” إلى أنَّ الأكراد من أصل عربي، هاجروا إلى أرض العجم (بلاد فارس) فتناسلوا فيها، وكثر ولدهم، فسموا “الأكراد”.
وفي هذا قال الشاعر: ولا تحسب الأكراد أبناء فارس ولكنَّهم أبناء عمرو ابن عامر.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دعا رئيس الولايات المتحدة ويلسون إلى مبدأ “حق الشعوب (والأمم) في تقرير مصيرها”؛ وَوُقِّعَت معاهدة “سيفر” Sevres سنة 1920؛ وكانت أوَّل اتفاقية تنص على إقامة دولة كردية؛ لكنَّ الحلفاء المنتصرين سرعان ما تراجعوا عن هذا التَّعَهُد؛ لخَطْب وُدِّ النظام الجديد في تركيا بزعامة كمال أتاتورك، وللحيلولة دون زعزعة استقرار سوريا والعراق اللتين مُنِحَتا لفرنسا وبريطانيا، بموجب اتفاقية “سايكس ـ بيكو”. عملت بريطانيا، بعد المعاهدة، على إلحاق جنوب إقليم كردستان، والمعروف بولاية الموصل، بالعراق؛ لكنَّ الأتراك رأوا أنَّ بقاء أكراد الموصل خارج نطاق سيطرتهم يمهد السبيل أمامهم لإثارة أكراد تركيا؛ فطالبوا بضم ولاية الموصل إلى أراضي تركيا.
لقد ضُرِبَت مساعي الأكراد للاستقلال في مقتل إثر اتفاقية “سايكس ـ بيكو” سنة 1916، حيث اجتمع وزراء خارجية روسيا وبريطانيا وفرنسا، ودارت بينهم مباحثات سرية في شأن مستقبل الشرق الأوسط، بعدما أصبحت هزيمة ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية وشيكة؛ وتضمَّنت الاتفاقية تقسيم تركة الدولة العثمانية؛ وكان القسم الأكبر من كردستان تحت السيطرة العثمانية. وهذا الوضع الجديد عمَّق كثيرًا من تعقيد المشكلة الكردية؛ وهكذا كانت اتفاقية “سايكس ـ بيكو” أوَّل اتفاقية دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى، وحطمت حُلْم الأكراد بتقرير المصير.
الاهتمام العالمي بأكراد تركيا ازداد بعد العمليات المسلَّحة التي شنها حزب العمال الكردستاني في الثمانينيات من القرن المنصرم ما حدا برئيس الوزراء التركي آنذاك تورغوت أوزال إلى أنْ يستعمل للمرة الأولى رسميًّا كلمة “الأكراد” لوصف الشعب الكردي في تركيا؛ وسنة 1991، رَفَع أوزال الحظر الكلي على استعمال اللغة الكردية، مستعيضًا عنه بحظر جزئي. تضاريس المنطقة الوعرة أعانت متمردي الحزب في حربهم ضد الجيش التركي؛ وقد اتخذوا من كردستان العراق منطقة تحمي قواعدهم الخلفية؛ كما أقاموا تحالفًا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي بزعامة مسعود البارزاني.
في 15 شباط/فبراير 1999، اعْتُقِل، في نيروبي، زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان، بعد 15 سنة من العمل المسلح، وحكم عليه بالإعدام في حزيران/يونيو من السنة نفسها. وقد خفف الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد في جزيرة صغيرة في بحر مرمرة.
تركيا قلقة الآن من تَوطُّد التعاون العسكري والسياسي لدُوَلٍ غربية، في مقدمها الولايات المتحدة، مع إقليم كردستان في شمال العراق، ومع الأكراد على وجه العموم، ولو كانت الحرب على “داعش” هي الذَّريعة الغربية. وهذا التعامُل الغربي مع الأكراد على أنَّهم “حليف طبيعي” للغرب في الحرب على “داعش”، سمح لهم باكتساب مزيدٍ من القوَّة العسكرية والسياسية، وجَعَل مقاتليهم، في العراق وسوريا وتركيا، يتبادلون الدَّعْم وكأنْ لا وجود للحدود بين الدول الثلاث؛ كما أنَّ أنقرة لا تَجِد فروقًا يُعْتَدُّ بها بين حزب العمال الكردستاني في تركيا، التي تضم نحو 15 مليون مواطن كردي، يتركَّز وجودهم في جنوب شرق البلاد، وبين “وحدات حماية الشعب الكردي” في سوريا.
الحرب على “داعش” سمحت ببدء تغيير في “خريطة التحالفات”؛ فمع “البشمرجة” قاتَل حزب العمال الكردستاني التركي (الذي ما زالت واشنطن وأنقرة تَنْظُران إليه على أنَّه تنظيم إرهابي) وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي أقامه حزب العمال الكردستاني التركي في المناطق الكردية في سوريا (في شمال شرق سوريا).
في مقابلة مع جلال الطالباني، أجراها تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية، في 8 نيسان/إبريل 2006، قال إنَّ فكرة انفصال أكراد العراق عن جمهورية العراق غير واردة، وغير عملية؛ لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تُحْسَم فيها القضية الكردية بعد، وإذا ما قررت هذه الدول إغلاق حدودها فإن الكيان الكردي المنفصل في العراق يسقط.
“الاستقلالية الكردية” عَرَفَت خطواتها الأولى الكبرى في العراق بعد حرب الخليج الثانية، وإقامة الولايات المتحدة لمنطقة الحظر الجوي في شمال العراق حيث نشأ إقليم كردستان، وحيث بدأ أكراد العراق يستعملون كلمة “كورد” تسميةً قومية لهم.
سنة 1946، أَسَّس الملا مصطفى البارزاني للحركة القومية الكردية الحديثة، بتأسيسه الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي قاد النشاط المسلَّح ضد السلطة المركزية في بغداد، والذي يقوده الآن نجله مسعود البارزاني. ومع أنَّ أكراد العراق ما زالوا على استمساكهم بالفدرالية حلًّا لمشكلتهم القومية، فإنَّ المَيْل لديهم إلى الانفصال، وإقامة دولة قومية مستقلة في شمال العراق قد اشتد في الآونة الأخيرة.
يُصَدِّر إقليم كردستان نحو ثُلْث إنتاج الإقليم من النفط الخام، ومقداره 170 ألف برميل يوميًّا؛ كما يُصَدِّر 15 ألف برميل يوميًّا من المُكَثَّفات النفطية. ويبلغ احتياط النفط المؤكَّد في الإقليم نحو 45 بليون برميل، أيْ ثُلْث احتياط النفط العراقي المؤكَّد؛ وقد يتضاعَف الإنتاج الكردي ليبلغ مليون برميل يوميًّا في المستقبل القريب. احتياطات الغاز الطبيعي في الإقليم تتراوح بين 100 و200 مليار قدم مكعب؛ أمَّا الإنتاج منه فيُقارِب 300 مليون قدم مكعب يوميًّا.
العراق هو ثاني سوق لصادرات تركيا بعد ألمانيا؛ ويذهب نحو 75% من هذه التجارة إلى كردستان العراق من خلال 4000 شاحنة تعبر الحدود يوميًّا.
لم يتحدَّد، حتى الآن، موعد دقيق لإجراء استفتاء شعبي في إقليم كردستان، يُقرِّر فيه سكَّان الإقليم، وغالبيتهم العظمى من الأكراد، موقفهم من “الانفصال (أو الاستقلال)” عن العراق “الاتِّحادي”، وإعلان قيام دولتهم القومية (الكردية) المستقلة؛ مع أنَّ رئيس الإقليم مسعود البارزاني بدا مصرًّا على انفصال الإقليم أكثر من ذي قبل؛ ومن وجهة نظر دستورية صرف، مستمدَّة من الدستور العراقي المعمول به الآن، والذي ما زال مدار خلاف حاد مع المعارَضَة من قيادات “العرب السنة العراقيين”، لا استفتاء جائز الإجراء (بعد تلبية بعض الشروط المنصوص عليها في الدستور) إلاَّ ذاك الخاص بما يسمَّى “المناطق المتنازَع عليها” بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، وفي مقدمها كركوك الغنية بالنفط والغاز الطبيعي، والتي يَنْظُر إليها أكراد العراق على أنَّها “جوهرة التاج الكردي”، وتُريد لها حكومة الإقليم أنْ تُضَمَّ (بعد الاستفتاء، وبفضله) إلى الأراضي الكردية التي تبسط عليها سيطرتها.
وقبل أنْ يسيطر مقاتلو “البشمرجة” على كركوك “النفطية”، والتي يقطنها أيضًا عرب وتركمان، توطَّدت علاقة استراتيجية (مفاجئة) بين أربيل (عاصمة الإقليم) وأنقرة، اتَّخَذَت من النفط أساسًا لها؛ فبواسطة أنبوب مستقل، يجتاز الأراضي التركية، شرعت حكومة الإقليم تنقل النفط المُسْتَخْرَج في الإقليم إلى ميناء تركي على البحر المتوسط ، ليُحَمَّل، بعد تخزينه في أراضٍ تركية، في ناقلات للنفط إلى شُراته (الذين ليست تركيا منهم). على رغم أنف بغداد، ولمصلحتهم هُم، شرع الأكراد يبيعون النفط (المُسْتَخْرَج من أراضيهم) بالتعاون مع تركيا (المعروفة بعدائها المزمن للمطامح القومية للأكراد). ومن هذه العلاقة الاستراتيجية الجديدة، تجني أنقرة فوائد أمنية وتجارية واقتصادية جَمَّة؛ وقد يستفيد أردوغان وحزبه انتخابيًّا من هذه العلاقة؛ فنحو 20 في المئة من مواطني تركيا هُم من الأكراد الذي يقطنون منطقة مهمة استراتيجيًّا هي جنوب شرق الأناضول؛ وإنَّ من الأهمية بمكان أنْ نشير إلى أنَّ انقرة، التي ما زالت، من الوجهة الرسمية، تَقِف ضدَّ تقسيم العراق، أعلنت أنَّها “قد” تقبل قيام دولة كردية في شماله “إذا” انقسم العراق.
وإذا ما عَرَفت سوريا تقسيمًا مشابهًا لتقسيم العراق، فرُبَّما يُضَم شمال غرب سوريا الكردي إلى “الدولة الكردية” في شمال العراق؛ لكنَّ أنقرة لن تكون أكثر مرونة في تعاملها مع هذا الأمر المزدوج (قيام دولة كردية في شمال العراق الذي تَقَسَّم، وضم شمال غرب سوريا الكردي إلى هذه الدولة) إلاَّ إذا ضَمِنَت أمرين مهمين: أنْ يسوَّى النزاع (المستمر منذ 30 سنة) مع أكرادها بما يرضيها هي في المقام الأوَّل، وألاَّ تقوم بين هذه الدولة وإسرائيل علاقة لا ترضي أنقرة، ويمكن أنْ تتهدَّد الأمن القومي لتركيا.

إلى الأعلى