السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى رهينة المنفيين التي تحررت .. بالموت !

رؤى رهينة المنفيين التي تحررت .. بالموت !

حين داهمني خبر رحيل الكاتبة الكبيرة آسيا جبار، كان ذلك يوم 6 فبراير الماضي هرعت إلى مكتب رئيس الهيئة العامة للكتاب في معرض القاهرة الدولي، وجدته على علم برحيل الكاتبة العظيمة، فاقترحت عليه تعديل برنامج الندوات في القاعة الرئيسية، بما يسمح بتنظيم ندوة حول الدكتورة آسيا جبار، فكر مليا، وبدا من ذلك أن الاقتراح يروقه، لكن بدا لي أيضا من تعبيرات وجهه أن ثمة صعوبات، وأخيرا قال: نحن في الأيام الأخيرة للمعرض، والتعديل ليس سهلا، لكن مع افتتاح المركز الدولي للكتاب سيكون هذا أول نشاط ننظمه في المركز !
- ومتى سيكون الافتتاح ؟
- بعد أسبوعين من انتهاء المعرض !
لكن الأسبوعين امتدا إلى ثلاثة أشهر، وها هو المركز يفتتح أخيرا، ليس بندوة حول الراحلة آسيا جبار كما وعدني، بل باحتفالية جميلة عن كاتبنا العظيم جمال الغيطاني، بمناسبة بلوغه السبعين، حرص وزير الثقافة المصري على حضورها، وبدا التضفير بين المناسبتين، افتتاح المركز وسبعينية الغيطاني مبادرة ذكية.
حيث عاش الحضور أمسية في حب الغيطاني، في محاولة لإحياء عشقنا القديم للكتاب،
لكن الاحتفاء بأحد عظماء الأدب العربي جمال الغيطاني، لا ينبغي أن ينسينا عظيمة أخرى، آسيا جبار التي رحلت منذ شهور، لذا آمل ألا ينسى رئيس الهيئة العامة للكتاب ما وعدني به، فحدث جلل مثل رحيل آسيا جبار لا يمكن أن يسقط من ذاكرة مثقف كبير مثل مجاهد، رغم كثرة مشاغله، لكنني لن أكتفي بالمراهنة على ذاكرته، فلن أكف عن ملاحقته حتى يفي بوعده.
كتبت عنها أكثر من مرة ، في جريدتي “القاهرة ” المصرية و”الوطن العمانية” ، خاصة في مواسم “نوبل” ، وكلما أزف موعد الإعلان عن الفائز بالجائزة الأهم عالميا في حقل الأدب ، وفي كل مرة أبدي ما أراه عدلا أن نوبل في الآداب لو طرقت باب أديب عربي مرة أخرى ، فسيكون باب الكاتبة الجزافرنسية فاطمة الزهراء أو آسيا جبار، كما عرفها قراؤها، وليس باب الشاعر الكبير أدونيس كما يتوقع البعض، وكما يتوقع هو، وإن كان قد أبدى عدم اهتمامه بالجائزة خلال حديثه في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الماضية، ولقد ظهر اسم آسيا جبار بالفعل على قوائم المرشحين للجائزة عام 2009، وكما هو معروف هي الكاتبة العربية والأفريقية الوحيدة التي انضمت لعضوية الأكاديمية الفرنسية في 16 يونيو عام 2005.
وأظن أن الكثير في المغرب العربي يوجهون لأشقائهم في المشرق أنهم يعانون من أنيميا معرفية فيما يتعلق بالشأن الثقافي المغاربي، وقد يكون هذا صحيحا، ففي أكثر من مرة رددت فيها خبر رحيل آسيا جبار، بدا على بعض المنصتين شيئا من عدم الاهتمام الناجم عن عدم دراية بمكانة تلك الكاتبة العظيمة .
وإني أراها زهوة الأنوثة العربية التي ترقرقت هرمونات عبقريتها في الجغرافيا الغربية أكثر من نصف قرن، تلك الكاتبة الجزائرية التي أنتخبت في 16 يونيو عام 2005 عضوا في الأكاديمية الفرنسية، كأول امرأة عربية افريقية تحتل مقعدا في هذا المكان العظيم.
في شرشال غرب الجزائر العاصمة كان ميلادها في الثلاثين من يونيو عام 1936 وأطلق عليها أبواها اسم فاطمة الزهراء، في المدرسة القرآنية بالمدينة كان خطوها الأول مع التعليم، بعدها التحقت بالمدرسة الابتدائية الفرنسية في مدينة موزايا ثم البليدة فالجزائر العاصمة، تابعت دراستها في فرنسا حيث شاركت في إضرابات الطلبة الجزائريين المساندين لاستقلال بلادهم. خاضت الكتابة الأدبية والمسرحية والإخراج السينمائي بنجاح، فنشرت أول أعمالها الروائية “العطش” عام 1953 ، ثم رواية “نافذة الصبر” (1957). بعد استقلال الجزائر توزعت آسيا جبار بين تدريس مادة التاريخ في جامعة الجزائر العاصمة والعمل في جريدة “المجاهد”، وظلت متشبثة باهتمامها السينمائي والمسرحي. غادرت إلى فرنسا عام 1980 حيث بدأت بكتابة رباعيتها الروائية “نساء الجزائر .. ظل السلطانة .. الحب والفنتازيا .. وبعيداً عن المدينة” وفي أوج الحرب الأهلية التي هزت الجزائر كتبت عن الموت أعمالاً روائية أخرى منها: “الجزائر البيضاء و وهران ولغة ميتة”، كما كانت آسيا جبار أول امرأة جزائرية تنتسب إلى دار المعلمين في باريس عام 1955 م ، وأول أستاذة جامعية في جزائر ما بعد الاستقلال في قسم التاريخ والآداب، وأول كاتبة عربية تفوز عام 2002 بـجائزة السلام التي تمنحها جمعية الناشرين وأصحاب المكتبات الألمانية، وقبلها الكثير من الجوائز الدولية في إيطاليا، الولايات المتحدة، وبلجيكا .

فاطمة الزهراء وليس هذا كل شيء، فثمة الكثير الثري حول مسيرة الراحلة العظيمة، تحديدا، فاطمة الزهراء، الانسانة الأنثى، التي يسيل هرمون الاستروجين من مآقيها دموع قهر، ماذا لدينا عنها ؟
ولا شيء عن عوالمها السرية تلك أخفته عن قرائها، فقط علينا أن نقرأ ، بل نغوص في لجج سطورها الهادرة بالمعاناة ، باللوعة ، حتى لا تختزل معرفتنا عن آسيا جبار حول ثمار انتصار الارادة ، الكاتبة المقروءة عبر عشرين لغة حول العالم والتي ينظر الى ابداعها وتنظيرها باحترام عبر القارات ، ذلك أن خلف كل هذا طريق طويلة ، تضاريسها لم تكن أبدا مواتية اجتازتها آسيا بشجاعة أحيانا، بالمراوغة أحايين كثيرة ،
ولماذا آسيا جبار وليس فاطمة الزهراء، ؟
في باكورة أعمالها الروائية ، “العطش” والتي صدرت عن دار جوليار عام 1957 ، تتناول حياة فتاة شابة متحررة من الطبقة البرجوازية تخوض حربا ضد كل المحظورات وسعيها لاكتشاف مفردات أنوثتها ، الجسد والأحاسيس، وكالعادة بدلا من أن يهتم جمهور القراء بالمتن حاصروا الكاتبة بالتساؤلات المتوجسة، “ومازال بعضنا بعد نصف قرن يفعل هذا ، ينسج من سطور بوح أي أنثى حبلا يتسلق من خلاله الى نافذة مخدعها متلصصا بغريزة مراهق على عوالمها السرية” وكانت النتيجة أن رأى الكثير من القراء في بوح فاطمة الزهراء النسخة العربية المسلمة من فرانسواز ساغان الفرنسية ، ألهذا لاذت بالاسم المستعار آسيا جبار؟! يقول البعض إنها فعلت ذلك خوفا من أن يتصور والدها بأن ابنته في طريقها الى أن تكون شبيهة ولو من بعيد ببطلات مخيلتها المتحررات والفاضحات.! ورغم أن أباها بدا ذا فكر مستنير، بمقاييس ثلاثينيات القرن العشرين ، حيث دفع بابنته الى المدارس البعيدة وحتى خارج الجزائر وكان مؤمنا بأفكار الثورة الفرنسية ، الا أنه أبى أن يستوعب فكرة أن تحت ضلوع ابنته قلبا يمكن أن يخفق باسم شاب، لذا في روايتها “لا مكان لي في منزل أبي” والتي صدرت عن دار فايار الفرنسية تصرخ بما أوجعها دائما “سأقتل نفسي إن علم أبي” ، والسر الذي عاشت صباها ومراهقتها مزنزنة بسببه في دائرة الخوف هو أن قلبها بالفعل كان يخفق باسم شاب. “كنتُ أهرب من أبي وأخشى طغيانه، فرحلتُ بعيداً جداً كي لا أضطر الى الاعتراف – لكن بماذا، بأي إثم؟”
وفي الجزء الثالث من رواية ” الحب ، الفانتازيا ” تكشف فاطمة الزهراء عن أبعاد هذا المأزق السيكولغوي ـ ان صح التعبيرـ الذي تعاني منه ، لقد أراد لها والدها منذ صغرها أن تتعلم الفرنسية ، لكن في الحقيقة أيضا تلك كانت مشيئة المستعمر ، ورغم ما يبدو أنها اللغة التي استأنست لها عبر خمسة عقود من الحكي الروائي والمقالات الصحفية والأطروحات التنظيرية ، الا أنها تعاني من اشكالية لغوية هائلة حين تقول : “منذ طفولتي خدمتني اللغة الأجنبية كنافذة أطلّ منها على مشهد العالم وكنوزه. ولكنها سرعان ما انقلبت إلى مدية مسلطة على عنقي”.
انها تعاني من عذابات التقاذف ما بين الانتماء والنفي ، تكتب بلغة الآخر، عن ماذا ؟ عن الأنا ، وكما يبدو أنهماـ لغة الآخر والأنا ـ أصبحا خيارها ، لا تستطيع أن تقصي أحدهما.
وعن الأنا القديمة، المتجددة ، الخالدة ، تقول دائما وباعتزاز : إنّ مصدر إلهامي كامرأة وخاصة ككاتبة هي الثقافة الإسلاميّة، وكأنها رغم المنفى الجغرافي الاختياري ” تسكن في نيويورك وتعيش في باريس على حد وصف صحفي فرنسي ” لم تبرح جغرافيتها الأولى أبدا، ودائما تشعر ـ وهذا ما نستحضره في سطورها ـ أنها لم تنشطر أبدا عن تاريخ نساء قبيلتها: “قادتني الكتابة إلى صرخات التمرد المكتومة التي كنت أسمعها أثناء طفولتي، قادتني إلى جذوري. الكتابة لا تخمد الصوت بل توقظه وتحفزه بالخصوص على تذكر العديد من الأخوات اللواتي اختفين.
وليست عذابات المرأة وحدها كان هاجس آسيا جبار، بل انجازاتها التاريخية، ففيما يغيب عن العقل الذكوري أو يحاول أن يتجاهله كانت المرأة المسلمة الفاعلة حاضرة بقوة في أزمنة الازدهار، ولقد أمضت كاتبتنا الرائعة عامين كاملين في بحث ودراسة نصوص المؤرخين العرب، ومن ضمنهم المؤرخ المعروف” الطبري”، وذلك لتبيّن الدور الذي لعبته المرأة في فجر الإسلام، ورصدت أبعاد هذا الدور في كتاب مهم صدر عام 1991 بعنوان: بعيدا عن المدينة.
وهكذا ظلت نساء القبيلة بأوجاعهن وأحلامهن هاجس آسيا جبار رغم منفييها الجغرافي واللغوي، لأكثر من نصف قرن .!

محمد القصبي

إلى الأعلى