الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / البعد الإنساني لحسن العلاقات الدولية في الإسلام
البعد الإنساني لحسن العلاقات الدولية في الإسلام

البعد الإنساني لحسن العلاقات الدولية في الإسلام

الحديث عن البعد الإنساني للعلاقات الدولية في الإسلام، يستوجب عدم الخلط بين الايديولوجيات في الفكر السياسي للدول، وبين آفاق العلاقات الإنسانية المبنية على احترام إنسانية الإنسان، وأسس القيم الأخلاقية المشتركة الناتجة عن التفاعل والترابط بين وحدات المجتمع الدولي. ضمن المشهد السياسي العالمي، يشهد العالم الإسلامي اليوم اتجاهات تحاول رسم ملامح ظواهر التشدد الديني في الإسلام، وهندسة صور نمطية حافلة على المستوى العالمي بالصراع المفتعل الذي بلغ حد الهوس من(الإسلاموفوبيا) فهل هذه الصور النمطية المروجة قادرة على صياغة مستقبل آمن، يعزز قيم السلم والتعايش الاجتماعي الدولي؟ وهل فعلا تقتصر العلاقة مع المسلمين على تاريخ الصراع؟ ألم تكن هناك علاقات تعاون علمي، معرفي، فكري، لغوي، فني، تجاري بين المسلمين على مستوى العلاقات الدولية؟ ألم يكن من الخطأ الجسيم أن يزعم المؤرخون أن العلاقات الإنسانية والمعاني السامية، لم توجد إلا بقيام الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، بينما الشواهد التاريخية تؤكد أن الإسلام هو الذي وضع النواة الأولى لفن العلاقات الإنسانية؟!!
هذه أسئلة وأخرى ستطرح نفسها في هذا الموضوع، سنحاول الاجابة عنها لتوضيح أن البعد الإنساني هو مشروع أسست له العلاقات الدولية في الإسلام، وأبرزت من خلال المنظور القيمي الإنساني حلقات تاريخية، في تأسيس حقل جديد يمكن وصفه بحقل الدراسات الإنسانية الحضارية الدولية، كحقل معرفي نتمكن من خلاله تعزيز ثقافة التعايش السلمي الدولي، وفق آليات منهجية تشيد لمحطة جديدة من صياغة ديبلوماسية ثقافية ناعمة، نستشرف من خلالها مستقبل سياسة توازن المصالح في ضوء الأهداف العامة للعلاقات الإنسانية وتركز على أهمية تطوير آداب حسن توظيف البعد الإنساني في العنصر البشري الدولي، سواء من خلال التعليم والتربية والمناهج والعمل الديبلوماسي، او من خلال الإعلام والكتب والفن.
البعد الإنساني لثقافة السلام في العلاقات الدولية (Peace Culture) يحتكم لمفاهيم معنوية ولغوية غامضة التداول!!
اليوم وفي ظل التصور المتشابك الابعاد عن موازنة قضايا السلم العالمي تتفرع جدلية الخطابات الدينية واللادينية حول مستقبل ثقافة السلم وحقوق الإنسان، حيث تعاد صياغة طرح أسئلة جوهرية متجددة عن ما هيه ثقافة السلام؟ وما الغاية من ورائها، وكيفية تحقيقها؟ وما المقصود بها في حالة العلاقات بين الإسلام في علاقته مع الاخر؟ أي تطوير النقاش على المستوى الدولي حول مستقبل تدويل مفهوم ثقافة السلام وخريطة ذيوعها في العالم الإسلامي؟
ومع تجدد هذا النقاش يطرح السؤال المفاهيمي، حول ثقافة السلام هل لها مفهوم واحد أم تحتكم لمفاهيم متعددة حسب الخريطة الاستراتيجية وتموقعاتها الجغرافية؟ ـ مما يتطلب من خرائط الإدراك والتقييم الدولي،إعادة بناء المفهوم وإعادة التخطيط لموازنة السلم والعدل العالمي من منطلقات موضوعية حضارية، تتجاوز ثنائيات ازدواجية المعايير في الحكم على الإسلام عند مقاربته بغيره في أبعاده الإنسانية للعلاقات الدولية!
ولعل مناقشة هذه الثنائيات، تدفعنا للمزيد من تعميق البحث عن مفهوم ثقافة السلام بعيدا عن الفئوية والجزئية والنخبوية في مستويات العلاقات الدولية؟
فالحكمة تقتضي القول بأن العنف أو السلام، ليسا خصائص هيكلية أو كامنة في ثقافات أو شعوب دون أخرى، وثقافة العنف أو السلام لاتتميز بالثبات التاريخي، وإنما تنتشر بأشكال ودرجات مختلفة حسب الأزمات والاعتداءات التي تمر منها أحداث الأزمنة التاريخية لدى كافة الشعوب. وبالتالي فثقافة السلام ليست ثقافة مبنية على الحقوق فقط، ولكن هي أيضًا ثقافة الواجبات، ولايمكن ان تخدم فئة ضد فئة ولاثقافة ضد ثقافة ولاشعوب ضد شعوب أخرى؟! لأن أبعادها الإنسانية تتجاوزالفئوية الضيقة،وتحتكم لمبدأ السلام الحضاري القائم على الاعتراف بالتعدد والتنوع والتواصل والتعارف والحوار.
ومن هنا يمكن انتقاد سياسة الجزئية والاختزالية التحيزية الضيقة، في تناول البعد الإنساني الدولي، من جهة تبنيها مواقف واحكام استباقية جاهزة معقدة ومركبة عن جزء معين من هذا العالم،إسمه العالم الإسلامي، مما يحول دون الفهم العميق والدقيق للتحولات التاريخية والحاضرة والمستقبلية، ومن ثم فإن الرغبة الحقيقية لتفعيل وإنجاح مقاييس موازنات الأمن والسلم العالمي الدولي، تقتضي اليوم وأكثر من أي وقت مضى، صياغة رؤية كلية تستدعى بالضرورة إسقاط الأحكام القيمية على دول العالم الإسلامي، ومحاولة تجاوز التأرجح بين أولوية الصراع بين القوى والمصالح والحروب، وبين أولويات آليات الاعتماد السلمي الدولي المتبادل أو تجانس المصالح.
البعد الإنساني للعلاقات الدولية في الإسلام من منظور حضاري
حينما نتحدث عن البعد الإنساني للعلاقات الدولية في الإسلام، نجد كما هائلا من دراسة المستشرقين القدامى والجدد، يقدمون قراءات في الحكم على الإسلام بأنه دين مبني على سن فقه الحرب لا السلم، فهل نحن من أسسنا لمثل هذه القراءة المتحيزة ضد الإسلام تحت عنوان الفقه الإسلامي في تقسيم دار السلم ودار الحرب؟ أم أن أسس العدل والمساوات في مسار تاريخ مد وجزر، العلاقات الدولية في الإسلام قدمت وفق رؤى استشراقية متحيزة؟
إذا حاولنا البحث عن مفهوم البعد الإنساني في الرؤية القرآنية، سنجد أن تحديد قيم التعامل الدولي بين الشعوب، لم تقف عند آيات الأحكام، وإنما تمحورت بمنهج ترابطي حول الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة والزمان. لتؤصل لأنماط التفاعل الحضاري المحرك لعنصر الإنسانية كمحور رئيسي للكون، بما يسمى اليوم “الرؤية الإنسانية الكونية للنظام العالمي”.
إن تأصيل البعد الإنساني في العلاقات الدولية اعتمد على المجال الحضاري الإنساني بصفة عامة، ومحورت رؤاه الكلية على ابعاد قيمية (التعارف، العمران، التدافع…) مبنية على فقه الواقع، فقه يحتاج الى دراسته بتبصر ورؤية تقود إلى استيعاب مضامينه، بعيدا عن شطط الإسقاط لعقلية التفوق التاريخي التي تقود إلى فوضى الأحكام الضيقة.
فثقافة السلام الدولي ليست مجرد أفكار في العقول ولكن هي ممارسات، وسلوك، ووقائع وأحداث تاريخية آنية، ومخططات مستقبلية. وما يسمى اليوم بالأبعاد الخارجية “للتطرف الإسلامي” أو ما يسمى الامتدادات الخارجية للحركات الإسلامية الجهادية أوما يسمى “الإرهاب العالمي” لا يمكن تفسيره – وليس تبريره- بأسباب ثقافية لصور نمطية (مردها القراءة الخاصة لموقف الإسلام من غير المسلمين)، أو بأسباب هيكلية (مردها أوضاع الاستبداد والظلم الداخلي والخارجي ضد المسلمين دينًا وقيمًا ونظمًا وتاريخًا وقضايا)، ولهذا فاعتماد البعد القيمي الإنساني كإطار مرجعي لمشروع العلاقات الدولية فى الإسلام، يحتاج الى اعادة الاعتبار من ذوي الأحكام التنميطية المروجة على المستوى الاعلامي دوليا ضد الإسلام، لأن العقل يقضي باستحالة ثنائية الحرب والسلم في أصل العلاقات الدولية، والحكمة تقتضي فقه الموازنات، فلا المسلمون ظلوا في حالة حرب دائمة ولا يمكن أن يظلوا في حالة سلم دائمة، كغيرهم من الدول والشعوب التي تعاقبت عليها أزمنة التباث والتغير التاريخي في الظلم والعدوان.
وبالتالي فحركية التاريخ توضح لكل باحث موضوعي، كيف أن الحرب فقط لم تكن أداة العلاقات الوحيدة مع الآخر في ظل القوة الإسلامية. وإنما كان الأصل الدعوة برسالة الرحمة للعالمين، فغاية العلاقة،التعارف، التدافع، التعاون، التكافل، التضامن، على البر والتقوى، وليست إقصاء الآخر أو استبعاده بالظلم والعدوان.
إن التراث الإسلامي السياسي في العلاقات الدولية، لايمكن أن يقرأ في أبعاده الحضارية الإنسانية بعيدا عن تأصيل العلاقة بين الثابت والمتغير، والعلاقة بين القيم والواقع. الأمر الذي يدعوا الى التمييز بين المنظور الفقهي للأحكام – باعتباره منظورًا جزئيًّا محدد الزمان والمكان- وبين المنظور الحضاري الأكثر اتساعًا وشمولاً، ومن هنا تتبلور الرؤية الإنسانية في العلاقات الدولية الإسلامية. لتكشف العيوب المنهاجية التي وقع فيها رواد القراءات الاستشراقية، من جهة ومن جهة أخرى لاستشراف أبعاد القيم الكونية الإسلامية من أجل بناء جديد لقراءة تراث الفكر السياسي الإسلامي من منظورٍ خاصٍ به. بعيدا عن ثنائية التدنيس أو التقديس.

مكونات البعد الإنساني في العلاقات الدولية الإسلامية:
الإسلام وتكريم الإنسان :
يشكِّل الرصيد القيمي والأخلاقي في أي حضارة أو أمّة ما، المرتكز الأهم لاستحقاق وجود تلك وضمان استمرارها وسيادتها، فأي حضارة تغيب البعد الإنساني الأخلاقي، هي حضارة محكوم عليها بالزوال،لأن مركزيّة الأخلاق في حياة الشعوب والأمم هي منبع المخزون القيمي والحضاري لضمان الاستمرارية السننية التاريخية، تحت مبدا إتمام مسيرة الاخلاق، (إنّما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ومكارم الأخلاق، هي جملة من المبادئ والقوانين الناظمة للسلوك الإنساني بغية تحقيق معنى الاستخلاف الإلهي للإنسان مصدر محورية الكون.
وبالتالي فالحديث عن القيم والأخلاق هو حديث عن الإنسان ذاته، الإنسان الذي احتل قيمة مركزية في الكون،وتقلد مسؤولية الاستخلاف في الارض، تكريماً له وتشريفاً، تكريم سخرت معه مخلوقات الكون كافة ليتحقّق له مقام منزلته وتشريفه عند الله ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيل) وهو تكريم غير مقيد بشرط الجنس ولا اللون ولا الدين أو المذهب، وهنا نستحضر الرقي في مقام البيان القرآني، حين تحدث عن النفس، مستخدماً صيغة من صيغ العموم، فذَكَرَ النفس الإنسانيّة بصيغة النكرة مسبوقةً بالاسم الموصول “من”، وكلّ ذلك من الصيغ التي تفيد العموم والعالمية في احترام إنسانية الإنسان،(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً..)، فنص الخطاب القرآني هنا يشمل كلّ الأنفس الإنسانيّة، دون النظر إلى الفوارق الإيمانيّة أو غير الإيمانيّة، لأن الأصل، حماية الدم الإنساني وصيانته من أي اعتداء. بل ان رقي الإنسانية في الإسلام، يسمو الى حماية الإنسان حتى من إذاية نفسه (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) وتعدّاه ليشتمل حماية كل الحالات الاستثنائيّة؛ كحالات القتال في النزاعات الدولية، لتوضح على أنّ هناك أصنافاً معيّنة من الرعايا المنتمين للعدوّ المحارِب، لا يجوز قتالهم ولا يجوز الاعتداء عليهم، وحددت التعامل مع أسرى العدو حالة الحرب ينحصر بـ”المن أو الفداء”، مؤكّدة بذلك على أن الأخلاق الإسلاميّة تأبى الاعتداء على الأسرى بالقتل أو الإيذاء.
لقد أقر الإسلام في منظومة علاقاته الدولية، قيم التضامن والتكافل المعبرة عن روح المساواة في البعد الإنساني بين البشر: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عندالله أتقاكم) وهذه الآية الكريمة تؤكد قضيتين هامتين في الإطار الحضاري الإنساني:
الأولى: أن الله تعالى، قد خلق الناس شعوباً وقبائل لكي يتعارفوا، وليس لكي يتخاصموا، وهكذا فإن الحضارة الإسلامية في محكم الآيات القرآنية تدعو إلى الحوار الحضاري وليس إلى الصراع الحضاري، وتؤكد أن الإسلام يعترف بالشعوب الأخرى وعقائدها وحضاراتها.
والثانية: أن الله تعالى يؤكد أن أكرم الناس عند الله هو أتقاهم وليس أبيضهم أو أسودهم أو أغناهم أو أشرفهم نسباً، مما يبرز بوضوح تام الفهم الإنساني العميق لدى الحضارة الإسلامية لحقائق الوجود البشري. لقد انطلقت استراتيجية التعامل الحضاري في التاريخ الإسلامي من هذا المفهوم، فلم يقم المسلمون بإجبار الآخرين على تغيير معتقدهم، ولا يذكر التاريخ أن فترة أو حاكماً أو مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي شهدت عمليات إرهاب ديني أو قمع مذهبي. ويؤكد هذا وجود عدد من الأديان والطوائف والمذاهب تمتعت بحرياتها خلال المراحل المختلفة لحكم الإسلام عبر أربعة عشر قرناً. 8
العهدة العمرية، معاهدة فتح بيت المقدس (إيلياء)
نص كتاب المعاهدة:
* بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أعطى عبدالله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان.
أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها بريئها وسائر ملتها، وأنه لا تسكن كنائسهم، لا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنّهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، فإنّهم يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنّه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة للهجرة*.ثم سار عمر رضي الله عنه من الجابية إلى بيت المقدس، وتنفيذاً لبنود المعاهدة وموادها، أقام رضي الله عنه مصلاّه إلى كناسة نظفها وطهّرها مع من كان معه من النّاس، ولم يصلّ في كنيسة القيامة كي لا يقال صلّى هنا عمر، فلتحوّل إلى مسجد، وعلى مقربة من الكنيسة بنى مسجد عمر دليل التّسامح والتّآخي والاعتراف بالآخر.لقد عبّر عمر رضي الله عنه بوضوح حينما سئل لِم لم تصل داخل الكنيسة، قال: “لو صليت داخل الكنيسة خفت أن يقول المسلمون من بعدي: هذا مصلى عمر، وأن يحاولوا أن يقيموا في هذا المكان مسجداً”
آداب حروب النزاعات الدولية في الإسلام :
القاعدة الإسلاميّة في الفتوح الأمان لكلّ مدين، ولكل من لم يقاتل، ناهيك عن الأمان للأطفال والنساء والشيوخ وعلماء الدين، مع كفالة حرية المعتقد، فللحروب آدابها، لخصها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في عشر خصال، جاءت في خطبته التي ودع بها جيش أسامة بن يزيد، وفيها يقول:(يا أيها النّاس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّي: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تغفروا نخلاً ولا تحرقوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطّعام، فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء، فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسّيف خفقاً، اندفعوا باسم الله)، وهذا يعني أن يقاتل المقاتلون فقط في ميدان المعركة.

حقوق غير المسلم في دولة الإسلام
واستناداً إلى العهدة العمريّة المستمدّة من الكتاب والسنّة، والتي وقعت على منوالها معاهدات كثيرة في بلاد الشام، ومصر.. استخلص الفقهاء حقوقاً لغير المسلم في دولة الإسلام، منها:
1 – حفظ النفس، فدم الذّمّي كدم المسلم، قال علي رضي الله عنه: من كان له ذمّتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا.
2 – والقانون الجنائي سواء فيه المسلم والذّمّي، يتساوى فيه الاثنان درجة.
3- والقانون المدني سواءٌ فيه الذّمّي والمسلم، وأموال الذّميّين كأموالنا، جاء في الدّار المختار 2/273: ويضمن المسلم قيمة خمره (خمر الذّمّي وخنزيره إذا أتلفه).
4- مع حفظ الأعراض: فلا يجوز إيذاء غير المسلم لا باليد ولا باللّسان، ولا شتمه ولا غيبته، ورد في الدّر المختار: ويجب كفّ الأذى عنه، وتحريم غيبته كالمسلم.
5- وثبوت الذّمّة: إنّ عقد الذّمّة يلزم المسلمين لزوماً أبديّاً، أي إنّه ليس لهم أن ينقضوه بعد عقده، ولكن أهل الذّمّة لهم الخيار أن يلتزموه ما شاؤوا, وينقضوه متى شاؤوا، ومهما ارتكب غير المسلم من كبيرة فلا ينقض بذلك عقده.
6- والأحوال الشّخصيّة: يقضي بها الذّميّون بحسب قانونهم الشّخصي.
7- ولغير المسلم الحق في إظهار شعائره في معابده.
8- ولا يجوز في الجزية أن يكلّفوا ما لا يطيقون، ومن يفتقر أو يحتج فلا يعفى من الجزية فحسب، بل يجرى له العطاء من بيت المال.11 وللإشارة فالجزية هنا تعني بالمفهوم المعاصر بدل التجنيد الاجباري العسكري أو بدل الجندية،كضريبة يؤديها من لايخرج للقتال وهم قادرون عليه،والدليل عدم فرضها على الشيوخ ورجال الدين والنساء.
اليوم وبلغة العصر تتمثل القاعدة القانونية الدولية في قدسية العهود واحترامها. كما صيغت في العهدة العمرية ووصاية ابي بكر الصديق، ترجمة مبسطة لمبدأ عدم خيانة العهد، كقاعدة قانونية أساسية في العرف الدولي المسمى بـ«Pacta Suct Servanda» أو الحفاظ على العهود، وكذلك هي الوصايا الخاصة بعدم التعرض للأطفال والنساء والشيوخ، والتي اقرها الإسلام بقرون،قبل المبادئ التي وثقتها اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بمعاملة المدنيين وقت الحرب.

البعد الإنساني أي استشراف لمستقبل الديبلوماسية الإسلامية؟
لا يخفى على أي مطلع تعرض الإسلام لحملة منظمة وشرسة لتشويه علاقاته الديبلوماسية عبر التاريخ، لأسباب سياسية مفهومة، منها محاولة استبدال العدو،وإعادة صياغة بؤر الخطر في النظام الدولي لأسباب توازنات سياسية واقتصادية وعقائدية مختلفة، وعلى الرغم مما تملكه الحضارة الإسلامية من تراث إنساني ضخم، فإننا كمثقفين جدد، نظل في حالة انبهار بالمنتج الثقافي والقانوني والحضاري الخارجي على كافة المستويات، فهل عجزنا حتى اليوم على صياغة خطاب حضاري لمختلف روافد الحضارة العربية الإسلامية؟ خطاب مؤصل بلغة يفهمها العالم الخارجي وترقى لمقومات الانفتاح الحضاري، بدلا من الانعزالية الثقافية!!.
وبالتالي المشكلة الحقيقية التي تواجهنا اليوم،هي ليست في ريادة المنظومة الإسلامية في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بقدر ماتتمثل في النقص التوثيقي الاكاديمي العلمي لهذه المنظومة، بلغات عالمية تجاري المتغيرات الدولية والأسس القانونية الدولية، وتأخذ حقها من النشر والتعريف والتدويل، لتعتمد ضمن مكتبات القانون الدولي بكل أطيافه وتوجهاته.وقد يستدعي منا التوقف على حقيقة هذه الأبعاد الإنسانية في المنظومة الدولية الإسلامية تقديم رؤية تعارفية إنسانية لمكونات المنظومة الإسلامية في العلاقات الدولية، والعمل الجاد على تدويلها في سوق المنافسات الحضارية العالمية بجميع اللغات، بمعنى آخر الاستشراف المستقبلي لرؤية ديبلوماسية إسلامية، تنعتق كليا من سياسة الفوضى الخلاقة المحتكمة لمفاهيم التنميط الدولي الاستراتيجي،الذي يحفظ مصالح القوى العالمية على حساب زرع فتيل الصراعات الداخلية بين الشعوب، والضغظ عليها بمزيد من االارتهان لعبودية قوانين بنك النقد الدولي، رؤية جديدة تخضع لمبدا توازن مصالحنا في دول العالم الإسلامي وترتكز على المفاهيم التالية:
ـ الإنسانية الإسلامية: التعارف – التعايش- الإخاء – المساواة – العدالة – التسامح – التكافل- التعايش- الخلافة الإنسانية- إنسانية الرسالة الإسلامية للعالمين.
ـ السنن الإلهية في التعامل الدولي: التعارف / التعايش الحضاري – التدافع الحضاري – ابتلاء الأمم – الطغيان / الاستكبار الدولي العالمي – العمارة الحضارية – قيام وسقوط الحضارات من رؤية إسلامية سننية – التوازن الحضاري – الإبدال الحضاري والتداول بين الدول الأمم – الفقه الحضاري وأصوله- الحوار الحضاري – عالمية الرسالة.
ـ وسطية الأمة الإسلامية – الشهود الحضاري (خيرية الأمة – أمة الشهادة…)- مقاصد الشريعة والتعامل الدولي – عناصر فاعلية الأمة الإسلامية – سنن: الاختلاف، والتنوع، والتعددية، والتعاون الحضاري – الصراع الحضاري…
ـ التأصيل للعلاقة مع الآخر، ومن ثم بناء رؤية إسلامية للعلاقات الدولية تمتد إلى منظومات مفاهيم تتعدى التأصيل العام للأصل في العلاقات الدولية في الإسلام بحيث لا ينحصر في كونه حربًا أم سلامًا، ولكن متى الحرب ومتى السلام؟
وبالتالي فإن الظرفية التاريخية، وحالة عناصر التمكين السياسي والقوة للتداول السنني للحضارات هي المحدد الرئيسي لشروط حركية عناصر وغايات الحرب والسلام. وقد استفاد القانون الدبلوماسي المعاصر من آراء أئمة الفقه الإسلامي من خلال مؤلفاتهم الزاخرة، التي أرست القواعد الفقهية للسياسة الخارجية للدولة الإسلامية فضلاً عن تأكيدها لمبدأ الحصانة الدبلوماسية.
وإلى هذه المنظومة المتكاملة للإسلام (عقيدةً ومبادىء وقيمًا)، رد “ميشيل بوازار” أسباب إنتشار الإسلام بسرعة خلال القرون الأولى. حين يقول “: إن مفهوم الإسلام عن الإنسان والجماعة والعالم ينعكس على الهدف من الحرب وعلى طريقة سير المعارك، وطرق التعامل مع الأعداء، بحيث لا تتعارض الحرب مع المبادئ الإسلامية (العدل) ومع أخلاقيات الإسلام وبالطبع مع شريعته. والحقيقةً كثير هم من تناولوا قواعد وأحكام فقه القتال والسلم في الإسلام وأهداف وأسباب الحروب، ولكن رؤية “ميشيل بوازار” تبين أن الفقه الإسلامي للعلاقات الخارجية، وخاصة الفقه العام الكلي- المتصل بأصل رؤية الإسلام للعلاقة مع الآخرين حربًا أم سلمًا- ليس أحكامًا فقط؛ ولكنه أيضًا فكر ورؤية للعالم، يساعد فهمها على فك الاشتباك بين الاتجاهات المتقابلة حول هذا الأصل. فهو ليس حربًا فقط أو سلمًا فقط. ولكن حربًا أو سلمًا وفق الأحداث التاريخية.
إن المجال جد مهيأ في عصرنا الحالي،إن نحن أردنا تنفيذ مقومات هذا الخطاب، من خلال أسمى وأرقى مبدأ إسلامي عنوانه البعد الإنساني في الديبلوماسية الإسلامية، عنوان يدعونا للبحث الاكاديمي الجاد عن تفعيل قيم الديبلوماسية الإسلامية عبر التاريخ، ويدعونا لعقد مؤتمرات عالمية موسعة، بمشاركة جادة لخبراء القانون الدولي والقانون الإنساني من المسلمين وغير المسلمين، لمناقشة وتوثيق الدور الريادي للإسلام في مجالي القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وهنا يصح لي أن أنوه بمبادرة مركز السلطان قابوس في عقد مؤتمرها الدولي تحت عنوان أسبوع الوئام والتقارب الإنساني، وقد أعتبر هذا المؤتمر رسالة عربية من دولة إسلامية، اعتمدت منهج التقارب الإنساني لتوحد لغة المؤتمرين، وتجعل من محاور مشاركتهم آليات عمل مبنية على أسس اللغة الدولية الرافعة لصوت حقوق الإنسان ومفرداتها، تناقش القيم الإنسانية والدينية وتأثيرها المباشر على تطور المفاهيم الإنسانية الدولية، وتحيي دور القيم التي ولدتها الحضارة الإسلامية العربية في تطوير مفهوم حقوق الإنسان دوليا.

المقترحات والتوصيات:
1 – إن دراسة البعد الإنساني في العلاقات الدبلوماسية، بشكل مقارن بين الفقه والقانون تبين للقارئ والباحث تميز الإسلام ورقي معاملاته الإنسانية في العلاقات، وعلى ضوء ذلك فإنه لابد أن يخصص لمثل هذه الدراسات جانب من الاهتمام، من قبل الدارسين والباحثين المتخصصين بلغات مختلفة،إظهارا لفضل الإسلام وحسن تعامله القيمي الإنساني مقارنة بالقوانين الوضعية.
2- إعادة الاعتبار لحقل الدراسات الديبلوماسية الإسلامية تاريخا وحاضرا واستشرافا للمستقبل، وبمعنى آخر وضع نموذج للمدرسة الدبلوماسية الإسلامية، وتدويلها عالميا، كمدرسة لها آلياتها المنهجية و ضوابطها الحضارية ومعالمها التاريخية، وشروطها القانونية ومبادئها، الإنسانية الكونية حتى تكون واضحة ومتميزة بسمو أخلاقياتها الراقية أمام الديبلوماسية الدولية.
3- ضرورة صياغة معاصرة لمقررالعلاقات الخارجية في المعاهد الدبلوماسية في الدول العربية والإسلامية تحت عنوان “أثر أئمة الفقه الإسلامي والتداول السياسي في الدبلوماسية” يبين أثر علماء وفقهاء وساسة وديبلوماسي المسلمين الأوائل والمعاصرين على الوظيفة الدبلوماسية الدولية.
4- ضرورة تنظيم دورات دبلوماسية عالية للسفراء والدبلوماسيين، الذين يعينون أو ل مرة سفراءً للدول الإسلامية في الخارج، حول قيم الابعاد الإنسانية الراقية للعلاقات الدولية في الإسلام.
5- تَبَنِّي جائزة خاصة للبحوث المتعلقة بإبراز وتعزيز قيم البعد الإنساني للدبلوماسية الإسلامية وتشجيع الكتابة في مثل هذه القضايا. وتدويلها عالميا.
6- تبني كرسي للدبلوماسية الإسلامية في الجامعات العربية والإسلامية يخدم الفكر الدبلوماسي الإسلامي.
7- إنشاء متحف للديبلوماسية الإسلامية تاريخيا تتبناه سلطنة عمان باعتبار تميزها الاشعاعي الثقافي في الحفاظ على التراث الإسلامي، متحف يجمع كل المخطوطات والمراسلات والهدايا وتحف الديبلوماسية الإسلامية عبر التاريخ.
8- إجراء ندوات دبلوماسية سنوية تتبناها جامعة الدول العربية والمنظمات الإقليمية العربية والإسلامية تخصص للدبلوماسية المقارنة وواجبها في تنشيط العمل الدبلوماسي.
9- إصدار نشرة دورية عن مآثر الدبلوماسية الإسلامية.واحترامها لأبعاد إنسانية الإنسان.
10- ضرورة إيجاد صفحة في الحاسوب تتعلق بأشهر أعلام الدبلوماسية الإسلامية في الماضي والحاضر، والتعريف بجهود الدبلوماسية الإسلامية في حل النزاعات الدولية.
11- ضرورة أن تتبنى الجامعات العربية والإسلامية مشروع ترجمة المصادر الإسلامية المتعلقة بالدبلوماسية الخارجية لدول العالم الإسلامي إلى اللغات الأجنبية، وحصر تلك المصادر ليسهل الرجوع إليها.
12- استخدام المعاهد الدبلوماسية في الدول الإسلامية الدبلوماسيين المشهورين من ذوي الخبرات في مجال الدبلوماسية المقارنة. وترجمة المنشورات والمعاهدات والرسائل الى لغات عالمية تدخل مصادر ومراجع للدراسة في القانون الدولي الإنساني.
13- إن تخصص وزارات الخارجية في الدول العربية والإسلامية كليات أو معاهد خاصة للدبلوماسية بحيث تكون جزءًا من الدراسة حول الدبلوماسية المقارنة والتي تبرز من خلالها مشاهير الدبلوماسيين في الإسلام على مر العصور، وإيجاد مصادر دبلوماسية إسلامية في مكتبات وزارات الخارجية تمكن الدبلوماسي من استخراج المعلومات بسهولة، والمقارنة بينها وبين الدبلوماسية المعاصرة.
14- تشجيع السفراء والباحثين في مجال العلاقات الدولية على الكتابة بلغات عالمية في مواضيع تتعلق بالدبلوماسية المقارنة وإقحام عنصر البعد الإنساني في العلاقات الدولية الإسلامية، برؤية موضوعية علمية بعيدا عن التحيز الضيق لتاريخ دول دون اعتبار لدول وشعوب أخرى.

إعداد د. مريم آيت أحمد
أستاذة التعليم العالي رئيسة مركز إنماء للدراسات المستقبلية ـ المملكة المغربية
ait.mari@gmail.com

إلى الأعلى