الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إن العالم يتغير!!

إن العالم يتغير!!

عادل سعد

تتباين التسميات بشأن الثرثرة السياسة التي تضرب الآن الأسماع العربية، فهناك من يطلق عليها مصطلح اللغو الفائض الذي لا طائل تحته، وهناك من (يراها)، بمعنى يلمسها طنينًا يقدم على أطباق إعلامية من شظايا القنابل والعبوات الناسفة والقتل العمد وحز الرؤوس وبكائيات الحاضر بكل ما يحفل به من مديات الفشل والتخوين وشراء الذمم ومناكفة الأمل واعتماد لعبة التهويل والتغطية والتفريط والاستخفاف وادعاء القدسية في تجاذبات باتت الآن الغذاء اليومي الأغلب لتسميم الرأي العام العربي مع الأسف.
وهناك من يجدها بضاعة إعلامية عالمية عابرة للقارات والحدود أسوة بالشركات العابرة للقارات، ولذلك ليس من المعقول أن لا تصيبنا عربيًّا ونحن في واقع يومي سياسي واقتصادي وثقافي يساعد إلى حد بعيد في انتاجها بحكم الأصابع المحلية والإقليمية والدولية التي تتحكم بخيوطها، مع نكهة معروفة متميزة تشير إلى الانقسام والتشرذم ضمن الرياح الطائفية والمناطقية والمحسوبيات السياسية وأوبئة الفساد الاقتصادي.
لا شك أن الهمهمة أو الضغط السياسي والإعلامي الذي أصابنا يجعل أصحابه في إجادة تتوخى المزيد من التطاحن والافتراء والسعي إلى تغيير القناعات، وهي في أكثر من نسخة واحدة لا تختلف عن (الهمهمة الروسية)، أي ثرثرة المئات من الشيوعيين السوفيت القدماء الذين تهشموا فلم يجدوا ما يعبرون به عن الكساح السياسي الذي أصابهم إلا انفاق المترو في موسكو على مشارف ومقاربات باعة (بنطلونات) الجينز الأميركية والعطور الصينية رخيصة الثمن التي يشكو الروس من زحمتها، لكن شكوتهم صامتة لأنهم لا يريدون أن يفرطوا بالقرين الصيني، وفي الحالتين يبقى الصينيون تجارًا أذكياء يستطيعون أن يصادروا قناعة المتبضعين لسلعهم.
إننا عربيًّا ما زلنا عند قارعة الانتظار نشكو ونتقاذف بالاتهامات ونساوم على القناعات الصحيحة بعيدًا عن التشخيصات الدقيقة، ندين ونشجب ونتمنى ونتطلع ونمارس النحيب أمام قائمة الموتى والمغيبين والجرحى والمهمشين والنازحين والفارين في استطالات لا حدود لها، هذا واقعنا بينما يتغير العالم بإيقاعات جديدة تجد في الحوار وسياسة إعادة النظر وسيلة من الوسائل الناجعة من أجل إعادة (ترميم) المشهد العالمي، إن لم يكن الهدف الإصلاح الكلي.
لقد كانت لي فرصة أن أزور العاصمة الكوبية هافانا ضمن الوفد العراقي في شهر أبريل/نيسان 2001 لحضور قمة الجنوب التي عقدت هناك حينما كان كاسترو يتصدر المشهد ويطرّي بطرائفه (الفجة) في بعض الأحيان أكوام الشكاوى من الجوع والشركات الجشعة ورخص المواد الأولية، ومحنة العالم في عدم تراجع الشهية الأميركية والأوروبية من احتواء كل موجودات المشهد الاقتصادي العالمي، ومع مرارة حديثه لمست رياحا أوروبية استثمارية تتغلل في هافانا امتدادا على سواحلها حتى مشارف جوانتانامو.
وكان الأوروبيون والكنديون على عدد أصابع اليد يتجولون في أسواق المدينة الخاوية إلا من سكاير (الجرود) وبعض بقايا لوح زورق الصيد الذي كان يستخدمه الكاتب الأميركي الشهير همنجواي صاحب رائعة (الشيخ والبحر)، تلك القصة التي رويت بإسهاب لم يهمل فيها حتى خلجات السمكة التي طاردها ذلك البطل العجوز.
لقد هاجم كاسترو في افتتاح تلك القمة الإمبريالية العالمية، لكنه في كل مفردات هجومه كان يضع بصره مع ابتسامة على ملامح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان المشارك في المؤتمر وكأنه يتمنى أن تتدخل المنظمة الدولية لتنهي القطيعة بين بلاده (والامبريالية)، وها هي كوبا اليوم تضع قدمها في ود طازج مع الأميركيين والفرنسيين، ولن تمر شهور إلا وسنجد أن هناك أكثر من زعيم أوروبي سيزور(المتقاعد) كاسترو على غرار ما فعله الرئيس الفرنسي هولاند قبل عدة أيام، مع أكثر من إطلالة مشتركة بين واشنطن وهافانا، فهل نتنبه عربيًّا إلى ما يجري لنعيد رسم ملامح علاقاتنا العربية ـ العربية على ذات الطريق، أليس يكفي لنا حتى الآن هذه المناحة اليومية، وهذا التكسير النفسي والاقتصادي والأمني اليومي المتبادل بيننا، إن العالم يتغير!!

إلى الأعلى