الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: على أطلال تدمر

باختصار: على أطلال تدمر

زهير ماجد

بكل المقاييس هو حقدي على حثالة الشعوب عندما يزين لها صاحب القوة أن تقوى فتأتي إلى المكان الذي لا يليق إلا بأصحابه الحقيقيين. تدمر الآن بأيدي العابثين بالتاريخ، القاتلين لذاكرة الأمة، العاملين الهدم فيها بوصايا آخرين أن اهدموا ما استطعتم كي لا يبقى للعرب ما يؤدي إلى انتمائهم لحضارة.
تمردت زنوبيا ملكة تدمر على روما .. حملت السلاح بوجهها بعدما رفضت الخضوع لحكمها. هي ابنة المكان الشامي التي تعملقت لأن انتماءها لتلك المنطقة طغى على حياتها .. لا يمكن للشامي إلا أن يكون ثائرا، أما أولئك الأوباش القادمون من مزبلة التاريخ فلا يعرفون من أي مكان هم، ولا أية حكمة تواعدت مع تدمر كي تظل منتصبة في الصحراء مقدمة حالها لنا ولغيرنا من الذين قرأوها وعرفوا سرها المكنون.
إنه الخبر الذي يصعق البال بعدما أضيفت تدمر إلى قائمة المدن المحتلة وهي المكان الذي علم كل تاريخ بعده كيف تكون الثورة، وكيف يقاوم لصوص من أرسلهم لهدمها .. نحن نعرف من أرسلهم اليوم ومن أرشدهم ومن أعطاهم قوة أن يسطوا على موقع لا مثيل له بين تواريخ العالم باعتباره ما زال حافظا لمدينة شبه متكاملة عجز الزمان عن محوها.
استنفر العالم الذي بكى آثار العراق وهو يتطلع إلى كيفية هدمها، إلى معاول إرهابيين لا يعرفون لماذا حفظ ذاك المكان وتم تبجيله، ولماذا نال الحظوة والمكانة، وهل غير زنوبيا من ملأت صدورنا ونحن نقرأ عنها كيف واجهت وأرادت الاستقلال، وكيف ما زالت ذاكرتها مع هنيبعل بطل قرطاجة كأسس في دراسة ثائرين كبار من عمالقة تاريخ المنطقة ضد امبراطورية لم تكن لتغيب عنها الشمس.
لن يكون بكاء على أطلال ملكة لم تكن لتحب البكاء لأن الشدة سوف لا تدوم، وهذا البغي الذي ظن التأبد هناك، بين تلك الأعمدة التي نصبتها عقول أبناء الشام، سيعرف الشاميون من جديد كيف ستتمكن زنود الجيش العربي السوري من إعادة وجه المسرح إلى نضارته وعنقوانه، وبيد هؤلاء الأبطال سيمحى وجود تلك الفئة الباغية الإرهابية بامتياز.
خسئا لذاك الذي يقف من بعيد يريد تدمير كنوز الشرق تحت ظنه بأن لا تبقى سوى حضارته التي كان دائما شؤما على المنطقة وعلى أبنائها، بل هو صاحب التاريخ الأسود الذي لم يقدم للمنطقة سوى الوبال والألم.
تلك المدينة الجميلة التي زينت الصحراء وأعطتها الهوية التي تستحق، تعيش اليوم سباقا مع الزمان قبل أن يعتدي عليها إرهاب ذاك البعيد وأيدي الجلاوزة الذين جهزوا معاولهم للانتقام من تاريخ هو أغلى ما نعتد به إذا ما أردنا أن نفاخر بما هو سحر الشرق وعنوانه بين الحضارات.
على إطلاق تدمر الساحرة، يقينا بعد اليوم لن أبكي كما قالت شقيقة الشاعر إبراهيم طوقان فدوى، هنالك دائما الأمل المعقود على جيشنا العربي السوري، على أولئك البواسل حفّاظي الأمكنة، أسياد البر والجو، الشاميون الطالعون من كتب المجد حيث الشام مجدهم. نعرف أن معركتنا طويلة وأن من أقاموا الحد على شامنا، قرروا تدمير حاضرها وتاريخها كي تتوه في عتمة تاريخهم الأسود. نذكرهم أنهم في حضرة زنوبيا التي عصيت على أكبر الامبراطوريات، ولسوف يكتب التدميريون من سلالة الشام ملحمة بلادهم التي لم تتوقف نضالا ضد كل أشكال الطغاة.

إلى الأعلى