الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سائق ريكشا

سائق ريكشا

كونوت سيركل في سويعات الفجر الأولى قد تكون مكاناً مهجوراً. فالمتسولون وهم نائمون عند الزوايا لا شيءٍ يدثرهم سوى الساري، والكلاب الهجينة تبحث عن طعامٍ بين أكوام القمامة في سباقٍ مع الفئران التي تُفتش عن بقايا طعامٍ أيضاً لتُشبع ضَوْرها.
عند هذا المشهد وصل سكوت. فقد ترجّل من حافلة المطار ومشى على الرصيف بشوارع دلهي. كانت الحافلة قد توقفت في كونوت سيركل وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الدوائر الممتدة حول نافورة مُستديرة جافة منذ زمن طويل.
كان ضوء النهار لايزال متوارياً خلف بعض السحب الكثيفة. وكان سكوت نصف مستيقظ، مثل الفجر، أدركه الظلام والنور. فقد هبط في المطار الدولي بعد منتصف الليل وقرر المكوث بصالة الزوار حتى وضح النهار، مُدركاً أن بقاءه في صالة المطار أكثر أمناً من تجوله ليلاً في طرقات المدينة.
ما إن بزغ ضوء النهار حتى بدأ يتجول في قلب المدينة لكن الطرقات لاتزال مهجورة على نحو يدعو إلى الاستغراب. وبينما كان يسير مهتدياً بالرسم المُبْهَم لخارطة دليل السفر، اقترب منه رجلٌ أسمر.
“توخى الحذر سيدي، هناك الكثير من الناس السيئين هنا في الصباح الباكر. إلى أين أنت ذاهب؟”
كان سكوت بشعره الأشقر وبشرته البيضاء وحقيبته الكبيرة التي يحملها على ظهره والكاميرا الرقمية المُعلقة بحزامٍ حول خصره يدلان جميعاً على أنه مُسافرٌ أجنبي.
كَرَّرَ الرجل السؤال “إلى أين أنت ذاهب؟ سأساعدك.”
لم يجب سكوت، فبدا الاستياء واضحاً على الرجل من خلال صمته لكن ذلك لم يُثبط من عزمه.
فجأة توقفت عربة ريكشا بجانبهما. فقال السائق “سيدي، إلى أين أنت ذاهب؟ أخبرني بصدق وسوف آخذك إلى وجهتك.”
فرد عليه سكوت “يمكنني العثور على المكان بنفسي؟ إنني على مايرام. اتركني وشأني.”
أمسك سكوت بدليل السفر وحاول دراسة الخارطة لكنه لم يكن قادراً على تحديد الموقع الصحيح الذي كان يقف عليه في تلك اللحظة. كان رأسه يسبح بتيارات من الارتباك. فالطرق معالمها ليست واضحة جيداً كما أن جميع المباني تبدو متشابهة. وقد حُذّر من سائقي عربات الريكشا وحيلهم الكثيرة ونصبهم على المسافرين. ففي داخله نقص من الثقة من الصعب عليه محوها.
اجتمع حوله حشد صغير من الناس. فقد جذبتهم الجلبة، كفراشة يجذبها ضوء المصباح.
“من فضلكم،” توسل سكوت “من فضلكم اتركوني وشأني، يمكنني تدبر أمري.”
فصاح سائق عربة الريكشا “لايمكنك سيدي، إن هذا المكان خطير جداً في الصباح الباكر، حيث أنه يعجُ باللصوص المختبئين في الظلال. والناس يختفون دون أن يُرى أو يُسمع عنهم شيئ مُجدداً. هيا اصعد إلى عربتي.” إن هذه لم تعد دعوة بل أمر بالصعود.
بدأ سكوت يشعر أنه مُهدد.
أقدم عليه رجل آخر وقال له “لاتثق بهؤلاء السائقين. إنهم جميعاً حفنة من الكذابين. تعال معي. سوف آخذك إلى فندق رخيص، نظيف، وآمن.”
فصاح السائق “لا تستمع إليه، إنه رجل غشاش! يقول دوماً أشياء زائفة عن سائقي الريكشا مع أنه هو الآخر غير شريف!”
بدأ رأس سكوت يسبح في المَعْمَعة. فقد أصيب بدوارٍ بسبب الفوضى ولم يعد باستطاعته معرفة من سيصدق. كان سائق الريكشا رجلاً في السادسة والعشرين تقريبا، بشعر أسود كثيف وعينين سوداوين ثاقبتين واستمر “لماذا لا تثق بي؟ إنني رجل أمين. من فضلك اصعد عربتي.”
شعر سكوت أنه مُهدد وتمنى لو أنهم جميعاً تواروا من أمامه بحيث يمكنه العثور على فندق بنفسه دون تدخل من أحد.
لاحظ السائق انزعاجه فقال بأسى وبطريقة فلسفية، “أنت لاتثق بي لكن في هذه الحياة يجب أن تثق بالناس وإلا لن تستطيع أن تعيش. إن لم تثق بأحد ستعيش وحيدا مدى حياتك. من فضلك اصعد عربتي.”
لم يولِ سكوت اهتماما بالسائق واستمر في المشي في الاتجاه المُتخيل للفندق الذي يبحث عنه. قاد السائق عربته بجانبه، فشعر سكوت كما لو أنه كان يُتَرَبص به.
“من فضلك، إتركني وشأني!”
“لا، سوف أتبعك حتى تخرج بأمان من هذه المنطقة المؤذية.”
“ابتعد عني! هيا ابتعد عن طريقي!”
“لا يمكنك إيقافي عن قيادة عربتي.”
بالفعل، إنه مُحقٌ فيما يقول. لم يكن هنالك أي شرطي أمام ناظريه، أما من تبقى من الرجال المتسكعين على طول الطرقات وزواياها ما كان لهم أن يهبّوا إطلاقاً للدفاع عنه إن استدعى الأمر لذلك.
استمر سكوت في المشي فألفى نفسه غارقا في العرق ومغموراً به. لقد أدرك سائق الريكشا أنه لن يتمكن من إقناع سكوت بالعدول عن قراره فتوقف عن متابعته. أوقف عربته وصاح شيئا لسكوت بلغته الأم، سرعان ما تلاشى في الهواء.
راجع سكوت الخارطة ثانية وبعد دراستها بالتفصيل تمكن من تحديد موقعه الصحيح القريب من كونوت سيركل. فقال لنفسه “آه، أنا قريب جداً. مجرد دقائق معدودة أمشيها.” واستمر في المشي وسرعان ما وجد نفسه في شارعٍ عَرِيضٍ مهجورٍ جنوب كونوت سيركل. كان هنالك بعض العمال يكنسون الشارع منهمكين في عملهم، غير عابئين حتى بوجود رحال في المنطقة.
فجأة سمع ضجيجاً مُنخفضاً لمحركٍ يقترب منه فنظر سكوت إلى الوراء. كان يقترب منه سائق ريكشا آخر. لقد بدت المدينة وكأنها وكرٌ للسائقين، تراهم يتقاطرون إليها وكأنه اجتياحٌ لحشرات غير مرغوب فيها. إنهم يتطفلون على القادمين الجدد إلى مدينتهم ويسعون إلى إرباكهم حتى يكونوا منهكين وفاقدي القدرة عن الدفاع فيستسلمون لإرادتهم.
تقدم سائق الريكشا حتى وصل بمحاذاة سكوت والذي بدأت تظهر عليه علامات تدل على أن الإجهاد قد أنهك عظامه وأنه أصبح كليل البصر بسبب قلة النوم في الليل.
- “إلى أين أنت ذاهب، سيدي؟” سأله السائق بأدب.
- “اتركني وشأني.”
- “إنني فقط أحاول أن أكون مُعينا لك”
- “قلت لك اتركني وشأني.”
- “من المبكر جدًا أن يكون يومك سيئًا في الصباح”.
- “لا أريد أن أركب ريكشا.”
- “آهٍ، سيدي، ولكن مرحباً بك في بلدي. فأنت ضيفي.”
- “إنني مريض ومرهق منكم سائقي عربات الريكشا. لقد كانت لي تجربة مريرة مع أحدكم ولا أريد أن أتعامل مع آخر.”
- “أوه، لكننا لسنا جميعاً سواء.” بسط السائق يده لسكوت ومد أصابعه الخمس.
- “انظر سيدي، ماذا ترى؟”
- “أرى يدك.”
- “لا، أنت ترى أصابعي الخمس. إنها جميعاً مرتبطة بيد واحدة لكنك لن تجد إصبعين متشابهين. كل واحدة مختلفة عن الأخرى.” وبعد توقف مؤقت، استطرد.
- “سآخذك إلى وجهتك مقابل خمس روبيات فقط.”
توقف سكوت ولم يتمكن من كبح ابتسامته. فقال لنفسه “هؤلاء الناس غريبون.”
- “لا، شكراً لك. إنني على مقربة بما فيه الكفاية لأصل مشياً.”
- “حسناً. إذاً سآخذك إلى وجهتك مجاناً. لن تدفع مالاً.”
بدا سكوت محتاراً وشعر وكأنه جُعل عُرضة لعملية نصب واحتيال. كان سائق الريكشا يبدو صادقاً فيما يقول كما أنه تحدث بهدوء جم وليس لديه تلك الروح العدوانية كالتي عند سائق الريكشا الآخر بكونوت سيركل.
ربما كان بالفعل مُتعباً للغاية وربما قد أخطأ في الحُكم عليهم. ولربما دافع عن نفسه بصورة مبالغٌ فيها، وبعث بإشارات تدل على عدم الثقة. فالمسافر الوحيد غالبا ما يُعوّل على ملاطفة الغرباء له، وقد وجد رجلاً غريباً تمامًا يعرض عليه خدمةً مجانية.
وأردف السائق “لاتقلق، لن أبيعك أية سجادة. أود فقط الترحيب بك في بلدي.”
عندها ضحك سكوت. فهذا بالضبط ما كان يتوقع أنه قد يقوم به – سيبيعه سجاداً.
فقال سكوت بينما كان يهم بركوب الريكشا “حسناً، خذني إلى فندق آگرہ. إنه قريبٌ جداً منا.”
“أوه، إنه قريب جداً من فندق هانومان. لم لا تذهب إليه بدلاً من فندق آگرہ؟ إنه نظيف للغاية ورخيص جداً علاوة على أن عمي هو مالك الفندق.

تأليف: وليام م. بالسامو ترجمة: سليمان الخياري

إلى الأعلى