الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حكايات شعبيّة ظفارية لمحمد المهري

حكايات شعبيّة ظفارية لمحمد المهري

كأنه جزء من “ألف ليلة وليلة” أو من كتاب “الدّيكاميرون” أو “حكايات أيسوب”

حبّ الحكايات أصابني منذ الصّغر، لا أحبّ شيئا أكثر من تلك الرّوح الغامضة التّي تمتدّ في ليل الرّوح غير عابئة بشيء. أحبّ عوالمها القائمة على الثّنائيات بخيرها وشرّها وأتمثّلها وأستعيدها الآن كما يستعيد المتنبّئ نبوءته والعرّاف أوراده. والحكايات المرويّة كانت في طفولتي المبكّرة مكوّنا أساسيّا لكلّ ما أصبحت عليه اليوم. أتذكّر جدّتي “مريم”، بكسر الميم، ودادة “الصّالحة”، وعمّي “يونس”، الفلاّح التاجر الذّي كان يزورنا كلّ يوم خميس في بيتنا في جلمة المدينة الصّغيرة النّائمة في حضن ولاية سيدي بوزيد التّونسيّة، أتذكّر الحكايات واحدة واحدة بأصوات رواتها العظام الميّتين منهم رحمهم اللّه، والأحياء أطال اللّه في أعمارهم. وأستعيد مشهد إخوتي ونحن متحلّقين حول الرّاوي الذّي يتفنّن في إغواء أرواحنا، وتجسير واقعنا بخيالات كانت تبدو لنا بعيدة جدّا.
الحكايات بعد أن كبرنا بقيت تلازمنا، قلّت صلتنا بالرّواة الحقيقيين، وغيّرناهم برواة نصّيين أكثر برودا وبعدا عن حياتنا، ولكنّهم أكثر عطاء وتنوّعا ورغبة في الخلود. وصارت الحياة نفسها عبارة عن حكاية بلا راو، تتقدّم وحدها، ولا تجد من يرويها. يقولها صاحب “مئة عام من العزلة” في كتابه المهمّ “عشتها لأوريها” في كتاب كامل، لعلّه من أهمّ كتبه، ويستعيد فيها روح أولائك الرّواة العظام الذّين عاشوا في طفولتنا. ويقولها صاحب كتاب “زوربا اليوناني” في كتابه الأهمّ “تقرير إلى غريكو” بروح مترعة بتراثها الفلسفي العريق، بطريقة الرّواة الطبيعيين السّاحرة العميقة الموحية، ويقولها صاحب “الجميلات النّائمات” بطريقة الجدّات الهادئة المليئة بالخبايا.. صرت أجمل، داخلي تحيا جدّتي وأمّي وعمّي يونس ونيكوس كازانتازاكي وماركيز وغيره من السّاردين العظام الذّين دفعوا في أرواحنا لذائذ الكلم الطيّب وفتحوا أمام عيوننا كنوز الكون المخبّأة. ولعلّ أعظم السّاردين في التّاريخ هم ساردون لا يعرف أسماءهم أحد. فمن هو سارد ألف ليلة وليلة؟ ومن هو سارد “الدّيكاميرون” الإيطالية؟ ومن هو سارد “حكايات أيسوب”؟ سلاسل رواة، كلّ يضيف ويزيد ويغيّر ويضمّن جزءا من روحه في المرويّ، فتستقيم المرويّات نصوصا كبيرة عميقة الأثر.
بهذا المعنى أقرأ الحكايات الشّعبيّة، أقرؤها كما أقرأ الرّوايات والقصص الحديثة، وكثيرا ما أميل إليها، إلى صدقها وعفويتها وعمقها الضّارب في أصل النّشأة والتّكوين وطبائع البشر قبل أن يجرّد الواقع من خياليته وسحره ورموزه ويصبح عاريا أجرد مخيفا مرعبا قاسيا.
وضمن هذه الرّؤية أصدرت روايتي “حكايات جابر الرّاعي” مستعيدا عمّي يونس في شخصية الرّاوي وأمّي في شخصية شهرزاد الصغيرة صاحبة التفاحات السبع التي تغني، وجدّتي في جابر وحكاياته العجيبة. فاتن أن تورق مثل حبّة قمح في يد بطلة قصّة خرافية، فاتن أن تنبت لك في التوّ أجنحة وتطير، فاتن أن تدفع الكلمات في روحك خيالات الفردوس وأوهام النّار.كلّ هذه المشاعر دفعني إليها كتاب أعتبره كنزا حقيقيّا، ولست أبالغ، نعم إنّه كنز لا تحقّقه إلاّ الهمم العالية، التّي تعرف قيمة تراثها الشفوي. كتاب عظيم القيمة، نادر، بديع، سرّني الحصول عليه، أنا المفتون بكلّ حكاية، فضممته لمكتبتي التّي تضمّ كتبا كثيرة من حكايات الشّعوب. عنوان الكتاب “حكايات شعبيّة ظفاريّة” للمبدع العماني محمد المهري وهو لمن لا يعرفه حكاية بذاتها، فله ثقافة عميقة متينة بقديم الأدب وحديثه تشهد به اهتماماته نقدا وبحثا. وهو باحث متعمّق في كلّ ما يتعلّق باللّهجة. وهو مع ذلك شخص محبوب لطيف المعشر قويّ الملاحظة طيّب الطبّع محبّ للأدب وأهله حفاظة، يليق به كلّ وصف جميل وكلّ ذكر حسن.
قرأت كتابه قبل أن أعرفه في بداية وصولي إلى السّلطنة، وتحدّثنا عنه كثيرا حين تقابلنا. وأحسب أنّ محمد المهري لا يقدّر قيمه عمله جيّدا، ربّما بسبب تواضعه. إذ أنّ الكتاب يستحقّ أن يكون رافدا مهمّا لتلك الأعمال الضروريّة في تاريخ الأمم لتأسيس ذاكرتها وجعلها أثرا قابلا للتداول بعد أن كانت تراثا لا ماديا قابلا للزّوال. والكتاب في 287 صفحة من القطع المتوسط الأصفر الغليظ، صادر في طبعة جيّدة عن دار الفرقد للطباعة والنّشر والتوزيع في طبعة أولى لسنة 2010. وغلافها يحتوي على لوحة تشكيلية دون إحالة لامرأة تبدو مثل راقصة في جوّ أسطوري خرافي يناسب الكتاب.
والملفت للنّظر منذ البداية هو كلمة “قصص” المكتوبة على الغلاف بخط بارز وكلمة “مجموعة قصصية” الموضوعة في الصفحة الثالثة من الكتاب. إن الكتاب ليس قصصا بالمعنى بالمعنى الحديث للقصّة، وليس أيضا مجموعة قصصية بل من البيّن أنّه مجموعة حكايات شعبيّة أو خرافات أو مرويات، أم هل إنّ محمد المهري يعتبر هذه المرويّات قصصا بمعنى معيّن؟ هل يتحدّث عن النّصوص باعتبارها قصصا قبل ترجمته لها أو بعد الترجمة إلى اللغة العربية؟ هل تصبح الحكاية الشّعبية قصّة حين تعرّب؟ أو تبقى بنفس صفتها؟ مهما كان الامر فإنّ هذا الخطاب الأجناسي ضروري لتصنيف محتويات الكتاب. وإضافة كلمة قصّ أو قصّة لا يضيف شيئا ذا بال للكتاب. فسحره في نوعه وليس فيما يضاف إليه من صفات.
ينقسم الكتاب إلى أبواب أطلقت عليها أسماء مثل قصص الجنّ وعددها 13، وقصص السحر وعددها 9، وقصص العقل والدّماء وعددها 12، وقصص الشجاعة وعددها 3، وقصص مجموعة (كذا) وعددها 32 قصة.. وعدد الحكايات الجملي 69 قصّة، مسبوقة بإهداء ومقدّمتين ومنهج الكتاب.
يقول أحد حكماء ظفار “زمن (يقصد في الزمن القديم) “كان” كلّ يتحدّث.. حتّى الصّخر، حتّى الحيوان، كلّ شيء يتكلّم عن نفسه، يتحدّث عن مستقبله، أو ما يحدث بعد المستقبل”. في الماضي كان لكلّ شيء فم، ولكلّ شيء روح، ومحمد المهري يقبض على جمرة القدماء وحكمتهم، يصغي معهم إلى ذلك الزّمن الذّي يتفتّت كالرّمل ويغيب بين الأصابع.
يجمع المؤّلف حكايات “لا تملّها النّفس، ولا تنفر منها الأسماع”، ويجد فيها القارئ علائق متّأصّلة بجذور الإنسان وبداياته الأولى. وذلك يعني أنّ الباحث واع بأنه يعيد تشكيل طين التراث، ويستعيد الألفات الآفلة المنثورة في “القصّ” بمعناه الطّبيعي الأوّل حيث ما تزال صلة الإنسان بأساطيره حيّة غضّة فهي لم ترحل بعد من حكياته، ولم تهجره، كما تعكس صلة الإنسان بالحياة ضمن ثنائيات كثيرة منها الرّفض والقبول والخير والشرّ والواقعي والخيالي.
وهذا العمل تقف أمامه صعوبات كثيرة حاول الكاتب تجاوزها إذ أنّ ما يرويهليس مدوّنا، بل هو من قبيل التراث الشّفوي. وهنا مكمن الصعوبة. فكيف نحوّل الشّفوي إلى نص مكتوب، ولكليهما نظام مفارق للآخر، ومحكوم بحدود. كيف نوحّد في نصّ عربيّ تحكمه طبيعته الخاصة، ونقصد هنا النصّ القصصي، حكايات متنوّعة مختلفة باختلاف بيئاتها، كيف نوحّدها؟ وما هي ضرورة ذلك؟ وهل أدّى ذلك إلى نتائج واضحة؟ يعي محمد المهري أن “القصص” الظّفاري الموروث يختلف من بيئة إلى أخرى (…) من حيث طرح الحكاية وأسلوبها، عدا ما يداخلها أحيانا من زيادة ونقصان بتأثير الاختلاط عبر الرحلة والتجارة.
تتباين المرويّات إذن، لكنّها لا تختلف كلّيا، بل هي عند العارف الحصيف متجانسة. تشدّنا بلذّتها وعجيبها وقدرتها على تخطّي الزّمان والمكان. نقرأ في الحكايات ثقافة قوم لم تكن حياتهم عرضا، بل في عمق الكون وفي صميمه، لهم صلة به، صلة دم، إذ أنّ النجم في بعض حكاياتهم ليس نجما، بل رجل. وسقوط النّجم، ليس ليس مجرّد سقزط، بل هو موت رجل. والنّجم في حكاية أخرى يسقط على بيت رجل يعدّ النّجوم.. لأنّه عدّه ضمن النّجوم، وامرأة أخرى يسقط عليها نجمها لأنّها استعجلت سقوطه.. الأفلاك وأسرارها الغامضة تنزّل إلى الواقع، ويسلّط عليها ضوء الخيال الخلاّق، يتغيّر معنى “الغامض” فلا يعود غامضا، بل بل يستعيد طبيعة المعيش المؤنسن الذّي لا يحتاج إلى تفسير لأنّه يدخل في دائرة الممكن. وهنا يقوم الرّواة والحفّاظ بنقل ما عاشوه وما سمعوه، ليس باعتباره أدبا، وهو لعمري أدب من أفضل الآداب، بل باعتباره تمظهرا لوجودهم في الزّمان والمكان وجودا متأصّلا في الواقع وفي ما يحيط به من متخيّلات كثيرة تتعلّق بالسّحر والجنّ والجبال والبوادي وحكايات البحر والرحّالة والعلماء وسائر ما يحدث في حياتهم.
يخبرنا محمد المهري أنّ للحكاية مصادر منها نواخذة البحر، الذّين يتسامرون بالقصّ خوف النّوم، ودليله على ذلك أنّ عديد الحكايات متداولة بين مجتمعات الجزيرة العربيّة. ومنها الخطّار وهم مجموعة من الأشخاص يتحوّلون من منطقة إلى أخرى للترفيه عن أنفسهم أو لتحقيق مآرب أخرى، مصدران فقط يبدوان شديدي الخصوصيّة والمحلّية وعلى صلة بظفار في أقسامها البحريّة، لكن ماذا نقول عن ظفار في أقسامها البعيدة عن البحر؟ وأين نجد حكاياتها تلك؟ وما تكون مصادر القصّ الشّعبي فيها؟
وهذه الحكايات تتضمّن مخزونا تراثيّا قلّ أن تتفطّن إليه في غيره، لأنّه يرتبط بأسئلة مركزية مثل سؤال من نحن؟ وما هويتنا؟ وماذا نقصد بما هو ذاتي؟ وهل ما هو ذاتي هو منقطع عن ذوات الآخرين؟ وهل نحن مختلفين عن الغير؟ وما هي الأصالة؟ إنّها أسئلة الذّات المحاصرة “بالآلات” وبمجتمعات الاستهلاك المشهدي وثقافات الجموع المتوحشة. تعيدنا الحكايات إلى عالم بلا آلة، إلاّ ما كان بسيطا ضروريا، ولا صور إلاّ ما كان طيّعا كحلم ومعبّئا بالأمل كغيمة. وفيه يكفّ الإنسان عن كونه إنسانا أسيرا للواقع وينفتح على المطلقات والغيوب والسّحرة والمردة.
الخوف هو ما دفع محمد المهري لكتابة الحكايات وتعريبها، إذ أنّ الحكايات لم تكن من قبل موجودة بالعربية، دافعه الأوّل كما يصرّح بذلك هو الخوف، “الخوف من اندثار الموروث وضياع الهوية، وغلبة الثقافات الوافدة أمام خطر الامّحاء”. يأتي الكتاب باعتباره موقفا ضدّ المحو والضّياع وضدّ ثقافة الهيمنة الثقافية وحفاظا على “بعض من الهوية العمانية الأصيلة من خلال إبداع العقل الجمعي العماني”. هذا موقف دفاعي دون شكّ، لا ينهض به شخص بل فرق عمل كثيرة، يأخذ كلّ منها بطرف. ولقد رأينا في مشروع الموسوعة العمانية تمشّيا رائدا في هذا الاتّجاه.
مقدّمات الكتاب تتضمّن معلومات مهمّة للقارئ. بعضها لاغنى عنه رغم قصرها وعدم توسّعها وابتعادها عن تحليل مضمون الحكايات وبنيانها وهو عمل أدعو الباحث في طبعته الجديدة أن يقوم به أو يكلّف به باحثا آخر. إذ تستقيم مادة الكتاب مجالا للدّرس الأنتروبولي والسوسيولوجي وغيره في أنماط الدّرس الحديث.. وأهمّها في رأيي البحث الأدبي في بنياتها التّي تبدو لي شديدة الخصوصية.
حين يموت جدّ أو جدّة تحترق مكتبة. من لنا بكتابة كلّ ما يعرفه أجدادنا؟ لقد بدأ محمد المهري في سلطنة عمان سباق الألف ميل، فمن يكمل؟ من يكمل توثيق حكايات بقيّة أرجاء السلطنة الممتدّة شمالا وجنوبا؟ إنّ كتاب الحكايات هذا كتاب خاص بظفار ناطق بتراثها الخاص، ونرى فيه فضاءات البيئة الظفارية التّي تشكّل الذّاكرة الحكائيةللقصص الشعبي فيها. وهذه النصوص تفسّر كعادة كلّ أدب شعبي حقيقي جانبا من جوانب حياتنا كما يقول محمد بن صخر العامري. وتكشف طريقة إقامتنا في الكون.
أمّا ظفار فهي محافظة تتميّز بجغرافيا متنوّعة وهي أرض اللبّان والبخور، تراثها ضارب في العمق وآثارها معروفة واسمها مشتقّ من النبات العطر، وكم وددت لو سمّى محمد المهري كتابه “النبات العطر” فما أعطره نباتا وما أسماه كتابا يفرّغ في النّفس ذهب الأصالة العريق ويمنح للرّوح أجنحة تطير به على جناحي الرّغبة.
أببت في الكتاب تلك الرّوح التّي أتخيّلها الأن ومحمد المهري يسمع الحكايات ويسجّلها، تخيّلت البيوت التّي مرّت دون وصف، والملامح التّي لم تكتب، والمسنّين الذّين مات الأن أغلبهم دون حتّى أن نعرف أسماءهم. حلّقت مرّات وأنا أقرأ، وجنّحت إلى مراتب المستحيل. قادتني الشّخصيات من يدي، وأحيانا من أجنحتي، تعرّفت وأنا أقرأ إلى الشّرور كلّها وإلى الخير، وعبثت مرارا مع الجان والسّحرة. وتمتّعت بتلك القيم التّي لا يزال أدبنا الشّعبي يذكّيها ويعلي من شأنها، لكنّني أيضا أشفقت على الشخصيات الشرّيرة ، فليست شرّيرة إلاّ لأنّ راويها أراد امتحانها بالشرّ وقهرها بالخير، أمّا البيئة الظفارية فإنّها اكتشاف للقارئ العربي بنباتاتها وأسماء حيوانها وتقاليدها الضّاربة في القدم.
ولقد اعتمد محمد المهري منهجا في الكتاب دلّ على ما تكبّده من تعب ومشقّة، إذ لم يدّخر جهدا في البحث عن الحكايات من أفواه المسنّين بأنفسهم دون وسيط، ثمّ نقلها أو ترجمها إلى العربية وهو جهد لا يحيط به إلاّ فرق عمل تمتلك من الوسائل أفضلها. ولقد استعان الباحث ببعض طالباته وبما كتبه المرحوم سعود بن مسعود بن محمد المعشني في كتابه القيّم “الأعراف والعادات الاجتماعية والثقافية في ظفار”. ولقد تجسّم الباحث عناء وضع العناوين وهي مهمّة يتناساها الرّاوي ولا يعيرها أيّ قيمة.
هذا كتاب مزاياه لا تحصى وفوائده لا تعدّ حقيقة. أقول ذلك بلا أدنى تحفظ، وهو عمل يشبه ما قام به في تونس عبد العزيز العروي الذّي صدرت حكاياته في 4 مجّلدات باللهجة الدارجة ولم تعرّب بعد، وكانت لسنوات طويلة تبثّ إذاعيا وتعود في شكل خرافات تجمع العائلة في التلفزيون التونسي. ويشبه الحكايات الإيطالية… وغيره من كتب الحكايات. ولقد سعى الباحث إلى عدم الإغراق في المحلّية الظفارية قدر الإمكان ليفهمها القارئ العربي. لكنّ الحكايات حسب رأيي بقيت ظفارية بلبوس عربي، أي أنّ كلّ ما فيها من مسمّياتها ويحيل على ظفار ومن ورائها عمان كلها. يمكن طبعا أن نتساءل عن ماهية عمل الباحث وهو يعيد بناء الحكايات ويحذف ويضيف لها. ولنا أن نتساءل عن درجة تمثيلية هذه الحكايات للمجتمع الظفاري المتنوّع. نتساءل أيضا عمّا صرّح به الرّواة. هل هو فعلا ما أرادوا قوله فعلا؟ أم أنّ لغتهم خذلتهم؟ فلم يقولوا ممّا أرادوه إلاّ ما سمحت به لغتهم وحالتهم وظروفهم في يوم التسجيل أو السّماع. يخبرنا محمد المهري عن رواة خافوا وتردّدوا وعن رواة رفضوا تسجيل الحكاية ثمّ غيروا رأيهم بعد سنوات. إنّني إذ أتخيّل كلّ ما حدث مع محمد المهري. أستعيد تلك الرّوح الشّعبية العميقة وما ينساب فيها من ودّ ومن محبّات ومن شقاء. أمّا حكاية هذا الكتاب فنجد في مقدّماتها بعض عناصرها لكنّها حكاية أدعو محمد المهري إلى كتابتها، وتذكيرنا بأولائك الرواة العظام المجهولين وهم يروون، نريد أن يصف لنا عيونهم وهو يستنهضهم ليرووا، أليس ماركيز أحد العجائز الذّين “رووا حياتهم”، نلمح في الحكايات صوت الراوي أمّا الصوت المسيطر فهو صوت محمد المهري بلغته العربية السمحة المتبسّطة القريبة من الكلام العامي حينا والرفيعة الدقيقة حينا آخر. أمّا أكثر ما أحببته في الكتاب، الذّي لا يقرأ مرّة واحدة، بل يرتشف على مراحل. هو حبّه لعؤلاء النّاس الذّين يهدّدهم الموت وحبّه لحياتهم وتصورهم للوجود وانسياقه معهم في تجاربهم وخبراتهم وهم يروون يصنعون أسطورتهم الشخصية كما يقول باولو كويلهو عن بطل روايته الأشهر.
69 قصّة تمّ تصنيفها في ما يشبه الأبواب، وترك أكثرها في باب بلا اسم لأنّ الحكايات في طبيعتها منفلته سرديا وموضوعاتيا عن كلّ تصنيف. ولعلّ وجود 32 حكاية في قسم سمّاه الكاتب “مجموعة قصص” دليل على حيرة واضحة أمام التّصنيف. والحقّ أن ّ للحكايات منطقا خاصا وطرقا في السرد متنوّعة، إذ يهجم بعض السّاردين على مواضيعهم مباشرة فيما يفضّل آخرون أن يطيلوا في ذكر التفاصيل، وغيرهم يفضّل التركيز على ما هو ذاتي، وبعضهم يفضّل إن يظهر قدرته على تصريف الكلام. ولكنّ الحكايات وهي مترجمة تبدة متجانسة بلغة هي لغة محمد المهري، سهلة محببة إلى النّفس في غير ضعف رغم قربها من الشفوي، ترقّ أحيانا حتى تستقيم بعض فقراتها نصّا سرديا عالي المستوى خصوصا حيث يحضر العجيب. والحكايات نفسها تختلف طولا ونوعا، ففيها ما لا يتجاوز الصفحة مثل قصّة انقراض السلول وعنوانها “حيوان خرافي”، وهي عبارة عن خبر بسيط عن رجل احتال بواسطة ابنته لصيد آخر سلول ممّا دفع باقي القطيع إلى الاختفاء مؤثرا السلم. وتكون بعض الحكايات طويلة تتجاوز الصفحات مثل “البدوي”، وهي حكاية حوت من الأعاجيب الكثير، فلا يكاد ينتهي حدث غريب حتّى يأتي حدث أغرب.وحكايات الكتاب رغم صلتها العميقة بواقع البلد فإنها تغرف من الخيال غرفا، وهو خيال قريب المتناول طريف يكاد يكون لفرط صدقيته حقيقة. تشعر معه أنّ الخيال جزء من واقع الناس، يعيش بينهم ولم يفارقهم أبدا إلاّ حديثا في حياتهم المعاصرة.
مهمّ جدا هذا الكتاب، لهذا أدعو كلّ قارئ له أولاد أن يوفّره في مكتبته له ولأولاده.ففيه زاد كبير من المعارف المتنوعة عن عمان وعن ثقافتها الشعبية وفيه شخصيات ذكورية وانثوية انسانية وخيالية وفيه قوى طبيعية متمايزة وفيه أبعاد أخلاقية شديدة العمق. والكتاب بعد ذلك ينمّي إحساس القارئ ويدفعه إلى الفخر ببلده وبتراثه العريق. وهو للباحث في التراث الشفوي كنز حقيقي. وأصل الكتاب باللغة المهرية والشحرية وهو فيما أتصوّر متوفّر لدى الكاتب للباحثين عبر التسجيلات الأصليّة التي من المهم توثيقها وحفظها ولم لا كتابتها بلغتها لتنشر لغايات بحثية. والكتاب يوفّر مادة حكي تلقي الضّوء على أرض عذراء تماما وبكر، تقرؤها فتراها لأوّل مرّة، فتحبّها وترغب في معايشتها وإعادة إنتاجها وسردها على من تحبهم.

نصر سامي

إلى الأعلى